التعليق على حلية طالب العلم 10

التعليق على حلية طالب العلم 10

الدرس في التعليق على حلية طالب العلم 10، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

أهمية المروءة في بناء شخصية طالب العلم

يؤكد المقطع على ضرورة تحلي طالب العلم بالمروءة التي تجمع مكارم الأخلاق كطلاقة الوجه وإفشاء السلام وتحمل الناس والأنفة دون كبر. يستشهد بتعريفات العلماء وآيات قرآنية وأحاديث نبوية تربط ذلك بقبول الدعوة وتأليف القلوب، محذراً من سوء الخلق الذي ينفر الناس.

صيانة المروءة وتجنب خوارمها

يشرح المتكلم معاني الأنفة بلا كبر، والشهامة بلا عصبية، والحمية بلا جاهلية، ويحذر من خوارم المروءة كالحرف الدنيئة والخصال الرديئة كالعجب والرياء وسرعة الغضب. يدعو طالب العلم إلى تهذيب طبعه والبعد عما ينقص كرامته وعلمه.

آفات طالب العلم ووجوب الابتعاد عن مواطن الريبة

يبيّن المقطع أن المراكز العلمية فرصة لإصلاح النفس واكتساب الأدب، ويحذر من أمراض طالب العلم كالأعجاب والرياء والبطر والخيلاء واحتقار الآخرين. يؤكد ضرورة الابتعاد عن مواطن التهم والريبة حفظاً للدين والسمعة.

الخاتمة والدعاء الختامي

يختتم المتحدث المقطع بالصلاة على النبي محمد وآله، والحمد لله رب العالمين، مع الإقرار بأن العلم المطلق لله تعالى وحده. يختم بدعاء خالص بالتوفيق والقبول.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، مواصلة أيها الأحبة في الله مع حلية طالبي العلم للعلامة الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد رحمه الله تعالى. ونحن لا نزال مع آداب طالبي العلم، وسبق معنا يا إخوان أهمية الأدب للمتعلم، فقبل أن يتعلم العلم ينبغي أن يتعلم الأدب. قال رحمه الله تعالى: "تحلَّ بالمروءة، تحلَّ بالمروءة". قال: "التحلي بالمروءة وما يحمل إليها من مكارم الأخلاق، وطلاقة الوجه، وإفشاء السلام، وتحمل الناس، والأنفة من غير كبر، والعزة في غير جبروت، والشهامة في غير عصبية، والحمية في غير جاهلية". وأبدع رحمه الله تعالى في بيانه وصفه، وهكذا ضبطه للمروءة. وقد ذكر العلامة العثيمين رحمه الله تعالى نقلاً عن غيره من أهل العلم في المروءة، قالوا: هي فعل ما يجمله ويزينه، واجتناب ما يدنسه ويشينه. وهذا يا إخوان من التعاريف التي جمعت خصال المروءة. وذكر الماوردي رحمه الله تعالى كما في كتابه العظيم "أدب الدنيا والدين" معرفاً للمروءة، فقال: "هي مراعاة الأحوال إلى أن تكون على أفضلها، حتى لا يظهر منها قبيح عن قصد، ولا يتوجه إليها ذم باستحقاق". إذن يا إخوان، المروءة تجمع التحلي والاتصاف بخصال الخير، وهكذا تجمع البعد واجتناب خصال الشر. وقد مثل رحمه الله تعالى هنا في قوله: "وما يحمل إليها من مكارم الأخلاق"، مثل ماذا؟ قال: "طلاقة الوجه". وطلاقة الوجه يا إخوان يعتبر من خصال الإيمان، ويعتبر صدقه منك على أخيك. "لا يحقرن أحدكم من المعروف شيئاً، ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق، ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق". قال: "وإفشاء السلام". وإفشاء السلام يا إخوان من خصال الإيمان، ومما يبعث المحبة والمودة ويزيد في الأخوة. "ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم". هكذا يقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال: "وتحمل الناس". طالب العلم يا إخوان لا بد أن يتحلى بسعة الصدر، لا يكون غضوباً أو انفعالياً سريع الانفعال، أو عنده ردات فعل سريعة. فهذا يا إخوان الغالب لا يوفق. لا بد أن نسع الناس بأخلاقنا، وأن نسع الناس بآدابنا، وإلا ما سيقبل الناس دعوتنا، ما سيقبل علمنا ونصحنا وتوجيهنا، إذا رأوا أننا ما عندنا صبر، ولا عندنا حكمة، ولا رزانة، ما عندنا حلم. ما معنى الحلم؟ مرة معنا ضبط النفس والطبع عندها يجان الغضب. طالب العلم إذا كان سريع الانفعال، سمع كلمة أراد أن يرد عليها مباشرة، من لي قال، وليش يقول. وإذا ما غضبوا هم يغفرون. وهكذا ربنا عز وجل يقول: ﴿والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين﴾. وهكذا غيرها من الأمور التي يا إخوان نستطيع أن نسع الناس بهم، قد بمجرد خلق ومعاملة استجيب لك فئام وجماعات من الناس إلى دعوتك، إلى دعوتك. وقد يكون بسبب أخلاقنا السيئة ينفر الناس عنا. وصدق ربنا إذ يقول لنبينا صلى الله عليه وسلم: ﴿فبما رحمة من الله لنت لهم، ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك﴾. إذا ما هو الحل؟ قال: ﴿فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر، فإذا عزمت فتوكل على الله﴾. قال: "والأنفة من غير كبر". يأنف طالب العلم أن يورد نفسه موارد السوء، موارد السوء. كن عزيزاً عن أن تقع في السفاهة، وفي ما يخل بيئة المروءة. فهذا من الأمور المطلوبة: أنفة، لكن من غير كبر. لا تتعالى على الناس وتترفع على الناس. ﴿إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد ولا يبغي أحد على أحد﴾. وهكذا عزة يا إخوان، ما تكون ذليلاً مهاناً، لكن ماذا؟ من غير جبروت. حافظ على نفسك، وحافظ على كرامتك، وحافظ على علمك وتقواك وعملك، لكن ماذا؟ إياك وأعمال الجبابرة. النفوس هذه يا إخوان هي تبحث عما يعزها، لكن إذا لم يتمالك الإنسان أمره لربما وقع في جبروت، يعني يكون غضوباً، يكون معتدياً على الآخرين، يكون سباباً شتاماً، عنده شيء من الجبروت. قال: "والشهامة في غير عصبية". يكون شهماً، أي أنه صاحب مواقف، صاحب مواقف. إذا رأى مظلوم نصره، وإذا رأى ضعيفاً ساعده، وإذا رأى جاهلاً علمه، رأى ملهوفاً قام وأغاثه، حمله على سيارته، على دراجته، أخذه إلى عيادة، إلى مستشفى، إلى غير ذلك مما يكون من أعمال الشهامة. قال: "من غير عصبية". قال: "والحمية في غير جاهلية". النبي صلى الله عليه وسلم كان يغضب إذا انتهكت حرمات الله، إذا انتهكت حرمات الله. أما ما عليه أهل الجاهلية وما عليه الناس من عصبية، كان أبعد الناس عليه الصلاة والسلام. قال رحمه الله تعالى: "وعليه، أي على ما سبق، فتنكب خوارم المروءة في طبع، أو فتنكب خوارم المروءة في طبع، أو قول، أو عمل". قال: "من حرفة مهينة، أو خلة دنيئة، كالعجب، والرياء، والبطر، والخيلاء، واحتقار الآخرين، وغشيان مواطن الريب". لاحظوا يا إخوان، لما ذكر المروءة وأهمية الاتصاف والتحلي بخصالها من مكارم الأخلاق وجميل الصفات، ختم بالتحذير مما يخرم هذه المروءة، فينقصها أو يذهبها، أو يذهبها، سواء كان طبعاً، سواء كان طبعاً، ماذا؟ لربما خلق عليه، أو لربما اكتسبه، ولربما اكتسبه. على سبيل المثال: سرعة الغضب. سرعة الغضب. أخذ زميلاً له قلمة، أو أخذ كرسيه، كرسي، وجد محد عليه قام وأخذ الكرسي وجلس عليه. أتى من الحمامات بحث عن كرسي فما وجده، ماذا يفعل يا إخوان؟ يختلف الناس في ردود الأفعال. البعض قد يسحبه هو والكرسي ويرمي به بعيداً، ما لك؟ قال: والله ما أستطيع تمالك عصبي. لا، لابد أن تجاهد نفسك، لابد أن تجاهد نفسك. سمع كلمة من أخيه يمزح فيها أو بها معه، يمزح معه، غضب ويريد أن يضارب. ما لك؟ قال: ما سمعته، ماذا يقول؟ طيب. قال كلمة في حال مزاح، والاسترسال في المزاح يا إخوان هذا نتيجته مضاربة، مخاصمة، مقاطعة، إلى غيرها، إلى غيرها. لكن في نفس الوقت يا إخوان، لابد أن الإنسان يهذب طباعه، لا تكن طباعه طباعاً ماذا؟ سبعية، كطباع السباع: شدة، وعنف، وقسوة، وغلظة. وهكذا أيضاً فيما يتعلق بالأقوال والأفعال، ينبغي يا إخوان البعد عما يخرم هذه المروءة. قال: "من حرفة مهينة". حرفة مهينة يعني لا تليق بطالب علم، لا تليق بطالب علم، وماذا؟ فيبتعد عن مثل الحرف الذميمة، الحرف الذميمة، ولا سيما إذا كانت هذه الحرفة من الأمور المحرمة. قال: "أو خلة رديئة". والخلة هي الخصلة، خصلة رديئة، اجتنبها وابتعد عنها. ويا إخوان في مثل هذه المراكز فرصة كبيرة وعظيمة لكي يصلح كل منا نفسه. قد في الأسواق والمدن وبعيداً عن مجتمعات طلاب العلم قد يكثر الجهل والسب واللعن والظلم وغير ذلك، لكن أنت تعيش في مجتمع يحكمه الكتاب والسنة، الذي يفعل شيئاً يخل بالأدب سرعان ما ينكر عليه، وسرعان ما ينصح فيه. إذن فرصة يا إخوان نربي أنفسنا، بحيث إذا خرجنا إلى الناس ورجع كل منا إلى أهله وبلده يكون ماذا؟ يكون قد استفاد أدباً واستفاد علماً، وأصلح عيوباً كان لربما عليها سنين عديدة. قال: "كالعجب". وهذه يا إخوان أمراض طلاب العلم. وما قال: الزنا واللواط، شرب الخمر، سجارة، أو سرقة، أو غيرها، لكن أتى بذنوب غالباً أو قد تقع من طالبي العلم: كالعجب. يعجب لنفسه، حفظه، يعجب بصوته، بذكائه، يحاول ماذا؟ يبرز ما عنده من معلومات، قد يقاطع المدرس ويأتي بفائدة، لماذا؟ لكي يظهر للناس ما عنده. هذه يا إخوان مصيبة، هذه أدواء خطيرة قد تحرم طالب العلم لذة العلم والاستمرار في طريقه. قال: "والرياء". تصنع وتزيين العمل لنظر الناس إليه، نسأل الله العافية والسلامة. قال: "والبطر". والبطر، والبطر كما عرفه النبي صلى الله عليه وسلم أنه رد الحق، أنه رد الحق. متى يقع هذا؟ عند المناقشات، عند المجادلات، عند ماذا؟ الاختلاف في وجهات النظر والآراء، فقد يتعصب أحدهما أو كلاهما لرأي شيخ أو عالم، فيحصل ماذا؟ ما لا تحمد عقباه. قال: "والخيلاء". والخيلاء، وكما ذكر الشيخ العثيمين أن الخيلاء نتيجة العجب، ما في تواضع. معجب بنفسه، عندها ماذا سيفعل؟ سيتفاخر ويختال على الآخرين، على الآخرين. قال: "واحتقار الآخرين". احتقار الآخرين، وهذه مصيبة يا إخوان. قال: "وغشيان مواطن الريب". يعني ليس من المروءة أن الإنسان يوقع نفسه في مواقع التهم، في مواقع التهم. في الليل الناس نائمة، هو يقوم يدور من مكان إلى آخر، يدور بين النائمين، ما لك؟ إيش معك؟ فماذا؟ فهذا يا إخوان مما يجعله موضع ريبة وتهمة. إذا سرق جوال، من سيتهم؟ قال: والله البارح رأينا فلان يدور. طيب، سرق مال، أو اشتكى أحد أن فلاناً اعتدى عليه، أول ما تتوجه أصابع الاتهام إلى هذا الذي أوقع نفسه في تهمة وريبة. يذهب بعضهم إلى البحر مثلاً، وهناك نساء، ولربما يحصل منه ما لا تحمد عقباه. يأتي شخص يقول: هذا طالب عندكم، نقول: نعم. قال: كيف هذا ينظر إلى النساء ويتتبع النساء؟ يقول: أبداً ما فعلت هذا. طيب، ما الذي ذهب بك إلى موضع فيه نساء، فيه نساء؟ أناس يدخنون أو يخزنون أو يسمعون أغاني، يأتي صاحبنا هذا ويجلس معهم، ويجلس معهم. طيب، رآه شخص أو رآهم، قال: يا فلان أنت أمس كنت معهم. قال: والله ما دخنت. طيب، ما دخنت، وإيش اللي جلسك مع المدخنين؟ قال: والله ما خزنت، وما فائدة جلوسك مع المخزنين؟ قال: ما سمعت أغاني. طيب، إيش الذي أجلسك والمنكر موجود؟ ولهذا يا إخوان ينبغي أن نتذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم: "على رسلكما إنها صفية، إنها صفية". قال العلماء: آية فيه أن الشخص يبتعد عن مواضع التهم والريب والأشياء التي يشتبه فيها، ولربما اتهم بها. طيب، نكتفي بهذا. وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.