الدرس في ترجمة الشيخ عبدالرحمن بن مرعي العدني 11، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يتناول هذا المحور ترجمة العلامة عبد الرحمن بن عمر بن مرعي مع الإشارة إلى مقتله مظلوماً وأهمية قراءة تراجم العلماء. وينقل فوائده حول المحافظة على الوقت في طلب العلم وأن ضيق المعيشة لا يصرف عن طلبه.
يؤكد المحور على أن طلب العلم سبب للرزق في الدنيا والآخرة محذراً من العشوائية في التلقي التي تضيع الوقت. ويوصي باستغلال الصباح الباكر ومصاحبة الحريصين والاعتدال في استخدام وسائل التواصل.
يستعرض المحور مجموعة من الفوائد والنصائح التي كان يرددها الشيخ منها فضل شرح الطحاوية ورفع الله للعلماء بكتبهم. ويتضمن تحذيراً من احتقار النفس في طلب العلم وتمييز الدروس وخطورة الإنترنت.
يختتم المتحدث المحاضرة بالصلاة على النبي محمد وآله والحمد لله رب العالمين مع الإقرار بعلم الله تعالى. ويكرر كلمة الشكر عدة مرات تعبيراً عن الامتنان للحضور.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم ومن والاه. أما بعد، فلا نزال أيها الأحبة في الله مع ترجمة عالم من علماء هذه البلاد اليمانية، وفقيه من فقهائها الذين شهد لهم العلماء بالرسوخ في العلم، وهكذا الجلالة في الفضل، ألا وهو فضيلة شيخنا العلامة أبي عبد الله عبد الرحمن بن عمر بن مرعي، رحمه الله تعالى وغفر لنا وله ولوالدينا أجمعين. وكما سبق يا إخوان، تراجم العلماء هي مدارس، بل هي جامعات للعلوم، وهكذا للآداب والأخلاق الفاضلة. فحين أن تقرأ في تراجمهم تشعر كأنك تعيش في أوساطهم، وتستفيد من علومهم، وهكذا تتعلم من أخلاقهم وآدابهم. فما أعظم القراءة في تراجم هؤلاء الراسخين من العلماء الراحلين! ومر معنا جوانب عديدة تتعلق بحياته رحمه الله تعالى، سواء كانت حياته الذاتية أو كانت حياته العلمية والدعوية، وما نفع الله به في حياته، وهكذا لا نزال نحن نستفيد وننتفع بذلك بعد مماته رحمه الله تعالى. قتل الشيخ عبد الرحمن رحمه الله تعالى مظلوماً، والناس أحوج ما يكون إلى علمه، إلى علمه، كما ذكر ذلك الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى في التابع الجليل سعيد بن جبير رحمه الله تعالى، قال: «قتله الحجاج بن يوسف ظلماً وعدواناً، والناس أحوج ما يكون إلى علمه»، أي إلى علم سعيد بن جبير. وها نحن ذا أصبحنا نقترب من خاتمة هذه الترجمة. وحقيقة يا إخوان، لما يشعر به الإنسان من الأنس والراحة، وما يجد من الفائدة في مطالعة وقراءة تراجم أمثال هؤلاء العلماء، لا يحب أن ينتهي، لا يحب أن ينتهي ويفارق هذه الجوانب العظيمة من ترجمة هذا العلامة العبد رحمه الله تعالى. زد على ذلك أنه من باب الوفاء بعلمائنا ومشايخنا، فينبغي أن تشهر علومهم، وهكذا ماذا ندعو لهم ونذكرهم بالجميل؟ فنترحم عليهم وندعو لهم، وهكذا نثني عليهم، فنذكرهم بماذا؟ بالجميل. وبقي معنا -إلا فالمجالس إذا طلبت فإنها كثيرة- لكن قد يبقى معنا مجلسان: المجلس الأول عبارة عن درر منتقى من بعض دروس الشيخ رحمه الله تعالى، والمجلس الثاني هو مسك الختام، وهي آخر أيام عاشها رحمه الله تعالى، وهكذا حادثة مقتله رحمه الله تعالى، والأثر الذي تركه مقتله رحمه الله تعالى. الشيخ رحمه الله تعالى، كما سبق، دروسه ماتعة، مليئة بالدرر والفوائد والفرائد. فتجد أن الشيخ إذا جلس على كرسي التدريس، آه، ماذا؟ البشر والفرح تعلو وجوه الحاضرين. أكذا كنا في دار الحديث بدماج: إذا جلس الشيخ عبد الرحمن على كرسي التحديث، ترى البشر والفرح والسرور على وجوه الحاضرين أجمعين. ثم خذ فوائد، وخذ شوارد، وهكذا فرائد، كان الشيخ رحمه الله تعالى ينثرها في أوساط طلاب العلم، وهكذا في دار الحديث بدماج. كانت دروسه عامرة بالعلم والفائدة، والفائدة. زد على ذلك أن مجالس الشيخ عبد الرحمن تستفيد منها علماً نافعاً، وأيضاً خلقاً حسناً. تجلس تتأمل في حديثه وإجاباته، وهكذا تعامله، فتجد أدباً حسناً وخلقاً عظيماً، رحمه الله تعالى. هنا بعض الفوائد المنتقى، نأخذ بعضها، نأخذ بعضها. فمن هذه الفوائد يا إخوان: كان رحمه الله تعالى يقول: «إذا رأيت من فتح عليه في العلم، إذا رأيت من فتح عليه في العلم، فاعلم أنه محافظ على وقته، فاعلم أنه محافظ على وقته». وهذا يا إخوان يدلنا على أهمية الوقت بالنِّسبة لطالبي العلم، فالوقت أغلى ما عُنيت بحفظه، وراه أسهل ما عليك يضيع. قال: «إذا رأيت من فتح عليه في العلم، قال: فاعلم أنه محافظ على وقته». لماذا يا إخوان؟ لأن الفتح في العلم، وأن يبرز طالب العلم فيجيد العلوم، وهكذا عنده من الفنون، هذا لم يأتِ إلا بجد واجتهاد مع إخلاص وصدق، وهذا لا يكون إلا بالمحافظة على الأوقات. وهكذا كان رحمه الله تعالى يقول: «أنا في قناعة أن ضيق المعيشة لا يصرف عن طلب العلم». يقول: «أنا في قناعة أن ضيق المعيشة»، يعني طالب العلم إذا كان فقيراً محتاجاً، هذا ليس سبباً لأنه يترك طلب العلم، وإنما ماذا يا إخوان؟ وإنما يصبر، وسيرزقه الله عز وجل من حيث لا يحتسب. وسبب هذا يا إخوان: أن طلب العلم سبب من أسباب، من أسباب ماذا يا أبا إبراهيم؟ طلب العلم سبب من أسباب الرزق. أحسنت. من أراد الدنيا يا إخوان فعليه بطلب العلم، ومن أراد الآخرة فعليه بطلب العلم. وفي حديث أنس في قصة الرجلين الأنصاريين، أحدهما يحترف يعمل، والآخر يدرس عند النبي صلى الله عليه وسلم، فشكى المحترف أخاه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال عليه الصلاة والسلام: «لعلّك ترزق به». طالب العلم يا إخوان يرزقه الله عز وجل من حيث لا يحتسب، يرزق الزوجة الصالحة، ويرزق أيضاً المال، وهكذا كفاية الحال، إلى غير ذلك. أيضاً كان شيخنا رحمه الله تعالى يقول: «العشوائية في طلب العلم تضيع للطالب». العشوائية: يدخل في درس، فما هي إلا أيام ويترك هذا الدرس، دخل درس آخر التحق به، ما هي إلا فترة ويخرج منه، قد يدرس دروساً فوق مستوى، عشوائية في طلب العلم. قال: «تضيع للطالب»، أي عدم إتقان الفن الذي يدخل فيه. قال: «فالذي لا يتقن يظل كما يقال مكانك سر، يتحرك لكن في مكانه، لم ينتقل من مكانه، حركة بلا بركة، حركة بلا بركة»، كما يقال. أيضاً كان رحمه الله تعالى يقول: «من فقد بركة الصباح فلعله لا يبارك له في يومه، من فقد بركة الصباح فلعله لا يبارك له في يومه». أي ما يتعلق باستغلال الوقت في أول النهار، في الصباح الباكر، إما حفظ أو مذاكرة أو قراءة أو مراجعة، إلى غير ذلك. بل كان شيخنا الواصب رحمه الله تعالى يذكر أن الشخص ينبغي ألا ينام بعد الفجر، ولو يعمل بعمل من أعمال الدنيا، قال: «ولو تأخذ حجارة تنقلها من هنا إلى هنا، لا تنام، وإنما استغل وقتك، إما في تحضير أو حفظ أو قراءة أو مراجعة، أو على أقل الأحوال في عمل من أعمال الدنيا». وهكذا أيضاً كان شيخنا رحمه الله تعالى يقول: «احرص أن تزامل الحريصين على العلم، احرص أن تزامل». ما معنى «تزامل»؟ يعني ترافق، تجالس، تصاحب الحريصين على العلم، الحريصين على العلم. وهكذا كان رحمه الله تعالى يقول: «نسلي أنفسنا وإخواننا بقول بعض السلف: من أراد الدنيا فعليه بالعلم، ومن أراد الآخرة فعليه بالعلم». من القائل يا إخوان؟ نعم يا أبا أحمد، الإمام أبو عبد الله الشافعي رحمه الله تعالى. أيضاً كان يقول رحمه الله تعالى: قال: «الوتساب، إيش الوتساب؟ هذا ها، تواصل عبر الإنترنت». قال: «قال الوتساب: أنا أعتبره مشغلاً لطالبي العلم، والإنسان هو أعرف بنفسه، هو أعرف بنفسه». هكذا كان يقول. ومعنى هذا يا إخوان: أن طلاب العلم من تضيع عليه الأوقات والأعمار مع هذه الشبكات وهذه المواقع والتواصل، إلى غير ذلك. لكن لا إفراط ولا تفريط، مع أن السلامة لا يعادلها شيء. لكن من احتاج إلى التواصل، وقد يكون فيه نشر للعلم ودعوة إلى الله عز وجل، لكن لا إفراط ولا تفريط. ولهذا قال: «والإنسان هو أعرف بنفسه»، بل «الإنسان على نفسه بصيراً». أكذا يقول الله تبارك وتعالى. وكان يقول أيضاً رحمه الله تعالى: كان يقول: «الدعوة تنطلق، الدعوة تنطلق، لا يؤخرها إلا الفتن الداخلية». يقول: «الدعوة تنطلق، لا يؤخرها إلا الفتن الداخلية، قال: تبدأ صغيرة ثم تكبر، تبدأ صغيرة ثم تكبر». ويا لله يا إخوان، كم عانت الدعوة من هذه الفتن الداخلية والخلافات! لا توقف الدعوة فحسب، بل قد تعيدها، تعيدها يعني مسافات، وهكذا أيضاً سنوات، بسبب هذه الفتن. وهكذا أيضاً كان الشيخ رحمه الله تعالى يقول: «الطريقة الصحيحة في تحصيل العلم، الطريقة الصحيحة في تحصيل العلم: إتقان المحفوظات قبل التصدر، إتقان المحفوظات قبل التصدر». أي قبل أن يتصدر الطالب للتدريس والتحديث، نسأل الله العافية والسلامة. وهكذا أيضاً، وهكذا أيضاً كان يقول: «قالوا»، يعني ينقل عن غيره، قال رحمه الله تعالى: «قالوا: التاجر مجده في كيسه». التاجر صاحب المال، مجده في ماذا؟ في كيسه. «قالوا: العالم مجده في كراريسه، مجده في كراريسه»، أي في دفاتره وأوراقه، وهكذا كتبه، وهكذا كتبه. وهكذا أيضاً كان يقول: «إن أعظم العمل بالعلم، إن أعظم العمل بالعلم: نشره وبثه، وعدم كتمانه». هذا من العمل بالعلم: نشره وبثه، وعدم كتمانه، وعدم كتمانه. وهكذا أيضاً كان يقول: «قال العلماء: أنسابوا الكتب أسانيدها». إذا كان الناس يا إخوان لهم أنساب: فلان بن فلان بن فلان الفلاني، قال: «أنسابوا الكتب أسانيدها، قال: حدثنا فلان عن فلان، إلى آخره». وهكذا أيضاً كان يقول: «شرحوا الطحاوية لمن يا إخوان؟ شرحوا الطحاوية يا عبد الرحمن، لمن شرحوا الطحاوية؟» لي. طيب، أنا أقرب المسافة: صاحب الأرجوزة المئوية؟ نعم يا خانع، عبيد، الشيخ بن عثيمين. إذا أطلق «شرحوا الطحاوية» فالمقصود به لصاحب الأرجوزة المئوية، وهو ابن أبي العز الحنفي رحمه الله تعالى. قال شيخنا العبد رحمه الله تعالى: قال: «شرحوا الطحاوية مليء بالفوائد، مليء بالفوائد، كم من عالم استفاد وأشاد بهذا الكتاب، كم من عالم استفاد وأشاد بهذا الكتاب». أيضاً من هذه الفوائد: كان يقول رحمه الله تعالى: قال شيخنا الوادعي رحمه الله: «رب عالم، رب عالم واحد يرفعه الله بكتاب واحد، رب عالم واحد يرفعه الله بكتاب واحد، بكتاب واحد». وهذا حاصل يا إخوان، كم من العلماء من عرف واشتهر بكتاب ألفه، بينما قد يكون عنده من الكتب ما عنده، ولا يعرف بها، ولا يعرف بها. أيضاً كان يقول رحمه الله تعالى: قال: «إذا أردت أن تحير فخير». إذا أردت أن تحير الشخص، يعني فماذا؟ فخيره: أيهما تختار، هذا أو هذا؟ هنا يقع في التحير. قالوا: «إذا أردت أن تحير فخير». وهكذا أيضاً، وهكذا أيضاً كان يقول: «والله لو أنفقنا أوقاتنا من الصباح إلى الليل، ما عملنا ما عمله السلف رحمهم الله تعالى، رحمهم الله تعالى». وهكذا أيضاً من نصائحه وتوجيهاته وفوائده: كان يقول: «لا يحتقر أحدكم نفسه، لا يحتقر أحدكم نفسه، ويقول: لي فترة في المراكز لم أستفد شيئاً، لم أستفد شيئاً». قال: «وأضرب لكم مثلاً». الشيخ يقول: «أضرب لكم مثلاً على هذا». قال: «الواحد إذا كان يعيش بين أولاده دائماً، معهم دائماً، فإنه لا يشعر أنهم كبروا، أنهم كبروا. فإذا سافر واغترب عنهم ثم جاء، يرى أنهم كبروا». هذا ملاحظ يا إخوان: الذي يعيش مع أولاده يومياً ما يشعر بكبرهم، وماذا؟ تقدمهم في السن. لكن إذا غاب فترة، سافر أشهراً، سنة، فإذا عاد، سرعان ما يلاحظ ماذا؟ تقدمهم في السن. قال: «قال: فأنت في المركز، وهذا الشاهد. فأنت في المركز ترى أنك لم تستفد، فإذا خرجت عرفت أنك استفدت». يعني واحد يكون في المركز، قد يتقدم في العلوم، لكن يشعر أنه لم يتقدم. متى يشعر بالتقدم؟ إذا خرج، دعوة، مسك مسجداً، أو أقام دعوة ودروساً في بلد، إلى غير ذلك. هنا سيشعر بالفائدة التي أخذها أثناء دراسته في المراكز. أيضاً كان يقول رحمه الله تعالى: قال: «عنوان طالبي العلم: الدروس الخاصة». يقول: «عنوان طالبي العلم: الدروس الخاصة». في الدروس الخاصة يا إخوان تقع غالباً المنهجية، وهكذا يقع أيضاً ماذا؟ التدرج في طلب العلم، وهكذا يحصل إتمام سلاسل علمية في فنون وعلوم، إلى غير ذلك. فالدروس الخاصة مهمة جداً، ولا يعني هذا أن الدروس العامة غير مهمة، بل مهمة، لكن يحصل في الدروس الخاصة ما لا يحصل في الدروس العامة. أيضاً كان يقول: كان يقول: «الجدران صحائف المجانين، الجدران صحائف المجانين». كلمة قالوها قديماً، قالوها قديماً. وهذا من الفوائد التي استفادها من الشيخ مقبل رحمه الله تعالى، أو ماذا؟ عفواً، هذه قالها الشيخ عبد الرحمن لما قيل له: هناك من يكتب في جدران الحمامات. بعض الناس إذا جلس في الحمام أخرج القلم وجعل ينقش في الجدار، أو يكتب. البعض قد يكتب في أبواب الحمامات: «خلان كذا» أو «عبارة كذا». فقالوا قديماً: «الجدران صحائف المجانين». أي المجانين هم الذين يكتبون على الجدران، على الجدران. وكان الشيخ رحمه الله تعالى يقول: «العوام، العوام، يعني عامة الناس، مثل الورقة البيضاء، من سبق إليها كتب فيها، من سبق إليها كتب فيها». وهكذا كان يقول رحمه الله تعالى: يعني حين أنحذر من فتنة الإنترنت، قال رحمه الله: «صار الناس يلقن بعضهم بعضاً الخير والشر، والله المستعان». قال: «أصبح الناس يلقن بعضهم بعضاً الخير والشر، والله المستعان». طيب، بقي معنا شيء أيضاً يتعلق بهذه الفوائد، ولأهميتها نؤخر الباقي منها إلى الدرس القادم إن شاء الله عز وجل. أسأل المولى تبارك وتعالى أن يغفر لنا، وأن يرحمنا، وأن يغفر لشيخنا ومعلمنا أبي عبد الله رحمه الله تعالى، وأن يجمعنا به وبعلمائنا في أعلى الجنة، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم. شكراً، شكراً، شكراً، شكراً.