الدرس في شرح أسماء الله الحسنى 14، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
المقطع الأول يتناول اسم الله الإله ووروده في القرآن والسنة، ويبرز أهميته في الدعاء والاستغفار. يشرح المقطع الثاني معنى هذا الاسم وتأثيره على العبادة.
يفسر هذا الجزء معنى اسم الله الإله وعلاقته بالعبادة، ويبين أهمية تفريد العبادة لله وحده. يشير إلى بعض الأدعية النبوية التي تضمنت هذا الاسم.
العبادة تشمل كل ما يحبه الله ويرضاه من الأفعال والأقوال، ويجب إفرادها لله وحده دون غيره. يشمل ذلك الدعاء والاستغاثة والتوكل وغيرها من أنواع العبادة.
يتضمن الدعاء لله تعالى أن يرزقنا العلم والفقه، والصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه، والحمد لله رب العالمين. يعبر عن الرغبة في معرفة الله حق المعرفة وعبادته كما يجب.
بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، فمن الأسماء الحسنى التي ذكرها المؤلف رحمه الله تعالى اسم الله جل وعلا الإله. فالإله اسم من أسماء الله جل وعلا الحسنى، قد جاء ذكر هذا الاسم في مواضع كثيرة في كتاب الله جل وعلا، وسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، مما يدل على عظم هذا الاسم. فمن هذه المواضع، على سبيل الذكر، قوله جل وعلا في آية الكرسي: ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم﴾. وهكذا في سورة آل عمران قال جل وعلا: ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم نزل عليك الكتاب بالحق﴾. وقال جل وعلا في سورة الكهف: ﴿قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا﴾. وقال جل وعلا: ﴿قل إنما إلهكم إله واحد فهل أنتم مسلمون﴾. قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو وسع كل شيء علما﴾. وقال جل وعلا: ﴿فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم﴾. وقال جل وعلا: ﴿وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله﴾. وقال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿قل أعوذ برب الناس ملك الناس إله الناس﴾. وهكذا الآيات كثيرة في كتاب الله جل وعلا التي فيها ذكر هذا الاسم من أسماء الله جل وعلا، وهو اسمه سبحانه وتعالى الإله. وهكذا الأحاديث في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام كثيرة، جاء هذا الاسم على سبيل الذكر والاختصار في دعاء سيد الاستغفار الذي قال فيه عليه الصلاة والسلام: «سيد الاستغفار أن تقول: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي، فاغفر لي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت». كما جاء في البخاري من حديث شداد بن أوس رضي الله تعالى عنه. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من قاله حين يمسي أو من قاله في يومه موقنا بذلك حين يمسي دخل الجنة قبل أن يصبح، وإذا قاله حين يصبح موقنا بذلك دخل الجنة». ففيه فضل عظيم لقول هذا الذكر العظيم. وهكذا كذلك في دعاء ذي النون وهو في بطن الحوت، كما جاء في حديث سعد عند أحمد والترمذي، قال عليه الصلاة والسلام: «دعوة ذي النون وهو في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين». وهكذا كذلك في دعاء الكرب الذي جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقول عند الكرب: «لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض ورب العرش الكريم». وهذا دعاء الكرب، وقد تضمن هذا الاسم العظيم، اسم الله جل وعلا الإله. وهكذا كذلك في ذلك الدعاء العظيم الذي ترتب عليه الفضل العظيم، وهو ما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير، مئة مرة في يومه، كان له عدل عشر رقاب، وكتبت له مئة حسنة، ومحيت عنه مئة سيئة، وكانت له حرزا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي». ولا يأتي أحد بأفضل مما جاء به إلا من عمل أكثر من ذلك. فمعنى اسم الله جل وعلا الإله: معناه ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين. فإن معنى لفظ الجلالة الله، ومعنى لفظ الجلالة الإله متقارب. فمعنى الله ومعنى الإله كما قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين. فالإله بمعنى المعبود، لأن إله على وزن فعال، وفعال في لغة العرب تأتي بمعنى مفعول. فالإله هو المعبود الموصوف بالألوهية، وهذا معنى قوله جل وعلا: ﴿وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله﴾، يعني هو المعبود في السماء وهو المعبود في الأرض، وهو المألوه في السماء والمألوه في الأرض الذي تألهه القلوب محبة وتعظيما وتخضع له طوعا وكرها. ووصف الألوهية هو وصف عظيم، لأجله جل وعلا كان مستحقا أن يؤله وحده وأن يعبد وحده جل وعلا. فمن مقتضى الإيمان باسم الله جل وعلا الإله والتعبد لله جل وعلا بمقتضى هذا الاسم العظيم الإله، أن يفرد العبد العبادة لله جل وعلا وحده لا شريك له. يفرد العبادة للمعبود الحق وللإله الحق إذا علم أن الله جل وعلا هو الإله الحق وأنه هو المعبود الحق. فعليك أن تعبد الله جل وعلا، أن تعبد الإله فقط، لا تعبد إلا الإله الحق الذي يستحق العبادة. قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وما أرسل من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون﴾. وقال جل وعلا: ﴿وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري﴾. وقال جل وعلا: ﴿رب السماوات والأرض وما بينهما فاعبده واستبر لعبادته هل تعلم له سميا﴾. فتبين بهذا أن من لازم الإقرار بالربوبية الإقرار بالألوهية، ومن لازم الإقرار بالألوهية أيضا أن يتعبد العبد ربه جل وعلا وحده لا شريك له بجميع أنواع العبادات القلبية والقولية والفعلية. لأن العبادة كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة. والعبادات كثيرة وعظيمة، منها الدعاء، ومنها الاستغاثة، ومنها الاستعانة، ومنها كذلك الرغب والرهب والخشية والخوف والتضرع والتوكل والذبح والنذر والصلاة والزكاة وغير ذلك من العبادات الكثيرة. فعليك يا عبد الله أن تفرد الرب جل وعلا بالعبادة، كل ما صح أنه عبادة في كتاب الله أو في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، سواء كانت قولية أو كانت فعلية أو كانت قلبية. فالدعاء عبادة، يقول ربنا جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين﴾. والاستغاثة عبادة، يقول الله جل وعلا: ﴿إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم﴾. والاستعانة عبادة، قال جل وعلا: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾. ويقول النبي عليه الصلاة والسلام: «وإذا استعنت فاستعن بالله». والاستعاذة عبادة، قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿قل أعوذ برب الفلق﴾، وقال: ﴿قل أعوذ برب الناس﴾. وهكذا كذلك الرغب عبادة والرهب عبادة والخشوع عبادة، قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين﴾. وقال جل وعلا: ﴿أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه﴾. وهكذا كذلك الإنابة عبادة لله سبحانه وتعالى، قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له﴾. والتوكل عبادة، قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿فاعبده وتوكل عليه﴾. وقال جل وعلا: ﴿وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين﴾. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «بسم الله توكلت على الله». وهكذا كذلك الذبح عبادة، قال جل وعلا: ﴿قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين﴾. وقال ربنا عز وجل في كتابه الكريم: ﴿فصل لربك وانحر﴾. ولعن النبي عليه الصلاة والسلام من ذبح لغير الله، لأنه صرف هذه العبادة وأشرك بالله جل وعلا. كما في مسلم من حديث علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، قال عليه الصلاة والسلام: «لعن الله من ذبح لغير الله». والنذر عبادة، قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا﴾. ويقول جل وعلا، في كتابه الكريم: ﴿ما أنفقت من نفقة أو نذرت من نذر فإن الله يعلمه﴾. قال عليه الصلاة والسلام: «من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصيه». كما في حديث عائشة في الصحيح. وهكذا العبادات كثيرة، فعليك يا عبد الله كل ما علمت أنه عبادة ثبتت في كتاب الله أو سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، قلبية أو فعلية أو قولية، فاعلم أن المستحق لهذه العبادات هو من أقررت له بأنه الإله سبحانه وتعالى الواحد الأحد الفرد الصمد. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعلمنا وأن يفقهنا وأن يجعلنا ممن عرفه جل وعلا حق المعرفة وعبده حق عبادته سبحانه وتعالى، ومن آمن به جل وعلا ربا وإلها حقا. وصلى الله وسلم وبرك على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.