شرح الجوهرة الفريدة 10

الدرس في شرح الجوهرة الفريدة 10، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

تحليل أبيات الناظم حول الدعوات الباطلة وتأثيرها

الناظم يبين أن الدعوات الباطلة سبب للسفل والذل، ويصف ثقافة أصحابها بالفساد والاختلاط بالأفكار الرديئة. يُظهر أن هذه الدعوات ليست سبيلاً للرقي.

تحذير من الثقافة العصرية الفاسدة ودعواتها المضللة

الشيخ يحذر من الثقافة العصرية الفاسدة ويصفها بالسم القاتل، ويبين أن دعاة الباطل يسمونه حقًا ويحاربون دين الله والأخلاق. يُنبّه إلى خطورة اتباع هذه الدعوات.

التحذير من اتباع الشبهات والضلالات وضرورة الرجوع إلى العلم

المقطع يحذر من اتباع الشبهات التي يدعو إليها أصحاب القلوب المريضة، ويبين أهمية التمييز بين المحكم والمتشابه لدى الراسخين في العلم. يُحَذِر من عواقب اتباع الهوى.

خاتمة وتأكيد على قدرة الله والصلاة على النبي

يؤكد على قدرة الله على كل شيء ويختم بالصلاة والسلام على النبي محمد وعلى آله وصحبه، مشيرًا إلى أهمية الإيمان بقدرة الله.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، قال الناظم رحمه الله تعالى، الشيخ العلامة حافظ الحكم في منظومته الجوهرة الفريدة: قالوا رقيًا فقلنا للحضيض نعم، تفضون منه إلى سجين مؤتسد، ثقافة من سماج ساء مألف، حضارة من مروج هم لها عمد، عصرية عصرت خبثًا فحاصلها سم نقيع، ويا أغمار فازدردوا موتًا وسموه تجديد الحياة. فيا ليت الدعاة لها في الرمس قد لحد، دعاة السوء إلى السواء تشابهت القلوب منهم، وفي الإضلال قد جهدوا ما بين مستعلن منهم ومستتر، ومستبد ومن بالغير محتشد. لهم إلى دركات الشر أهوية، لكن إلى درجات الخير ما وعدوا. وفي الضلالات والأهواء لهم شبه، وعن سبيل الهدى والحق قد بلدوا. صم ولو سمعوا، بكم ولو نطقوا، عمي ولو نظروا، بهتوا بما شهدوا. عموا عن الحق، صموا عن تدبره، عن قوله خرسوا، في غيهم سمدوا. كأنهم إذ ترى خشب مسندة، وتحسب القوم أيقاظًا وقد رقدوا. ذكر رحمه الله تعالى في هذه الأبيات، بعد أن ذكر فيما تقدم الأبيات آثار وثمار الدعوات الباطلة والتي سخرت لها الصحف والمجلات والوسائل، كيف أثمرت الفساد في الاعتقاد والمناهج والأخلاق. فبعد أن ذكر ذلك، بيّن رحمه الله تعالى أنهم زعموا بمثل هذه الدعوات التي دعوا إليها من خلال تلك الصحف وتلك المجلات وتلك الوسائل أن هذا من الرقي ومن الحضارة، وكذلك من المجد والعز والسؤدد. قال رحمه الله: «قالوا رقيًا يعني زعموا بأن تلك الدعوات وما يصدر في هذه الوسائل سبب للرقي وللمجد والعزة والمكانة والشرف». فقال رحمه الله تعالى: «فقلنا للحضيض نعم»، إذا كان هذا الرقي إلى الحضيض أي إلى السفل وإلى النزول فنعم، فليس هو رقيًا إلا إلى السفول وإلى الذل والهوان. لأن الرقي لا يتحصل بهذه الدعوات ولا يتحصل بهذا الذي بثوه في تلك المجلات والصحف والوسائل، فإنما تلك دعوات هي من أسباب السفل ومن أسباب المهانة والذل. قال رحمه الله تعالى: «تفضون منه إلى سجين مؤتسد»، يعني إنما يكون هذا مدخرًا لكم ومكتوبًا لكم كما كتب للكفار في كتابهم. فكتاب الكفار في سجين، ﴿كلا إن كتاب الفجار لفي سجين﴾ أي في ضيق وفي سفل وفي نزول في الأرض السابعة السفلى، كما ثبت عن نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم. فهذا مدخر لكم إنما في سجين وهو مؤتسد لكم في ذلك المكان الضيق المطبق والمغلق عليكم. وكما قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿إنها عليهم مؤصدة﴾، فبمعنى مغلقة ومطبقة. فهؤلاء إنما يرتقون إلى ذلك المكان، ولا تكتب ولا يدخر لهم إلا في هذا السفل وفي هذه المواضع السافلة الرديئة الرديلة التي يعذبون فيها بسبب ما كتبوا وبسبب ما ألفوا وبسبب ما أدعوا وتكلموا به، عياذًا بالله. قال رحمه الله تعالى: «ثقافة من سماج ساء مألف»، يعني من قبح ومن خبث، فهي ثقافة لكنها ثقافة جمعت من الخبث، وثقافة جمعت كذلك من القبائح. فليست هي ثقافة ينبغي أن يتبعها الإنسان، ثقافة تقوم منهجًا، ثقافة تقوم كذلك دينًا على ما يوافق شرع رب العالمين جل وعلا. وإنما في الحقيقة هي سخافة وليست بثقافة، هذه سخافة لأن فيها من السخف وفيها كذلك من الرذائل والفساد والأخلاق السيئة الشيء الكثير. فالحق أن تسمى سخافة ولا تسمى ثقافة، فالثقافة الحقيقية هي ما كان فيه الموافقة لشرع رب العالمين جل وعلا. وكذلك قال: «حضارة من مروج»، حضارة سموها حضارة، وفي الحقيقة هي جمع فالمروج الأمر المختلط، اختلاط في الأمور، عقائد مختلطة من آراء أهل الكلام أو كذلك من أفكار أهل الغرب الكافر. فهي مروج من أفكار ومروج من نظريات، وخلط بينها من زبالات هؤلاء وأفكارهم الفاسدة. فهم عمدوا لها وقصدوها وجعلوها مصدرهم وجعلوها مرجعهم، يرجعون إليها وينطلقون منها. فبئس تلك الحضارة وبئس تلك الثقافة التي يزعمونها، فإنما هي كما قال رحمه الله تعالى: «عصرية عصرت خبثًا فحاصلها سم نقيع»، سم نقيع فليس هو بعسل مصفى، وليس هو بطريق هداية ولا بسبب حصول خير ولا طمأنينة، وإنما هو سم نقيع قاتل، فاتك بصاحبه. قال رحمه الله تعالى: «ويا أغمار فازدردوا»، يا أحداث الأسنان، ويا شباب ازدردوا، ابتلعوا هذه الأفكار. فازدرد يقال ازدرد اللقمة أي ابتلعها. فازدردوا أي ابتلعوا، وانقطعوا وابتعدوا عن هذه الأفكار وعن هذه المجلات وعن هذه الصحف وعن هذه الوسائل التي إنما تبث السم الزعاف والرذائل والأخلاق السيئة المخالفة لشرع رب العالمين جل وعلا. قال رحمه الله تعالى: «قلبوا الحقائق سموه ماذا تجديدًا وهو موت»، وسموه تجديد الحياة. فيا ليت الدعاة لها في الرمس قد لحد. سموا هذا حياة وتجديدًا، فهذا من تسمية الشيء بغير ما يستحق، كمن يسمي الخمر مشروبًا روحيًا أو يسميه حياة. فالمسميات لا تغير في الحقائق، فالعبرة بالحقائق لا بالمسميات. فالخمر خمر ولو سمي بما سمي، ولحم الخنزير لحم خنزير وإن سمي بكذا وكذا، والكلب كلب ولو لبس بالذهب، لو لبس بالذهب من رجله إلى رأسه فهو كلب، لا تغير هذه الملبوسات شيئًا. فالعبرة بالحقائق التي عليها ذلك الأمر لا بالمسميات، لكن تمويهًا وتزيينًا وزخرفًا من القول سموا هذه الأشياء بهذه المسميات لتقبل على ضعاف العقول وعلى الجهلة من الناس الذين هم على بعد من كتاب الله وسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. قال رحمه الله تعالى: «فيا ليت الدعاة لها في الرمس قد لحد»، الرمس هو التراب، تراب القبر كما في مختار الصحاح، أي فيا ليت الدعاة لها في تراب القبر قد لحد، يعني هذا من الأمر الفضيع ومن الأمر العظيم الذي يصل إليه الناس حيث يسمون الباطل بالحق، يسمون كذلك المعروف بالمنكر وإلى آخر ذلك، والعياذ بالله. هم دعاة سوء كما قال رحمه الله تعالى: «إلى السواء تشابهت القلوب منهم»، في الإضلال قد جهدوا، تعاونوا على الإثم والعدوان واجتمعوا على ذلك، وسخروا أموالهم وسخروا الأوقات وتكاتفوا وتعاونوا، كل ذلك لمحاربة دين الله جل وعلا ولمحاربة الأخلاق السامية التي دعا إليها ديننا ودعا إليها رسول الله عليه الصلاة والسلام. فهو من التعاون على المنكر وإلى السوء وإلى الشر، وإن تشابهت هذه القلوب لكن الهدف واحد والمقصد واحد الذي لأجله اجتمعوا ولأجله تكاتفوا ولأجله تناصروا ولأجله اجتهدوا. هم بين فريقين كما قال رحمه الله: «مستعلن يعلن بذلك ويجاهر بما هو عليه وما يدعو إليه من هذا السوء ومن هذا الشر، وآخر مستتر ومستبد ومن بالغير محتشد»، يعني يتكاثر بهم ويتجمع حوله هؤلاء الذين هم على جهل بهذه الأمور، وهو مغرور بهذه الحشود التي تجري وراءه والتي تجلس عنده والتي تسمع كلامه. فربما ظن أنه على الحق وهو ليس على ذلك، وإنما لجهل الناس صاروا على هذا الحشد عند هؤلاء الذين لم يفهموا حقيقة دعواتهم ولا حقيقة ما كتبوا ولا حقيقة ما يقولون. فصاروا يحتشدون حول هؤلاء مما زاد هؤلاء غرورًا بأنفسهم وتمادوا في باطلهم، عياذًا بالله. قال رحمه الله تعالى: «فلهم إلى دركات الشر أهوية»، لهم دركات لكن لهم دركات إلى الشر، فالشر يعبر عنه بالدركات والخير يقال فيه درجات. كما أن جهنم دركات والجنة درجات، ﴿إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار﴾، في الجنة لهم الدرجات العلى، فيعبر في الشر بالدركات. فهؤلاء لهم دركات أي إلى السفلي والنزول. وأما أهل الخير فلهم درجات يصعدون إليها إلى العلو وإلى المجد وإلى العز وإلى السعادة. فما سخروا أنفسهم إلا إلى الشر والعياذ بالله، وهووا فيه واتبعوا وهوى أنفسهم وشهوات أنفسهم الأمارة بالسوء. أما درجات الخير فما صعدوا وما أقاموا لذلك وزنًا وما تناصروا عليه وما أيدوا من دعا إليه. وإنما هم والعياذ بالله سخروا، سخرت أقلامهم وسخرت ألسنتهم وسخرت جوارحهم وسخرت أبدانهم في دعوة إلى الباطل وانتشار الشر والرذيلة والفساد. وهذا من الأمر العظيم الذي يهوي بصاحبه إلى دركات جهنم، عياذًا بالله. قال رحمه الله تعالى: «فهم في الضلالات والأهواء لهم شبه»، كما ذكر رحمه الله تعالى، لكنها شبه يتبعها من في قلبه مرض. فأما الذين في قلوبهم زيغ فإنهم يتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله. وإلا فما من أمر مشتبه في الكتاب والسنة إلا وجعل الله جل وعلا له محكمًا يبين ذلك المتشابه. لكن الناس على فريقين، من في قلبه مرض فصار يتبع المتشابه فيأخذ الأمور ويقول هذه حلال. وإذا قلت له حرام قال: قال الله كذا، قال النبي عليه الصلاة والسلام. وإذا نظرت إلى دليله وجدته من المتشابه، لا يدل عليه المحكم، وأن فهمه ليس كذلك. ولكن بسبب زيغ القلوب، بسبب مرض النفوس وتلبية الشهوات جعلوا هذه الشبه دليلًا لهم وظنوها حقًا وهي باطلًا. ولم يرجعوا إلى الراسخين في العلم الذين يعلمون المتشابه من المحكم، فيردون المتشابه إلى المحكم. وهم الراسخون في العلم الذين قال الله جل وعلا في كتابه الكريم عنهم: ﴿وأما الراسخون في العلم فيقولون آمنا به كل من عند ربنا﴾. لكن لمرض القلوب وغير ذلك فصاروا لا يرجعون إلى العلماء الراسخين الذين يبينون لهم أن هذه الأمور من المشتبهات وليست من حق في شيء. ولكن لهوى أنفسهم قد أخذوا ذلك وصاروا يدعون إليه ويبثون هذه الشبه عند الناس الذين هم على جهل بدين الله جل وعلا. فكان لهم السبب إلى الضلال. وأما سبيل الحق وسبيل الهدى قد بلدوا عنه، صاروا بلداء عن الحق وصاروا بعيدين عنه وعن السؤال عنه ومن أهله الراسخين في العلم أهل الذكر. فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون. ولذلك كما وصفهم رحمه الله تعالى، بل كما وصفهم ربنا جل وعلا كذلك في كتابه الكريم أنهم صم وأنهم بكم وأنهم عمي، وذلك بسبب زيغ قلوبهم. صم ولو سمعوا، بكم ولو نطقوا، عمي ولو نظروا، بهتوا بما شهدوا. وما ظلمهم الله جل وعلا، ولكنهم لما صموا عن الحق صم الله جل وعلا أسماعهم. ولما لم يأخذوا الحق حين أبصروه فأعمى الله جل وعلا أبصارهم. وهذا لما شهدت قلوبهم بالحق ولم يقبلوا، ونظرت الحق ولم تقبل ذلك، أزاغ الله جل وعلا قلوبهم. كما قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم﴾، وكما قال جل وعلا: ﴿ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون﴾. فهم الذين جنوا على أنفسهم فكانوا على هذا الحال بسبب زيغ القلوب. ولذلك كان ذلك العقاب العاجل من الله جل وعلا، ولا عذاب الآخرة أشد وأبقى وأعظم إن لم يتوبوا من غيهم ومما هم عليه من الضلال والدعوة إليه. قال رحمه الله تعالى: «عموا عن الحق صموا عن تدبره عن قوله خرسوا في غيهم سمدوا»، يعني صاروا عميا عن الحق، وصموا عن تدبر الحق في كتاب الله جل وعلا وسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. وهكذا ما نصروا الحق، لا قالوا الحق ولا كذلك نصروه، بل خرسوا عن قوله. وفي غيهم سمدوا، يعني له السامد كما في مختار الصحاح اللاهي، فهم سمدوا فلهوا بما هم فيه من لهو وغي، وكذلك استمروا عليه ومشوا عليه. فحالهم كما وصفهم رحمه الله تعالى: «كأنهم إذ ترى خشب مسندة، وتحسب القوم أيقاظًا وقد رقدوا». وهذا من العقاب العاجل من الله جل وعلا لأمثال هؤلاء الذين صاروا يدعون الناس إلى الباطل وإلى الفساد، وسخروا أو قاتموا أموالهم وأقلامهم في الدعوة إلى الرذيلة. فكيف بالعذاب الآجل؟ نسأل الله جل وعلا أن يجعلنا ممن أحيى قلبه، وجعل سمعه وبصره وجوارحه مسخرة في نصرة دينه، وكذلك الدعوة إليه. وهو ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.