الدرس في شرح عقيدة السلف للصابوني 41، ألقاها
أهل السنة والجماعة يؤمنون بأن الجنة والنار مخلوقتان وباقيتان أبدًا، ويشهدون على وجودهما وفقًا للكتاب والسنة. الجنة هي دار المتقين والمؤمنين، بينما النار دار الكافرين والعاصين.
النار دار الكفار والمشركين، والجنة دار المؤمنين، وقد يدخل بعض المؤمنين النار بسبب معاصيهم لكن مآلهم إلى الجنة. عذاب المؤمنين في النار يختلف عن عذاب الكافرين.
الجنة والنار موجودتان الآن كما دلت عليه الأدلة من الكتاب والسنة، والجنة في العلو تحت عرش الرحمن، والنار في أسفل الأرض السابعة.
بسم الله الرحمن الرحيم. والحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام أبو عثمان الصابوني رحمه الله: «ويشهد أهل السنة أن الجنة والنار مخلوقتان، وأنهما باقيتان لا تفنيان أبدًا، وأن أهل الجنة لا يخرجون منها أبدًا، وكذلك أهل النار الذين هم أهلها خلقوا لها، لا يخرجون منها أبدًا، وأن المنادي ينادي يومئذ: يا أهل الجنة خلود ولا موت، ويا أهل النار خلود ولا موت»، على ما ورد الخبر الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. قوله رحمه الله تعالى: «ويشهد أهل السنة»، أي ويعتقد أهل السنة والجماعة، ويؤمنون ويقرون ويصدقون بما جاء من الأخبار عن الله جل وعلا، وعن رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، من أن الجنة والنار مخلوقتان، وأنهما باقيتان لا تفنيان أبدًا، وأن للجنة جعل الله جل وعلا أهلًا هم أهلها، وجعل للنار كذلك أهلًا هم أهلها، وأهل الجنة مخلدون أبد الآباد في الجنة، كما أن أهل النار الذين هم أهلها مخلدون في النار أبد الآباد. وقوله رحمه الله تعالى: «ويشهد أهل السنة أن الجنة والنار مخلوقتان»، الجنة كما هو معلوم في لغة العرب من جنة، وهذه المادة مادة الجيم مع النون المضعف تطلق على ما كان فيه معنى الاستتار والخفاء، ومنه سميت الجنة جنة؛ لما فيها من كثرة الأشجار وما شابه ذلك، حتى أنها من كثرتها يحصل منها هذا المعنى، معنى الستر، لذا يقال في البستان من أهل البستان، من بساتين الدنيا إذا كان كثير الأشجار وكثيف الأشجار، يقال فيه بأنه جنة؛ لتداخل أشجاره وأغصان الأشجار بعضها في بعض. والجنة شرعًا هي الدار التي جعلها الله جل وعلا دارًا للمؤمنين، دارًا للمتقين، وهي من رحمة الله جل وعلا المخلوقة التي خلقها الله جل وعلا، كما جاء في الحديث: «أن الجنة والنار اختصمتا، فقالت الجنة: يا رب لا يدخلني إلا الضعفاء والمساكين، وقالت النار: يا رب لا يدخلني إلا الجبارون، فقال لهم ربنا تبارك وتعالى: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء، وقال للنار: أنت عذابي أعذب بك من أشاء»، فهي من رحمة الله جل وعلا التي هي من الرحمة المخلوقة؛ لأن الجنة مخلوقة، وكذلك النار مخلوقة، فالجنة والنار مخلوقتان. والنار معروفة لغة وشرعًا كما تقدم في الحديث أنها الدار التي أعدها الله جل وعلا لأعدائه من الكافرين المشركين والعياذ بالله، فهي دار الكافرين، ويدخلها وإذا دخلها من دخلها من أهل الجنة، فإنها ليست هي دارهم، من دخلها من أهل الإيمان ممن تلوث بالكبائر وشاء الله جل وعلا أن يعذبه بها، فإنه ليس من أهلها، هو ليس من أهلها؛ لأنه من أهل الإيمان، هو من أهل الجنة باعتبار المآل والخلود. أما النار فأهلها الكفار، على إشكال حينما يقال بأنها دار الكافرين والمشركين والجبارين والظالمين الذين عندهم الظلم أو الذين هم ظالمون ظلمًا أكبر، على إشكال في أن بعض المؤمنين مما تلوث بالكبائر ممن شاء الله جل وعلا أن يدخله النار، أنه يدخل النار وهو ليس بكافر، يدخلها ينقيه الله جل وعلا فيها بحسب ما وقع منه من المعاصي، وهو ليس من أهلها، أهلها هم الكفار. أما أهل الإيمان فإنهم أهل الجنة، هم أهل الجنة إما في الحال وإما في المآل؛ لأن الجنة هي دار المتقين، هي دار المؤمنين، فهي دار لأهل الإيمان إما في الحال يدخلهم ربنا تبارك وتعالى الجنة، وإما أن يدخل من يدخل منهم النار بسبب معاصيه إذا شاء الله تبارك وتعالى ذلك، ثم مآله إلى الجنة، إذا النار هي دار من دار كافرين؛ لأنهم هم أهلها؛ لأنهم هم أهلها، أما من دخلها من أهل الإيمان بسبب معاصيه فإنه ليس من أهلها، ولكنه يعذب بسبب معاصيه، وعذابه دون عذاب الكافرين، عذاب المؤمن إذا عذبه الله جل وعلا في النار عذابه دون عذاب الكافرين؛ لأن منزلتهم فوق منزلة الكافرين بكثير، بل لا جامع بينهما؛ لأن المؤمن مؤمن والكافر كافر. ويدل على هذا أحاديث الشفاعة، أحاديث الشفاعة حينما يحد الله جل وعلا نبيه صلى الله عليه وسلم حدًا يخرجوا قومًا هم أدخلهم الله جل وعلا، لكن عندهم معاصي ليس كمعاصي من بعدهم ممن يخرجون في المرة الثانية، وأصحاب المرة الثانية عندهم من الذنوب والمعاصي ما ليس عند من بعدهم ممن يخرجون في المرة الثانية والثالثة. لأنه جاء في الحديث في حديث أنس، وجاء كذلك في حديث أبي هريرة، في حديث أبي سعيد في خبر الشفاعة: «أن النبي صلى الله عليه وسلم يخر ساجدًا بين يدي ربه جل وعلا، فيقول له ربنا تبارك وتعالى: يا محمد ارفع رأسك وسل تعطى واشفع تشفع»، قال: «فيحد الله لهم فيحد الله جل وعلا فيخرج نبينا صلى الله عليه وسلم بشفاعته ذلك الحد الذي حده الله جل وعلا له، ثم يخر ساجدًا مرة ثانية، ثم يأذن له ربنا تبارك وتعالى بالشفاعة فيخرج أقوامًا آخرين، وهكذا في المرة الثالثة، ثم يخرج أقوامًا آخرين، ثم يشفع تشفع الملائكة، يشفع الأنبياء، يشفع المؤمنون الشهداء، ثم يخرج الله جل وعلا أناسًا برحمته جل وعلا، أصاب فحمًا وحمامًا، الحمام ما يبقى من الحطب بعد أن صار جمرًا أسود، يخرجهم الله جل وعلا برحمته وفضله». فلا شك أن من يدخلهم الله جل وعلا في النار من أهل الإيمان هم متفاوتون، ومن باب أولى بين أهل الإيمان وبين الكافرين من التفاوت، البون الشاسع والفرق الواسع، هذا واضح إن شاء الله. إذن كما ذكر الإمام أبو عثمان الصابوني رحمه الله تعالى في قوله: «ويشهد أهل السنة أن الجنة والنار مخلوقتان»، أهل السنة والجماعة يشهدون بأن الجنة والنار مخلوقتان، وهذا بإجماع، وقبل ذلك دل عليه الكتاب والسنة، الله جل وعلا هو الذي خلقها، خلق الجنة وخلق النار، كما دلت على ذلك الأدلة الكثيرة المتكاثرة على ذلك على خلق الله جل وعلا للجنة والنار. وكذلك هما باقيتان موجودتان الآن، هما باقيتان وموجودتان الآن، الجنة والنار موجودة، بل وقبل الآن موجودتان، كما دلت على ذلك الأدلة الكثيرة من كتاب الله جل وعلا، ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، آيات كثيرة، يقول الله جل وعلا في الجنة: ﴿أعدت للمتقين﴾، يقول في النار: ﴿أعدت للكافرين﴾، فهي معدة، ويدل على ذلك كذلك صريحًا ما جاء من الأحاديث الكثيرة المتكاثرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. منها ما جاء في الصحيحين من حديث أنس يوم أنكسفت الشمس، وجاء كذلك بنحو من حديث ابن عباس وهو كذلك في الصحيحين: «أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قال: لم أشهد منظرا مثل اليوم»، قالوا: «يا رسول الله لم أشهد منظرا في مقام هذا مثل اليوم»، أي في صلاته حينما كان يصلي الكسوف، فقالوا: «يا رسول الله وما رأيت؟»، قال: «رأيت الجنة والنار»، قال: «ورأيت النار يحطم بعضها بعضًا»، أراه الله جل وعلا الجنة والنار، فهذا يدلنا على أنها موجودة. وجاء كذلك صريحًا في حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه عند أحمد بإسناد صحيح، وأصله في صحيح مسلم: «أن الله جل وعلا لما خلق الجنة قال لجبريل: يا جبريل اذهب فانظر إليها، فنظر إليها جبريل، ثم رجع إلى ربه جل وعلا، فقال: وعزتك وجلالك لا يراها أحد إلا دخلها»، أو كما قال، يعني إلا طمع في دخولها وسارع إلى دخولها وعمل من الأعمال ما تكون سببًا لدخولها، «لا يسمع بها أحد إلا دخلها»، ثم إن الله جل وعلا يحفها بالشهوات. يقول ربنا تبارك وتعالى حينها لجبريل عليه السلام: «إذا فانظر إليها»، فينظر إليها جبريل عليه السلام قد حفت بالشهوات، فيرجع إلى ربه تبارك وتعالى، فيقول: «وعزتك وجلالك لقد خشيت أن لا يدخلها أحد»، لما يوحاط بها من الشهوات، ثم إن الله جل وعلا يأمره، يقول: «إذا فانظر إلى النار»، بعد أن خلق النار، فينظر إليها، فيقول: «وعزتك وجلالك لا يسمع بها أحد فيدخلها أبدًا»، من شدتها من النيران الذي فيها، نار تلظى والعياذ بالله، يقول: «لا يسمع بها أحد فيدخلها»، ثم إن الله جل وعلا يحفها بالشهوات. فيأمر جبريل عليه السلام أن ينظر إليها، فينظر إليها، ثم يرجع إلى ربه جل وعلا، فيقول: «يا رب لقد خشيت أن لا يبقى أحد إلا دخلها»، أو كما قال، لما حفت به من الشهوات. أشاهد من هذا أن هذا الحديث فيه دلالة واضحة أن الجنة والنار خلقهما الله جل وعلا، وأن الجنة موجودة، وأن النار موجودة، وعلى هذا معتقد أهل السنة والجماعة، يعتقدون أن الجنة والنار موجودتان. الجنة في العلو، وكما جاءت الأحاديث: «أن أعلى الجنة سقفها عرش الرحمن جل جلاله»، فهذا يدلنا على أن مكان الجنة فوق السماوات، والنار والعياذ بالله مكانها ومقرها كما جاءت الأدلة بذلك أنها في أسفل الأرض، كما جاء في مسند أحمد بإسناد صحيح من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه وأرضاه في خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إخراج ملك الموت روح المؤمن وروح الكافر. وقال في روح الكافر: «ثم ترفع إلى السماء فتغلق أمامها أبواب السماء، وترمى أو تكون في سجين»، في كتاب في ماذا؟ في سجين، وما أدراك ما سجين؟ جاء في الحديث: «قال في سجين في الأرض السابعة»، في حديث البراء في سجين في الأرض السابعة، فمكان النار كما هو نص حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأرض السابعة، ومكان الجنة كما هو بنص حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فوق السماوات. نكتفي بهذا القدر لانتهاء الوقت، ونكمل ما تبقى في درس لاحق. إلى هنا، سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.