شرح عقيدة السلف للصابوني 9

الدرس في شرح عقيدة السلف للصابوني 9، ألقاها

عقيدة السلف في القرآن الكريم وتأكيد كونه كلام الله

يتناول شرح عقيدة السلف الصالح في القرآن الكريم، حيث يؤكدون أنه كلام الله غير مخلوق، مستندين إلى الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الصحيحة. يُبين أيضًا أن القرآن نزل به جبريل على الرسول صلى الله عليه وسلم.

عقيدة أهل السنة والجماعة في القرآن وحكم من يزعم بخلقه

يؤكد أن أهل السنة والجماعة يعتقدون أن القرآن كلام الله تبارك وتعالى، وأنه غير مخلوق، ويعتبرون من يزعم بخلقه كافراً. يُثبتون صفة الكلام لله تبارك وتعالى، ويؤكدون أن صفات الخالق ليست مخلوقة.

حكم من زعم أن القرآن مخلوق ودلالة القرآن على كونه كلام الله

من زعم أن القرآن مخلوق فهو كافر بالله العظيم، لأن هذا الزعم يلزم منه تكذيب كلام الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. القرآن يدل على أنه نزل بلسان عربي مبين، وهو تنزيل من رب العالمين بواسطة جبرايل عليه السلام.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حمدًا كثيرًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام أبو عثمان الصابوني رحمه الله تعالى في كتابه «عقيدة السلف أصحاب الحديث»: قال: «وآيات الكتاب وأخبار الرسول صلى الله عليه وسلم الصحيحة المنيرة الناطقة بهذه الصفات وغيرها كثيرة، يطول الكتاب بإحصائها، وذكر اتفاق أئمة الملة وعلمائها على صحة تلك الأخبار الواردة بها، وأكثرها مخرج بالأسانيد الصحيحة في كتاب الانتصار. وشرطنا في أول هذا الكتاب الاختصار والاقتصار على أدنى المقدار دون الإكثار، برواية الأخبار وذكر أسانيدها الصحيحة عند نقلة الآثار ومصنف المسانيد الصحاح الكبار». ومعنى هذا أنه اشترط في كتابه هذا أن يذكر جملًا مختصرة من الأدلة الدالة على ثبوت صفات الله تبارك وتعالى من كتاب الله تبارك وتعالى، ومن صحيح سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ومما تناقله واتفق عليه السلف والأئمة رحمهم الله، ولا يطيل بكثرة نقل الأسانيد والأخبار؛ لأن هذا -كما ذكر رحمه الله تعالى- لها مقام آخر. وأشار إلى أنه قد ذكر ذلك في كتاب له سماه بالانتصار. قال رحمه الله: «ويشهد أصحاب الحديث ويعتقدون أن القرآن كلام الله، وكتابه، ووحيه، وتنزيله غير مخلوق. ومن قال بخلقه واعتقده فهو كافر عندهم». والقرآن الذي هو كلام الله ووحيه هو الذي نزل به جبرايل على الرسول صلى الله عليه وسلم قرآنا عربيا لقوم يعلمون، بشيرا ونذيرا، كما قال عز وجل: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾. قال: «وهو الذي بلغه الرسول صلى الله عليه وسلم أمته كما أمر به في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾، فكان الذي بلغهم بأمر الله تعالى كلام ربهم عز وجل». وفيه قال صلى الله عليه وسلم: «أتمنعوني أن أبلغ كلام ربي؟» وهذا الحديث رواه الأئمة رحمهم الله تعالى أصحاب السنن وغيرهم، رواه الأربعة إلا النسائي، بإسناد صحيح عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، ولكن بلفظ: «من يحملوني إلى قومي؟ فإن قريشا منعوني أن أبلغ كلام الله» -أن أبلغ كلام ربي- أشهد منه أن أبلغ كلام ربي، فهو مبلغ كلام ربه جل وعلا. قال: «وهو الذي تحفظه الصدور، وتتلوه الألسنة، ويكتب في المصاحف، كيفما تصرف، بقراءة قارئ، ولفظ لافظ، وحفظ حافظ، وحيث تلي، وفي أي موضع قرئ، وكتب في مصاحف أهل الإسلام، ألواح صبيانهم وغيرها، كله كلام الله جل جلاله غير مخلوق. فمن زعم أنه مخلوق فهو كافر بالله العظيم». قوله رحمه الله تعالى: «ويشهد أصحاب الحديث» هذا شروع منه رحمه الله تعالى في الكلام على تفاصيل الصفات، منها صفة الكلام لله تبارك وتعالى، وبخاصة الكلام على القرآن: وأن القرآن الذي أنزله ربنا تبارك وتعالى على نبيه محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أنه من كلام الله تبارك وتعالى، منزل من الله تبارك وتعالى، ونزله على قلب محمد صلى الله عليه وسلم بواسطة جبريل. ومعنى هذا: أن الله تبارك وتعالى كلم به جبرايل، وجبرايل عليه السلام نزل به على نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فهو نقل لنبينا صلى الله عليه وسلم ما كلمه به ربه جل وعلا، وأمره بتبليغه إلى نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. فالقرآن من كلام الله تبارك وتعالى، تكلم الله جل وعلا به حقيقة. ومعنى أنه تكلم به حقيقة: بمعنى أنه كلم به جبرايل حقيقة، بصوته وحرفه. ومعنى: فالقرآن كلام الله جل وعلا، تكلم الله تبارك وتعالى به بصوت، وتكلم الله جل وعلا به بحروف عربية معلومة، وتكلم الله جل وعلا به وهو يحمل معان عظيمة، يحمل معان عظيمة. قال الله تبارك وتعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾. وقال الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم: ﴿يَا آدَمُ﴾. وقال: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنْ أَتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. قال الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم: ﴿كَذَلِكَ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾. الآيات كثيرة تدل على نداء الله جل وعلا، والنداء ما كان بصوت. وآيات كثيرة افتتحها الله جل وعلا، أو آيات القرآن العظيم بلسان، كما قال الله جل وعلا: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾. فهو -أي القرآن- من كلام الله تبارك وتعالى، تكلم الله تبارك وتعالى به بصوت، وتكلم به ربنا تبارك وتعالى بحرف، بحروف عربية. وكذلك تضمن معان عظيمة جليلة لمن تدبرها وتأمل فيها. فأهل السنة والجماعة يشهدون -كما قال- «يشهد أصحاب الحديث ويعتقدون أن القرآن كلام الله»، أي: أنه تكلم به ربنا تبارك وتعالى حقيقة. لذا قال الأئمة رحمهم الله تعالى: «القرآن كلام الله، منه بدأ، وإليه يعود». «منه بدأ»: أي منه ظهر الكلام، أو منه ابتدأ الكلام، وكل المعنيين صحيح. «وإليه يعود»: أي أن الكلام يعود إلى قائله ابتداء، أو إليه يعود يوم القيامة، يوم أن يرفع من صدور الرجال، كما جاء في حديث حذيفة وغيره رضي الله عنه وأرضاه. فأهل السنة والجماعة، وأهل الحديث، وسلف الأمة، كلهم يعتقدون هذا المعتقد: أن القرآن كلام الله تبارك وتعالى، وكتاب الله تبارك وتعالى، أنزله على نبينا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وحيه أيضا هو وحي من الله تبارك وتعالى، وحي من الله تبارك وتعالى أوحاه إلى نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾. قال: «وتنزيله غير مخلوق». وتنزيله غير مخلوق: أي أن الله تبارك وتعالى نزله على قلب محمد صلى الله عليه وسلم بواسطة جبريل عليه السلام. لذا قال: «ومن قال بخلقه -أي بأن القرآن مخلوق- واعتقده، فهو كافر عندهم». كافر عند من؟ عند السلف وأصحاب الحديث. من زعم أن القرآن الذي هو كلام الله تبارك وتعالى، ووصفه الكلام، كلام الله تبارك وتعالى، والكلام صفة من صفات الله تبارك وتعالى، فمن زعم أن القرآن مخلوق، فقد زعم أن صفة من صفات الله تبارك وتعالى مخلوقة. وإذا كانت الصفة مخلوقة، فالموصوف كذلك ماذا؟ مخلوق. صفة المخلوق مخلوقة، وصفة الخالق غير مخلوقة. فمن زعم أن صفة الرب تبارك وتعالى -صفة الكلام- مخلوقة، يلزم من ذلك أن يصف الرب تبارك وتعالى بأن صفاته مخلوقة. ومن كانت صفاته مخلوقة فهو إيش؟ فهو مخلوق، تعالى الله وتقدس عن هذا القول علوا كبيرا وعلوا عظيما، سبحانه وتعالى. لذا قال السلف رحمهم الله: «من قال بأن القرآن مخلوق، واعتقد هذا المعنى، فإنه كافر بالله العظيم». لهذه اللوازم المذكورة، وقبل ذلك لأنه مكذب لكلام الله تبارك وتعالى، مكذب لكتاب الله تبارك وتعالى، مكذب لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، مكذب للإجماع القطعي عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعن سلف الأمة. ومن كان مكذبا لكتاب الله، أو لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو للإجماع القطعي الثابت بالأدلة الشرعية، فإنه كافر بالله العظيم. والأمر هاهنا كذلك، لذا لم يتنازع السلف رحمهم الله تعالى ورضي الله عنهم في كفر من زعم أن القرآن مخلوق. لم يتنازع السلف في كفر من قال وزعم أن القرآن مخلوق، بل الكل نادى وصرخ في وجه من قال أن القرآن مخلوق بأنه كافر بالله العظيم. وما كفر الأئمة رحمهم الله تعالى الجهمية والمعتزلة ومن قال بقولهم إلا لهذا المعنى ولغيره من نفي الصفات. إذن عقيدة أهل السنة والجماعة إثبات صفة الكلام لله تبارك وتعالى، وأنه كلام لائق بالله تبارك وتعالى، كبقية الصفات: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. وإثبات أن القرآن من كلام الله تبارك وتعالى، وأنه من صفات الله تبارك وتعالى. وصفات الله تبارك وتعالى ليست بمخلوقة؛ لأن صفات الخالق جل وعلا ليست بمخلوقة. فمن زعم أن صفات الخالق جل وعلا، أو أن إحدى صفات الخالق جل وعلا أنها مخلوقة، فإنه منازع لله تبارك وتعالى فيما أثبته لنفسه، وفيما أثبته له رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فيكون مكذبا للقرآن العظيم، وللسنة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيكون كافرا بالله العظيم. والعلماء رحمهم الله تعالى في كتب الاعتقاد ينصون بنصوص خاصة، وبعضهم يبتدئ أول ما يبتدئ بالكلام عن القرآن: وأن من زعم أنه مخلوق فإنه كافر. وذلك كما ذكر من ذكر من الأئمة، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: «أن هذه الفتنة هي أشد فتنة حصلت في زمن الأئمة رحمهم الله تعالى بين أهل السنة والجماعة وبين أهل الأهواء، فتنة خلق القرآن. وحصل بسببها ما حصل». هذا أمر. والأمر الثاني -كما ذكر شيخ الإسلام رحمه الله أيضا- «أن من زعم أن القرآن مخلوق، فإنه زعم بإبطال جميع الشرائع من أولها إلى آخرها؛ إذ يلزم من ذلك أن كل نبي دعا إلى شيء مخلوق، وإلى مخلوق؛ لأن الأنبياء والرسل إنما هم مبلغون عن ربهم تبارك وتعالى كلامه. فلو قيل -كما قال من أهل الأهواء- بأن القرآن مخلوق، للزم أن جميع الشرائع التي جاءت بها الأنبياء والرسل، وأنزلت بها الكتب أنها على هذه الحالة: أن مخلوقة، وأن الشرائع إنما هي دعوة إلى مخلوق، ليس دعوة إلى رب العالمين تبارك وتعالى. فلوازم القول بأن القرآن مخلوق لوازم فاسدة باطلة كفرية، والعياذ بالله». لذا حذر الأئمة رحمهم الله تعالى تحذيرا بالغا ممن زعم أو قال أو أشار أو ألمح إلى أن القرآن مخلوق. فمن قال بأن القرآن مخلوق فهو كافر بالله العظيم بإجماع الأمة؛ لأنه مكذب لكلام الله تبارك وتعالى. ربنا تبارك وتعالى يقول: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾. وهذا يقول: بأن القرآن ليس بكلام الله. الله جل وعلا يقول: ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾، وهذا يقول: ليس بكلام الله وإنما هو مخلوق. نبينا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يقول: «من يحملني حتى أبلغ كلام ربي؟» وهذا يقول: لا، ليس هذا بكلام ربي جل وعلا، وإنما هو مخلوق. فهذا الزعم، لهذا الزعم في الحقيقة هو مكذب لكلام الله تبارك وتعالى، مكذب لأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، مكذب للإجماع القطعي الذي دل على أن كلام الله تبارك وتعالى غير مخلوق: «منه بدأ وإليه يعود». قال رحمه الله تعالى: «ومن قال بخلقه واعتقده فهو كافر عندهم» -أي عند السلف- «والقرآن الذي هو كلام الله ووحيه هو الذي نزل به جبرايل على الرسول صلى الله عليه وسلم قرآنا عربيا لقوم يعلمون، بشيرا ونذيرا، كما قال عز وجل: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾». تنزيل رب العالمين: أي أن الله تبارك وتعالى نزله. وها هنا: فإذا ذكرها العلماء رحمهم الله تعالى أن قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ﴾، تنزيل رب العالمين، قول: لفظ التنزيل يدل على أن القرآن لم ينزل دفعة واحدة، وإنما نزل شيئا فشيئا؛ لأن لفظ التنزيل يدل على هذا المعنى. فكأن قائلا لو أن قائلا قال: «نزلت الحجارة من الجبال»، معناه أنه نزلها شيئا فشيئا، بخلاف ما إذا قال: «أنزلت الحجارة من الجبال»، معناه أنه أنزلها دفعة واحدة. قال رحمه الله: «كما قال عز وجل: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾» -أي جبريل عليه السلام- وصفه الله تبارك وتعالى بوصفين عظيمين: بأنه روح، أي أنه روح من الله تبارك وتعالى، من أمر الله جل وعلا. ووصفه كذلك بأنه أمين، بأنه أمين حفيظ على رسالات الله تبارك وتعالى، الذي أرسله الذي أرسلها معه إلى رسله وإلى أنبيائه. قال: «نزل به الروح الأمين على قلبك» -أي على قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم- فالضمير في قول: «قلبك»، أي: الكتاب تعود على رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: «لتكون من المنذرين» -منذرنا بماذا؟ بكتاب الله تبارك وتعالى- «بلسان عربي مبين». فدل على أن القرآن بلسان عربي مبين، وأنه تنزيل من رب العالمين تبارك وتعالى، وأنه نزل به جبرايل عليه السلام على قلب محمد صلى الله الله وسلم عليه. والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على