الدرس في منظومة نبذة في وصية طالب العلم للحكمي 13، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يؤكد المحور على وجوب تحلي الداعية وطالب العلم بأجمل الألفاظ والأساليب اقتداءً بأمر الله لموسى وهارون بالقول اللين، وبسيرة النبي صلى الله عليه وسلم. ويبين أن وظيفة الداعية تقتصر على البلاغ الحسن بينما الهداية بيد الله، فلا يعاقب على عدم الاستجابة إذا أدى واجبه بالحكمة.
يسلط المحور الضوء على شدة حرص النبي محمد صلى الله عليه وسلم على هداية الخلق، حيث اعتبر هداية رجل واحد خيراً من حمر النعم، وصبر على أذى قومه في الطائف داعياً لذريتهم. ويؤكد على ضرورة اقتداء الداعية به في الصبر وسعة الصدر والدعاء للمدعوين.
يستعرض المحور مواقف عملية من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم تدل على حرصه على الهداية بالرفق، كدعائه لقبيلة دوس بالهداية، ودعاءه لجرير بن عبد الله بالثبات، وقصة إسلام الغلام اليهودي. ويشدّد على وجوب اقتداء الدعاة بالنبي في حسن اختيار الكلمات عند دعوة الأقربين والناس أجمعين.
يختتم المتحدث بالتأكيد على أن حسن الأسلوب والفعل هو أطيب ما في النصيحة وأدعى لقبولها، ثم يدعو الله بالتوفيق للخير والهداية. ويختتم بالصلاة على النبي محمد والحمد لله رب العالمين.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله نبينا وحبيبنا وشفيعنا رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم، ومن والاه. أما بعد، مواصلة أيها الأحبة في الله مع وصايا لطالبي العلم للشيخ العلامة أبي أحمد حافظ ابن أحمد الحكمي رحمه الله تعالى، وغفر لنا وله ولوالدينا أجمعين. وهي كما سبق وصايا عظيمة ووصايا نافعة يحتاجها طالب العلم، ويحتاجها طالب العلم. وآخر ما تكلمنا عنه من هذه الوصايا ما جاء في قوله رحمه الله تعالى: «لواحد بك يهديه الإله لذا، لواحد بك يهديه الإله لذا، خير غدا لك من حمر من النعم». وذكر هذا البيت وهذه الوصية بعد أن تكلم حول الدعوة إلى الله عز وجل ونشر العلم وبثه في أوصاة الناس، والحرص على هداية الناس. هذا من الأمور المطلوبة، يحرص الداعي إلى الله عز وجل على هداية الناس، فهذا هو مضمون النصيحة: إرادة الخير بالمنصوح، إرادة الخير بالمنصوح. وإذا كان طالب العلم والداعي إلى الله عز وجل، وهكذا الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، حريصاً على هداية الناس، فإنه سيتخير وسينتقي أجمل وأحسن الألفاظ، أجمل وأحسن الألفاظ التي سيخاطب بها المنصوح، وهكذا سيختار أجمل الأساليب التي سيتعامل بها مع المنصوح. ولهذا سبق معنا قوله سبحانه وتعالى حين أن بعث موسى وهارون عليهما الصلاة والسلام إلى رجل جبار عنيد، يقول: «أنا ربكم الأعلى»، ويقول: «ما علمت لكم من إله غيري»، وغيرها من الأمور الشنيعة العظيمة. قال ربنا عز وجل لهما: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ [طه: 43]. ﴿طَغَى﴾ أي جاوز الحد، جاوز الحد. ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ [طه: 44]. لماذا يا رب وهو بهذا الوصف؟ جبار عنيد وملك غشوم، وطغى وتجبر. قال: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: 44]. هذا فرعون يا إخوان، فكيف بمن هو دون فرعون؟ ولهذا ذكر أهل التاريخ أن رجلاً دخل على بعض خلفاء بني أمية فقال له: «يا أيها الأمير، إني محدثك فمغلظ عليك في العبارة، فلا تجد في نفسك، سأخاطبك لكن بكلام شديد عنيف، لا تأخذ في نفسك». قال: «لا». ولما قال: «لا»، لقد بعث الله من هو خير منك إلى من هو شر مني. فقال لهما: «ماذا؟» فقال له: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: 44]. الخطأ الذي يقع فيه بعض الناس يظن أن النصيحة أهم شيء، يلقيها بغض النظر عن الأسلوب الذي ألقيت به النصيحة. أحياناً بسبب شدة الأسلوب وقسوة العبارة لا يقبل المنصوح النصيحة، لا يقبل المنصوح النصيحة. ما هو الدليل على ذلك؟ قال الله عز وجل: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: 159]. الخطاب لمن يا أبا عبد الله؟ الخطاب لمن؟ أحمد. ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾. من هذا الذي خطب بهذا الخطاب؟ هو. نعم، أحسنت. نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: 159]. ما قَبِلُوا مِنْكَ، ﴿لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: 159]. هذه تربية عظيمة للدعاة إلى الله عز وجل، لطلاب العلم، وهكذا لأهل النصيحة. إذا كان الباعة، من يبيعون بصلاً وطماطم وثياباً وأواني منزلية وأدوات كهرباء وغيرها، لما يأتي الزبون عندهم، أرأيتم كيف الأسلوب؟ أرأيتم كيف الكلمات الجميلة؟ لماذا؟ لعله يشتري، لعله يشتري. كلما كان الأسلوب جميلاً والعبارة طيبة، والمدح في البضاعة والسلعة مدحاً طيباً، كلما اشترى هذا الزبون هذه السلعة. كيف وسلعة الله غالية يا إخوان؟ كيف ونحن ندعو إلى أمر عظيم، إلى هذا الدين الذي دعا إليه الأنبياء والرسل؟ إذن وظيفة الدعوة إلى الله عز وجل وظيفة عظيمة ومقام رفيع. ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: 33]. انظروا يا إخوان، هذا لا أفضل منه، لا أحسن منه، لا أحسن منه. ولهذا يا إخوان، العبرة، العبرة بأن الإنسان يبلغ كما سبق، ويحسن في البلاغ. طيب، إذا لم يستجب له أحد، بذل قصارى جهده، بذل الأساليب والكلمات الطيبة، لكن لم يستجب له أحد، فهل يعاقبه الله عز وجل على عدم استجابة الناس له؟ الجواب: لا. ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: 21-22]. أكد يقول الله عز وجل: ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ [الشورى: 48]. يقول: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ [النور: 54]، أي لم يستجيبوا، ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [النور: 54]. أخبر عليه الصلاة والسلام كما في حديث ابن عباس أنه يأتي النبي ومعه الرهط، جموع من الناس، والنبي ومعه الرجل والرجلان، أي لم يستجب له إلا رجل أو رجلان. قال: «ويأتي النبي وليس معه أحد، وليس معه أحد، وهم أنبياء، وهم رسل». ولهذا قالها هنا: «لواحد بك يهديه الإله لذا، خير غدا»، أي في يوم القيامة، «خير غدا لك من حمر من النعم». وهنا يشير إلى حديث سهل بن سعد الساعدي رضي الله تعالى عنه الذي أخرجه الشيخان في قصة فتح خيبر، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى الراية لرجل يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، يفتح الله على يديه. فبات الناس يدوكون ليلتهم، أي حديثهم حول ذلك، أيهم يعطاها؟ من هذا الذي سينال هذا الشرف وهذه المرتبة؟ فلما أصبحوا أعطاها لمن؟ يا يوسف. فلما أصبحوا أعطاها لمن؟ قال: «أين؟» نعم يا حذيفة. أعطاها لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه. ثم قال له: «انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم». قال: «ثم ادعوهم إلى الإسلام». حرص على دعوة الناس وهداية الناس. قال: «وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه». فوالله، فوالله، «لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً» - وهم ألوف في خيبر، ألوف من اليهود - «لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم». مر معنا في كلام الإمام النووي رحمه الله تعالى أن الإبل الحمر هي تعتبر أنفس أموال العرب، ويضربون بها المثل في نفاسة الشيء، في نفاسة الشيء، وأنه ليس هناك أعظم منه، أعظم منه. وهذا من باب التشبيه، يعني تشبيه أمور الآخرة بأعراض الدنيا، أنه من باب التقريب للأفهام. قال: وإلا فذرة من الآخرة الباقية خير من الأرض بأسرها وأمثالها معها، خير من الأرض بأسرها وأمثالها معها. لو تصورت... أكذا ذكر رحمه الله تعالى. ولهذا مر معنا يا إخوان أن الحرص على هداية الناس هذا من الأمور العظيمة جداً، وكان نبينا وقدوتنا صلى الله عليه وسلم كذلك. قال الله فيه: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ [التوبة: 128]، الشيء الذي يشق علينا يشق عليه. ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: 128]. حريص عليكم، أي على هدايتكم، على مصلحتكم. ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: 128]. مالك بن الحويرث أتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومعه مجموعة من الشباب، شباب، قال: «متقاربون»، أي في السن. قال: «فمكثنا عنده عشرين ليلة». قال: «وكان رقيقاً»، وفي رواية: «وكان رحيماً». رقيقاً رحيماً عليه الصلاة والسلام. أيضاً مما ينبغي على الداعي إلى الله عز وجل أن يدعو للمدعوين للناس، يدعو لهم بالهداية، يدعو لهم بالهداية. وهكذا يصبر على أذيتهم، يصبر على أذيتهم. مر معنا أن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عائشة في الصحيحين في قصة رجوعه من ماذا؟ من الطائف. قالت له: «يا رسول الله، هل مر عليك يوم هو أشد عليك من يوم أحد؟» قال: «يا عائشة، يا عائشة، لقد لقيت من قومك ما لقيت، وأشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردت». لما رجع من الطائف يريد أن يدخل في حماية أحد من الأشراف، قال: «فانطلقت وأنا مغموم على وجهي، قال: فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب، قال: وإذا بسحابة قد أظلتني، قال: وإذا بها جبريل ومعه ملك الجبال». تكلم جبريل ثم تكلم ملك الجبال. قال ملك الجبال: «يا محمد، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين»، أي الجبلين، «لفعلت». لو كان شخص آخر، آه، به هم وغم وضيق وألم وحزن، لقال: «خلصنا منهم». لكنها دروس عظيمة لمن يأتي بعده في مجال الدعوة إلى الله عز وجل. أنت تريد أن تدعو، لا بد أن تصبر. إذا كان حالك ضيقاً وصبرك قليلاً، ما تصلح، ما تصلح. لا بد أن يتسع صدرك، وأن تتحمل الآخرين، وأن تتحمل المدعوين. قال: «بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله ولا يشرك به شيئاً». هذا الجيل قد لا يهتدي منهم إلا القليل، لكن لعل الله يأتي من أصلابهم، من أبنائهم، من يحمل هذا الدين. وهذا الذي وقع يا إخوان. أخرج الله نسمات مؤمنة من أصلاب كافرة، من أصلاب بلغت مبلغاً كبيراً في حرب هذا الدين وأذية النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. حملوا الإسلام إلى شرق الدنيا وغربها: كعكرمة بن أبي جهل، وصفوان بن أمية بن خلف، وخالد بن الوليد بن المغيرة، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وهكذا جيل من الصحابة، آباؤهم من أعداء الدين، وألد المشركين على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. النبي عليه الصلاة والسلام، النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما في الصحيحين عن ابن مسعود قال: «وكأني أنظر إلى نبي من الأنبياء قد جرحه قومه فأدموه»، يعني الدم يسيل منه، «قال: وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون». انظروا، ضربوه حتى أدموه، يمسح الدم عن وجهه وهو يقول: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون». قيل: هذا النبي هو نفسه نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، في حديث أنس في صحيح البخاري وغيره، في قصة ذلكم الغلام اليهودي. غلام يهودي، ذكروا أنه كان يضع للنبي صلى الله عليه وسلم وضوءه، وهكذا أيضاً كان يناوله نعله. غلام يهودي، فلما مرض أتاه النبي صلى الله عليه وسلم، فدخل عليه وأبوه، أي أبو هذا الغلام اليهودي، قاعد عند رأسه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا غلام، قل لا إله إلا الله». قال: فنظر الغلام إلى أبيه كأنه يستشيره. فقال له أبوه: «أطع أبا القاسم»، يعني النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فتشهد الغلام اليهودي بشهادة الإسلام، ودخل في دين الإسلام. خرج النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: «الحمد لله الذي أنقذه من النار». الحمد لله، حمد الله الذي جعل هذا الغلام اليهودي يستجيب لدعوته عليه الصلاة والسلام، فيدخل في الإسلام، فينجو من دخول النار، من دخول النار. وهكذا أيضاً، وهكذا أيضاً ذكر الله عز وجل لنا قصة أصحاب القرية كما في سورة يس: ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا﴾ [يس: 14]. قرية يا إخوان، أرسل الله إليها رسولين فكذبوهما. قال: ﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ [يس: 14]، أي قوينا ودعمنا الاثنين بثالث. ﴿فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾ [يس: 14]. ما هي النتيجة؟ كذبوا وعاندوا وتطيروا بهؤلاء الرسل. ﴿إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [يس: 18]. قالوا: ﴿طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ [يس: 19]. ما أصابكم من الشؤم والشر إنما هو بسبب عنادكم وتكذيبكم وكفركم. الشاهد: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ * وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس: 20-22] الآيات. ماذا فعلوا به؟ تخلصوا منه وقتلوا ذلكم الرجل الناصح. قال الله عز وجل عنه: ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ [يس: 26-27]. يا ليتهم يعلمون بماذا؟ قال: بما غفر لي ربي، وجعلني إلى آخر الآيات التي ذكرها ربنا تبارك وتعالى. وفيها الحرص على دعوة المسلمين، المنصوحين، المنصوحين. وهكذا أيضاً جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة قال: «لما قدم الطفيل بن عمرو الدوسي في أصحابه، وأصحابه من قبيلة دوس، على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقالوا: يا رسول الله، إن دوساً، ودوس قبيلة من قبائل العرب، قالوا: إن دوساً قد عصت وأبت، فادعُ الله عليها. إن دوساً، إن دوساً عصت وأبت، فادعُ الله عليها». فقيل: هلكت دوس، يعني روح الجماعة. لو دعا عليهم النبي صلى الله عليه وسلم، قيل: هلكت دوس. لكن انظروا إلى حرص النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «اللهم اهدِ دوساً وأتِ بهم مسلمين». اللهم اهدِ دوساً. فماذا كانت الهداية في قبيلة دوس؟ وأتى الله عز وجل بهم، أتى الله عز وجل بهم مسلمين. وهكذا أيضاً جاء في حديث جرير بن عبد الله البجلي رضي الله تعالى عنه، وحديثه في الصحيحين، قال جرير: «لقد شكوت إليه»، أي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، «إني لا أثبت على الخيل، لا أثبت على الخيل». قال: «فضرب بيده في صدري وقال: اللهم ثبته، واجعله هادياً مهدياً، واجعله هادياً مهدياً». الحرص يا إخوان على هداية الأقربين: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: 214]. احرص على هداية أولادك، على هداية زوجتك، على هداية والديك، على هداية إخوانك وأخواتك، وأعمامك وعماتك، وهكذا أصهارك، وهكذا أرحامك، وهكذا جيرانك، وهكذا غيرهم، وهكذا غيرهم. فهم أولى الناس بنصحك وتوجيهك وتعليمك وإرشادك، كما في الآية السابقة: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: 214]. فهذا الباب، باب الحرص على هداية الناس ودعوتهم، وأن ينتقي الداعي من الكلمات أحسنها: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الإسراء: 53]. ومن الأساليب والأفعال أطيبها، فذاك أدعى إلى قبول هذه النصيحة والاستجابة لهذه الدعوة. أسأل المولى تبارك وتعالى أن يوفقنا جميعاً لكل خير، وأن يصرف عنا كل شر وضير، وأن يجعلنا هداة مهتدين، غير ضالين ولا مضلين. إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.