الخطبة بعنوان كيف نجدد إيماننا، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 26 صفر 1433هـ ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
يُشدد على أهمية نعمة الإيمان ونعمة الإسلام ويحذر من تضييعها. الإيمان مستقره القلوب التي تتقلب.
يجب الاهتمام بفحص القلوب وتقوية الإيمان بتلاوة القرآن وتدبره والعمل بالطاعات. الإيمان يزيد بالطاعات وينقص بالعصيان.
الابتعاد عن الذنوب والمعاصي والبدع والشركيات يزيد الإيمان، كما أن زيارة المقابر والعلم الشرعي وحلق الذكر أمور تعززه وتجدد الإيمان في القلوب.
يُدعى الله بالأمن والإيمان ويطلب أن يكون الداعون من المهتدين المتقين ويُحشرون مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، نبيه المجتبى، ورسوله المرتبى، وخليله المصطفى، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها الناس، إن من أعظم نعم الله جل وعلا على العباد نعمة الإيمان ونعمة الإسلام، هذه النعمة العظيمة التي هي أغلى ما يملكه العبد في هذه الحياة الدنيا، فإذا ضيعها، وإذا خسرها خسر دنياه وآخرته. قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾. هذه النعمة العظيمة، عباد الله، نعمة الإيمان، امتن الله جل وعلا بها على عباده، قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. وقال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾. وكما قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمْ مَنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. أثنى الله جل وعلا على رسوله عليه الصلاة والسلام، وصحابة رسول الله رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾. وقد أثنى الله جل وعلا على المتوسلين بإيمانهم، الذين توسلوا بإيمانهم، قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿قَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآَمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾. هذه النعمة العظيمة، عباد الله، التي ذكر بها رسول الله عليه الصلاة والسلام هذه الأمة، حين قال للأنصار عليه الصلاة والسلام، كما جاء في الصحيح من حديث عبد الله بن زيد رضي الله تعالى عنه وأرضاه: «يا معشر الأنصار، ألم تكونوا ضلالا فهداكم الله بي؟ ألم تكونوا عالة فأغناكم الله بي؟ ألم تكونوا متفرقين فجمعكم الله بي؟». كلما قال شيئا عليه الصلاة والسلام، قالوا: «الله ورسوله أمن». هذه نعمة عظيمة، عباد الله، أن اصطفاك الله جل وعلا من بين سائر خلقه بهذه النعمة العظيمة، فهناك من الناس من يرزح تحت وطأة الوثنيات والجاهليات وغيرها من الخرافات، وأنت، عبد الله، شرفك الله جل وعلا وكرمك واصطفاك بهذه النعمة العظيمة، نعمة الإيمان. فعليك، عبد الله، أن تحافظ على هذه النعمة، وأنت تعاهد هذه النعمة، فإن هذه النعمة، عباد الله، مستقرها القلوب، فالإيمان مستقره القلوب، والقلوب، يا عباد الله، لا تبقى على حال، وإنما تتقلب من حال إلى حال. فإذا تقلبت هذه القلوب، تقلب الإيمان معها، فإذا كان الإيمان ثابتا وراسخا في هذه القلوب، فإنها لا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض. أما إذا كان هذا الإيمان فيه الخلل، وفيه التزعزع، فإن صاحبه يهلك ويزيق، والعياذ بالله. فلذلك أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن هذه القلوب تتقلب، قال عليه الصلاة والسلام: «إنما سمي القلب من تقلبه، وإن مثل القلب كريشة معلقة في أصل شجرة تقلبها الريح ظهرا لبطن». فشبه النبي عليه الصلاة والسلام هذه القلوب بذلك الذي يعلق على شجرة، وتأتي الرياح وتقلب ذلك المعلق ظهرا على بطن. وهكذا، عباد الله، الإيمان في القلوب، إذا لم يكن ثابتا. وهكذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يكثر في دعائه بقوله عليه الصلاة والسلام: «اللهم يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك». بعد أن قال عليه الصلاة والسلام: «إن قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن، كقلب واحد، يصرفه حيث يشاء»، ثم قال عليه الصلاة والسلام: «اللهم يا مصرف القلوب، صرف قلبي على طاعتك». فإذا كان نبينا عليه الصلاة والسلام، الذي هو أعظم الناس إيمانا، وأعظم الناس ثباتا، يجعل بهذا الدعاء العظيم، عباد الله، فمن نحن هؤلاء الذين نغتر ببعض طاعاتنا وبعض أعمالنا، ونظن أنفسنا قد بلغنا الكمال في الإيمان؟ فلا يقع في ذلك إلا مغرور جاهل، ظن نفسه قد بلغ الكمال، وهو بعيد عن ذلك، أيما بعد. فلذلك، يا عباد الله، نتعاهد هذا الإيمان، ونتفحص هذا الإيمان، ونحافظ عليه. عجبا من كثير من الناس يتعاهدون في دنياهم فحوصات شهرية، وربما أسبوعية، هذا يفحص دمه، والآخر يفحص الضغط، والآخر يفحص نظره، وهكذا يتعاهدون هذه الفحوصات الشهرية أو الأسبوعية. لكن من الذي يتعاهد الإيمان في قلبه؟ هل هو زاد أم هو نقص؟ هل هو إلى الكمال وإلى الأعلى أم هو إلى السفول؟ قال بعض السلف: «من فقه العبد أن يتعاهد الإيمان في قلبه، هل زاد أم نقص؟». لذلك، عباد الله، علينا أن نهتم بهذا الفحص، فهو أعظم الفحوصات، أعظم من فحص النظر، وأعظم من فحص الضغط، وأعظم من فحص السكر، وغير ذلك من هذه الفحوصات. لأن القلب، يا عباد الله، هو المضغة التي إذا صلحت، صلح سائر الجسد، وإذا فسدت، فسد الجسد كله، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام. فقد جاء في الصحيحين من حديث النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنهما أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ألا وإن في الجسد لمضغة، إذا صلحت، صلح سائر الجسد، وإذا فسدت، فسد الجسد كله، ألا وهي القلب». هذا القلب، يا عباد الله، إذا دخله الإيمان، وصار مستقرا له، صار ثابتا، وصار راسخا، رسوخ الجبال في الأرض، وصار ثابتا، ثبوت أصول الأشجار في الأرض، لا يتزعزع، ولا يتزحزح، ولا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض. كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام حين وصف القلبين، قال عليه الصورةلاة والسلام: «فأيما قلب أشربها، نكتت فيه نكتة سوداء، وأيما قلب أنكرها، نكتت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير القلوب كقلبين: أبيض كالصفاء، لا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض». والله لو اجتمعت قواى الشر، وقواى الطغيان، على أن تزحزح هذا العبد عن إيمانه، ما دام هذا الإيمان راسخا في قلبه، فإنه لا يستطيع أحد أن يزحزح ذلك الإيمان من قلبه، لرسوخه في قلبه، ذلك الرسوخ العظيم. فالقلب، يا عباد الله، إذا خالطت بشاشته الإيمان، إذا خالطته بشاشة الإيمان، صار ثابتا، وراسخا. ولذلك، جاء في الصحيحين، في حديث عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما، حين سأل هرقل الروم أبا سفيان: «هل يرتد أحد عن دينه سخطة؟» قال: «لا»، قال: «كذلك الإيمان، إذا خالطت بشاشته القلوب». أي أنه لا يرتد سخطة، ولا يتزحزح، ولا يتزحزح ذلك، لأن صاحبه تعاهده، وجدد في قلبه، فصار ثابتا، وراسخا، لا تضره الفتن، ولا تضره كذلك ما يحصل في الدنيا من مشاكل وقلاقل، لرسوخه، وثبوته. فلذلك، عباد الله، علينا أن نسعى جادين، مجتهدين، في كتاب الله جل وعلا، بالنظر في النظر إليه، بالنظر فيه، بالأخذ بالأسباب التي جعل الله جل وعلا أسبابا لتقوية الإيمان، وتجديده، وزيادته. فإن الإيمان، يا عباد الله، قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالجوارح والأركان، يزيد بالطاعات، وينقص بالعصيان، هذا هو معتقد أهل السنة والجماعة. فمن تعاهد إيمانه بالطاعات، زاد إيمانه، ومن غفل، وعرض، وقصر، وفرط، نقص ذلك الإيمان، وبلى ذلك الإيمان في قلب العبد. قد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام، كما جاء عن علي رضي الله تعالى عنه، ورضاه، وغيره، قال عليه الصلاة والسلام: «إن الإيمان في جوف أحدكم ليبلى كما يبلى الثوب، فاسألوا الله أن يجدد الإيمان في قلوبكم». الثوب يبلى إذا لم تعاهده صاحبه، وهكذا الإيمان في القلب يبلى إذا لم تعاهده صاحبه، هكذا أخبر النبي عليه الصلاة والسلام. والحديث عند الطبراني، صححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى في الصحيحة، وصحيح الجامع. فلذلك، يا عباد الله، إذا تأملنا في كتاب الله جل وعلا، وفي سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، رأينا أن أعظم أسباب زيادة الإيمان، وتجديده في القلوب، ذكر الله جل وعلا. فذكر الله سبحانه وتعالى به تطمئن القلوب، كما قال جل وعلا: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾. وذكر الله شامل للصلاوات، وشامل للفرائض، شامل للطاعات القولية، وشامل للطاعات العملية، وللطاعات القلبية، فكل ذلك من ذكر الله جل وعلا. وأعظم ذكر الله، عباد الله، تلاوة كتاب الله جل وعلا، هذا الكتاب العظيم الذي أنزله رب العالمين جل وعلا، وحيا على قلب سيد المرسلين. قال سبحانه وتعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾. هذا الكتاب الذي قال فيه ربنا جل وعلا: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. هذا القرآن الذي قال فيه ربنا جل وعلا: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾. علينا أن نقبل على كتاب الله جل وعلا، نتعلمه، ونتدبره، أفلا تدبرون القرآن؟ أم على قلوب أقفالها؟ قال ابن القيم رحمه الله تعالى: «عليك، عبد الله، أن تقبل بقلبك على كتاب الله جل وعلا، فتنقل قلبك من وطن الدنيا، فتسكنه في وطن الآخرة». أي: تتدبر كلام الله جل وعلا، وتتمعن فيه، فإن ذلك من أعظم ما يزيد الإيمان في قلبك، عبد الله. نسأل الله جل وعلا أن يقوي الإيمان في قلوبنا، وأن يجعلنا من عباده الذين ثبت قلوبهم على طاعته، إنه ولي ذلك، والقادر عليه. صلى الله وسلم وبرك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على نبينا المبعوث رحمة للعالمين، محمد الصادق الأمين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى من سار على نهجهم إلى يوم الدين، وعن معهم بمنك وكرمك، يا أرحم الراحمين. أيها الناس، كما سمعنا أن كتاب الله جل وعلا هو من أعظم ما يزيد الإيمان في القلوب، هذا الكتاب العظيم الذي من علينا بحق تلاوته، وتدبره، حق تدبره، فإن الإيمان يعظم في قلبه. قال جل وعلا في كتابه الكريم، واصفا أهل الإيمان الذين صدقوا في إيمانهم: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾. وهكذا، كما قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾. أهل الإيمان إذا تلوا كتاب الله، وقرأوا آيات الله، ازدادوا بها إيمانا، لأنهم تدبروها، ونظروا فيها، وتمعنوا فيها، فزادتهم إيمانا مع إيمانهم. وهكذا، عباد الله، من أعظم أسباب زيادة الإيمان في القلوب، وتقوية الإيمان، وتجديده، الابتعاد عن الذنوب والمعاصي، والبدع والخرافات، والشركيات. فإن الذنوب والمعاصي، يا عباد الله، لها الأثر العظيم على القلوب، فإنها تغطي نور الإيمان في القلوب، لأنها ظلمات بعضها فوق بعض. أرأيتم القمر إذا غطته تلك السحب، غطت نوره، فصار لا يرى ذلك النور. قد ضرب النبي عليه الصلاة والسلام مثلا عظيما في هذا، قال عليه الصلاة والسلام، كما جاء عند الطبراني في الأوسط، من حديث علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، صححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى، قال عليه الصلاة والسلام: «ما من القلوب قلب إلا وله سحابة، كسحابة القمر، بينما القمر يضيء، إذ علته سحابة، إذ تجلت عنه، فأضاء». هذه السحابة هي الظلمة، هي المعاصي، هي البدع، والعياذ بالله. ما من القلوب قلب إلا وله سحابة، كسحابة القمر، بينما القمر يضيء، إذ علته سحابة، فأظلم، إذ تجلت عنه، فأضاء. أي: أنت، يا عبد الله، إذا وقعت في شيء من الذنوب، المعاصي، كان ذلك سببا لتغطية النور، نور الإيمان الذي في قلبك. فإذا تركت تلك المعاصي، وابتعدت عنها، وتبت إلى الله جل وعلا، عاد ذلك الإيمان يشع، وعاد ذلك النور يشع، بعد أن كان مظلما بسبب تلك الظلمة، وتلك المعصية، والعياذ بالله. كثير من الناس يقع في الذنوب، والمعاصي، ثم بعد ذلك يقول: «لا أجد لذة حين أقرأ كتاب الله جل وعلا، لا أشعر بالخوف، لا أنتفع بموعظة، أزور القبور، ولا أتأثر، أحضر الجنائز، ولا أتأثر». نقول: «يا عبد الله، راجع قلبك، راجع قلبك، فقد حلت به الظلمات، والعياذ بالله، حتى صار لا يتأثر بموعظة، ولا يذكر بذكرى، ولا يتأثر بكلام الله جل وعلا، كل ذلك بسبب الذنوب، والمعاصي، والبدع، والعياذ بالله». من الناس من يقع في البدع، والمحدثات، ليلا ونهارا، ثم بعد ذلك يقول: «لا أجد لذة، ولا أجد إيماني يزداد». نقول: «بسبب البدع، وبسبب المحدثات، وكم هي البدع، والمحدثات التي يقع فيها الناس؟ بدع سنوية، بدع حول الموالد، بدع كذا، وكذا، بدع كثيرة، كل ذلك، يا عباد الله، سبب لإضعاف القلوب، ولضعف الإيمان، لا في زيادتها». وهذا كيف يزداد الإيمان في القلوب؟ وقد تعلقت القلوب، وقد تعلقت القلوب بغير الله جل وعلا؟ هؤلاء تعلقوا بغير الله جل وعلا، يعتقدون أن شيئا سببا في جلب نفع، أو دفع ضر، كما يتشاءمون بشهر صفر، فإذا كان آخر أربعاء من شهر صفر، خرجوا إلى المنتزهات، عملوا في ذلك اليوم الحلويات، زعما منهم أن شهر صفر قد آذن بالرحيل، وقد آن رحيله. خرجوا فرحين، خرجوا مسرورين، يا سبحان الله، كيف يزداد الإيمان في قلوب هؤلاء؟ وكيف يعظم الإيمان في قلوب هؤلاء؟ والقلوب قد تعلقت بغير الله جل وعلا، وظنوا أن شيئا له التدخل فيما يجري في ملكوت الله جل وعلا من نفع أو ضر، أو خير أو شر. وخذ، عباد الله، زيارة المقابر للإتعاظ، وللذكرى، مما يحيي هذه القلوب، فقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام، كما جاء عن بريدة، وغيره، في الصحيح، وأصله في الصحيح، وبعضه خارج الصحيح، قال عليه الصلاة والسلام: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها، فإنها ترق القلب، وتدمع العين». ترق القلب، أي: تجعل القلب رقيقا، وإذا رق القلب، زاد فيه الإيمان، لكن كان القلب غليظا، والعياذ بالله، ضعف الإيمان، ولا يزيد بسبب ما عليه من تلك الغلظة، وذلك الران الذي قال عنه ربنا جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. وهكذا، عباد الله، علينا بالخشية، والخوف من الله جل وعلا، فأهل الإيمان، أهل الإيمان، أهل خشية، وأهل خسوع، وأهل خوف من الله سبحانه وتعالى. فلا إذا كانوا خائفين، زاد الإيمان في قلوبهم. كثير من الناس صار الخوف في قلبه ضعيفا، والعياذ بالله، يقع في المحرمات، يقع في أكل أموال الناس بالباطل، يعتدي على حرمات الناس، ولا يخاف من الله جل وعلا، ولا يخشى ذلك اليوم الذي يقف فيه بين يدي الله جل وعلا للحساب، ذلك ضعف الخوف في قلبه، ولضعف الإيمان في قلبه، صار على هذا الحال. الله المستعان، علينا، عباد الله، أن نتقي الله سبحانه وتعالى في هذا الإيمان، وأن نسعى في زيادته، وفي الأخذ بأسباب زيادته، وكثرته. وهكذا، من أعظم ذلك، المحافظة على العلم الشرعي، وحلق الذكر، فإن حلق الذكر تنزل عليها السكينة، وإذا نزلت السكينة، ازداد الإيمان. قال جل وعلا: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾. فبالعلم تنزل السكينة، وفي حلقات الذكر تحف الملائكة الجالسين فيها، وكل ذلك من ثمرات هذا العمل، وهو زيادة الإيمان، وقوة الإيمان، وتجديد الإيمان في القلوب. فعلينا، يا عباد الله، وخاصة في هذه الأزمان التي كثرت فيها الفتن، وكثرت كذلك فيها فتن الشهوات، وفتن الشبهات، أن نتعاهد هذا الإيمان في القلوب، بين فينة وأخرى، وأن نراعي هذا الإيمان، وننظر في أنفسنا: هل نحن نتقدم أم نتأخر؟ هل الإيمان يزداد أم ينقص؟ نسأل الله سبحانه وتعالى أن يثبت الإيمان في قلوبنا، ونجعلنا من عباده المؤمنين حق الإيمان، وأن ينصر الإسلام والمسلمين، وأن يذل الشرك والمشركين. اللهم ارزقنا الأمن والإيمان، يا رب العالمين، اللهم ارزقنا الأمن والإيمان، يا رب العالمين، اللهم اجعلنا من عبادك المهتدين المتقين، اللهم احشرنا بزمرة النبيين، مع النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين، وحسن أولئك رفيقا. والحمد لله رب العالمين، وأقم الصلاة.