الدرس في كتاب الحج 22، ألقاها
يتناول شرح المواقيت المكانية للحج والعمرة كما وردت في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وآراء العلماء حولها. يشرح آراء العلماء حول عدد المواقيت وتوقيتها.
يشرح حكم الإحرام من الميقات للمار به، ووجوب الإحرام منه إذا مر به الشخص. يجوز الإحرام من ميقات آخر إذا مر به لأمر ما.
يتناول أحكام الإحرام للمقيمين بمكة والحل، ووجوب الخروج إلى الحل للإحرام بالعمرة. لا يجوز لأهل مكة الإحرام من داخلها.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدًا كثيرًا مباركًا فيه، ما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، فنأخذ ما تيسر من التعليقات، وكذلك المسائل المتعلقة بهذه الأبواب التي ذكرها الإمام عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى في هذا الكتاب، نظرًا لضيق الوقت، لأن أيام الحج قد قربت، وبعض الإخوة سافر، ونحن ما أتممنا الكتاب. فنرى في هذا أن نعلق على ما تيسر من المسائل. فإن يسأل الله جل وعلا بعد عيد الأضحى أن نرجع إلى المسائل، ونسير على ما تقدم من ذكر المسائل، وذكر أقوال أهل العلم وأدلتهم، ومناقشتها، وترجيح الراجح منها بإذن الله جل وعلا، فعلنا. وإلا اكتفينا بالتعليق، وانتقلنا إلى الأبواب الأخرى بإذن الله عز وجل. ذكرنا في الدرس الماضي باب المواقيت، وذكرنا أن المواقيت منها زمانية ومنها مكانية. وذكرنا أيضًا ما ذكره الشيخ البسام رحمه الله تعالى عن هذه المواقيت، باعتبار ما كانت عليه، وباعتبار ما هي عليه اليوم، أي من أسماء، أن الأسماء تغيرت لبعض المدن. فنقرأ اليوم في هذه الأحاديث، ونعلق على ما تيسر من المسائل بإذن الله جل وعلا. قال رحمه الله تعالى: عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه: «ما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل اليمن يلملم، وقالهن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج أو العمرة. ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ، حتى أهل مكة من مكة». وجاء في حديث عبد الله بن عمر قال: «على عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يهل أهل المدينة من ذي الحليفة، وأهل الشام من الجحفة، وأهل نجد من قرن. قال عبد الله: وبلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ويهلوا أهل اليمن من يلملم». فأولًا، في قول عبد الله بن عباس: «أن رسول الله صلى صلى الله عليه وسلم وقت لأهل المدينة ذا الحليفة إلى آخره» فيه دليل على المواقيت المكانية. المواقيت المكانية. وقد ذكرنا أن العلماء رحمهم الله تعالى يقسمون المواقيت إلى قسمين: مواقيت زمانية، ومواقيت مكانية. المواقيت الزمانية أجمع أهل العلم على أنه لا تصح العبادة قبلها، بمعنى أن من عمل العبادة قبل وقتها، فإن عبادته ليست بصحيحة، كمن صلى الظهر قبل وقته، وهكذا. فأجمع العلماء على أنها لا تصح العبادة قبل وقتها. وأما المواقيت المكانية، وهي المذكورة في هذه الأحاديث، وحديث عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وما أصح الأحاديث الواردة في هذا الباب في توقيت النبي صلى الله عليه وسلم بهذه المواقيت، ذكرنا أن العلماء رحمهم الله تعالى ذكروا أن هذه الأحاديث فيها ذكر المواقيت المكانية. وذكر العلماء أن هذه المواقيت المكانية الأربعة مجمع عليها بين أهل العلم. وذكر بعضهم كذلك الميقات الخامس، وهو ذات عرق لأهل العراق. واختلف أهل العلم: هل هذا الميقات وقته رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو وقته عمر رضي الله عنه وأرضاه، وأجمع الصحابة عليه؟ فمن أهل العلم من قال بالأول، ومن أهل العلم من قال بالثاني. ومن قال بالأول ذكر أحاديث في ذلك، منها ما جاء في صحيح مسلم، من حديث أبي الزبير قال: سمعت رجلًا يسأل جابرًا عن المواقيت. فذكر جابر: «ولأهل الشرق ذات عرق». وهذا الحديث، كما ترون، أن أبا الزبير قال: «وأحسبه رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم». قال علماء: إن هذا شك من أبي الزبير، فلا يثبت به حكم. وجاء في سنن أبي داود عن عائشة رضي الله عنها وأرضاها أنها ذكرت: «أن النبي صلى الله عليه وسلم وقت لأهل العراق ذات عرق». وإسناده صحيح. إلا أن الإمام أحمد رحمه الله تعالى أنكر هذا الحديث. وقال: هذا حديث مما أنكر على حميد. وجاء كذلك في حديث آخر، في حديث أحد الصحابة، وهو سهمي: «أن النبي صلى الله عليه وسلم وقف كذلك لأهل العراق ذات عرق». رواه أبو داود، وإسناده حسن. قال العلامة الألباني: إسناده حسن، إلا أن فيه راويًا لم يوثقه أحد إلا ابن حبان. وهذا حال من يقال فيه: بأنه مجهول الحال، فالإسناد فيه ضعف، لأجل هذا الراوي. وجاء وروى الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، وكذا البيهقي، عن عطاء بن أبي رباح، بإسناده صحيح، عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أنه وقت لأهل العراق ذات عرق». وهذا إسناده صحيح إلى عطاء بن أبي رباح، ولكنه مرسل. فبعض أهل العلم حكم على أحاديث ذات عرق أنها لم تثبت على النبي صلى الله عليه وسلم من طريق صحيح. نص على هذا غير واحد من الأئمة، منهم الإمام ابن خزيمة رحمه الله تعالى، والإمام ابن المنذر رحمه الله تعالى، وغيرهم. نص على أنه لا يثبت في ذات عرق حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى قال: إن هذا يقال باعتبار أفرادها. أما باعتبار المجموع، فإن الأحاديث بعضها يقوي بعضًا، ويدل على أن لها أصلًا. فالحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى يذكر أن الحديث بمجموع طرقه يتقوى. والأمر في ذلك محتمل. باعتبار أفراد الأحاديث، بمجموعها، يدل على احتمال أن يكون للحديث أصل. ولكن العلماء رحمهم الله تعالى القائلون بالحديث الآخر قالوا: الذين قالوا بأن عمر رضي الله عنه وأرضاه هو الذي وقت ذلك، قالوا: لو كان ذلك معلومًا لم يحتاج عمر رضي الله عنه وأرضاه إلى أن يجتهد فيه، ولما خفي عن عامة الصحابة، ولأخبر مخبر عمر رضي الله عنه وأرضاه بأن ذلك قد وقته النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا الأمر فيه احتمال، إذ قد يقول قائل: بأن هذا حصل لعمر بحضور بعضهم دون بعض. وكذلك قد يقال: بأن هذا من باب الاجتهادات والآراء التي اجتهد فيها عمر، فيأتي الوحي أو جاء الوحي مؤيدًا له، فيأتي الوحي مؤيدًا لعمر رضي الله عنه وأرضاه. فهذا يكون من هذا الباب، محتمل أن يكون من هذا الباب. وعلى كل، سواء كان ثبت عن عمر، أو ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن العلماء مجمعون على أن هذا الميقات معتبر ومعتمد. لذا ذكر ابن المنذر رحمه الله تعالى: أن هذه المواقيت الخمسة هي حول الحرم. فلا يدخل داخله إلا ومر بها. أي بمعنى أنه مر بها رأسًا، أو حاذاها. ويستفاد من هذا: أن هذه المواقيت المذكورة الأربعة، وكذا معها هذا الميقات الخامس، أنها كما جاء في هذا الحديث، في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «هن لهن، ولمن أتى عليهن من غير أهلهن». أي من مر بهذه المواقيت، ولو لم يكن من أهل تلك المواقيت، ولكن ما دام مر بهذا الميقات، فإنه يحرم من الميقات الذي يمر به. وهذا متصور ومعلوم وواضح. وعلى هذه المسألة فرع العلماء مسائل، منها: إذا مر من كان ذا ميقات بميقات آخر، لأمر أو لآخر، واضح. هذا جماعة، مثلًا، يمر أهل الشام بطائرة، حصل لها خلل، حصل لها شيء ما، مرت من جهة ميقات أهل الشام، ومرت مثلًا من ميقات أهل المدينة. مرت من ميقات أهل المدينة. هل يجب عليه أن يحرم، أن يرجع إلى ميقاته ويحرم من ميقاته؟ أم أنه يحرم من ميقات أهل المدينة، ما دام أنه قد وصل إليها؟ الجواب: خلاف بين أهل العلم. والصحيح من هذه الأقوال: أنه يحرم، يجوز له أن يحرم من الميقات الآخر، ما دام أنه سيدخل إلى الحرم من ميقات ما، فيجوز له أن يحرم من الميقات الآخر. ويكون حكم حكم من قيل فيه: «ولمن أتى عليهن من غير أهلهن». أما من كان من أهل تلك البلاد، فإنه يدخل من تلك المواقيت. وهذا الأمر واضح. وهذا الأمر فيهم واضح. بقي من كان مثلًا طريقه بعيدًا عن الميقات، من كان طريقه بعيدًا عن الميقات، مثلًا، طريق من الميقات، وطريق آخر من غير الميقات، فهو سلك الطريق الآخر، مثلًا، من غير علم. فلما وصل إلى منزل من المنازل، أو مكان من الأماكن، سألهم عن الميقات، قيل له: في الطريق الثاني. وكان يبعد بين الأول والثاني مثلًا مسافات. فماذا عليه؟ فماذا يصنع؟ قال علماء رحمهم الله تعالى: يحاذي، يعمل بالمحاذاة، أي بموازاة ذلك الميقات الأقرب، بموازاة ذلك الميقات الأقرب. فيسير من ماذا؟ منه، وإن لم يدخل من الميقات نفسه، لكن يحاذي. واستدلوا لذلك بما فعله عمر رضي الله عنه وأرضاه، حينما جاءه أهل العراق، كما في صحيح البخاري: «أن أهل العراق جاءوا إلى عمر، فشكوا له: أن ميقات أهل نجد يبعد عنهم، وأنه شاق». فقال لهم عمر رضي الله عنه وأرضاه: «انظروا أقرب ميقات يحاذي طريقكم، فمنه فأحرموا». فرأوا أن أقرب ميقات هو ذات عرق، فأحرموا منه. فاستدل العلماء رحمهم الله تعالى بهذا الفعل من عمر، وبإجماع الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم على إقرار ما قاله عمر رضي الله عنه وأرضاه، على أن من كان بعيدًا، أو من مر بعيدًا من ميقات ما، فإنه له أن يحاذي الميقات، أي يسير يحرم من مكان موازي لمكان الميقات. وعل عمر رضي الله عنه وأرضاه، ولأجل هذه المسألة، كذلك فرعوا مسائل أخرى، منها: من جاء بسفينة، من جاء إلى الحج بسفينة، مثلًا، من أهل مصر، من أهل السودان، ونحوها، من أهل إفريقيا، ممن بينهم وبين المملكة الآن بحار، الآن وقبل الآن. ماذا يصنعون؟ قالوا: إذا حاذوا ميقاتًا ما، وهم في السفينة، فإنهم يحرمون، ولو كانوا في البحر، ولو كانوا في ماذا؟ في البحر. كذلك قالوا: من جاء في البحر، في الجو، في طائرة، من كان في طائرة في الجو. قالوا: كذلك إذا حاذى الميقات، أو قرب من الميقات، فإنه يحرم في الجو. لماذا؟ لأن المحاذاة معتبرة، لأن المحاذاة في هذا الباب معتبرة. ولكن بالنسبة للجو، بالنسبة للجو، أي لمن جاء بالطائرات في هذه الأيام، ربما يكون في هذا الأمر، كما يقال، نوع حرج، بمعنى أنه إذا حاذى أحرم، هذا قد يكون فيه معنى أو فيه نوع مشقة، إذ أن الطائرة في الدقيقة الواحدة تقطع كذا وكذا كيلومترات. فلذلك استحب بعض أهل العلم أن يحترط، بأن يحرم قبل ذلك، بأن يحرم قبل ذلك، مثلًا. قالوا: لو كان يعلم أنه من انطلاقه إلى بلده إلى المكان إلى الميقات، مثلًا، في عشر ساعات، واضح. قال: فلا ينبغي أن يقدم إلا نصف الساعة احتياطًا، لأن الساعة يعني الطائرة ربما قدمت، أو ربما تأخرت. هذا في ماذا؟ في الطائرات التي لا تنبه الحجاج أو المعتمرين. أما إذا كان الطيار في الطائرة ينبهون، يعني بعض الطائرات، بحمد الله جل وعلا، يقولون: إذا وصلوا إلى قريب الميقات، يقولون: سنصل إلى الميقات بعد مثلًا عشرين دقيقة، أو بعد ربع ساعة، فتهيئوا. فإذا جاء وصلوا إلى الميقات، يقولون: نحن فوق الميقات، فحرموا. فيحرمون في ذلك الوقت. هذا الأمر فيه ماذا؟ واضح. لكن إذا كانت في طائرة مثلًا لا تفعل هذا العمل، ماذا يصنعون يا جماعة؟ يحتاطون، يحتاطون، ولو أحرموا قبل ذلك احتياطًا بمسافة قبل ماذا؟ قبل الميقات. واضح يا جماعة. فالحاصل: أنهم يحرمون قبل الميقات، احتياطًا لأجل أن لا يمر على الميقات من غير إحرام، لأجل أن لا يمر على الميقات من غير إحرام. وهنا كذلك مسألة، وهي: هل يجب الإحرام من الميقات؟ هل يجب الإحرام من الميقات، أو لا يجب؟ بمعنى: هل يجوز لأحد أن يحرم من قبل الميقات، أن يحرم من بلده، أن يحرم من مسكنه؟ أم ليس له ذلك؟ قال ابن المنذر رحمه الله تعالى، وغيره: الإجماع على أن من أحرم من قبل الميقات، فإنه يجزئه، ولا شيء عليه. وأن الأفضل أن يحرم من الميقات. ولكن ذكر بعض أهل العلم، كالحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى، وغيره، خلافًا في المسألة. فذكروا ونقلوا عن الإمام إسحاق بن راهويه، وكذلك عن داود الظاهري، وأشار كذلك الحافظ رحمه الله تعالى إلى أن البخاري يذهب إلى ذلك، إلى أن هؤلاء يذهبون إلى أن الإحرام من الميقات واجب، فلا يجوز أن يتقدمه، ولا يجوز أن يتأخر عنه. وهذا القول من حيث الوجاهة له وجه، من حيث الوجاهة، أن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث قال: «هن لهن، ولمن أتى عليهن». وفي حديث عمر: «أنه قال: يهل أهل المدينة من ذي الحليفة، وأهل الشام من الجحفة إلى آخره». فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يهل»، فعل أمر يدل على الوجوب. فالنبي صلى الله عليه وسلم جعل هذه المواقيت، وأمرهم بالإهلال منها. وهذا هو الأصل في أمره صلى الله عليه وسلم. لذا استدل هؤلاء رحمهم الله تعالى بالوجوب، بصيغة الأمر. قالوا: وأيضًا استدلوا كذلك بالقياس والنظر. قالوا: كما أن المواقيت الزمانية لا يجوز للإنسان أن يتقدم عليها، فكذلك المواقيت المكانية. وذهب جمهور، وذهبوا إلى جواز ذلك، وأن الأفضل أن يحرم من الميقات. فإن تقدم فلا شيء عليه. ووسعوا في المواقيت المكانية ما لم يوسع في المواقيت الزمانية. وما ذهب إليه من قال بالأمر، كما سمعتم، أوجه. على أن المشهور عند العلماء، كما سمعتم، بل بعضهم ينقل الإجماع على أن هذه المواقيت أن الإحرام منها مستحب، وليس بواجب. وأنه يجوز الإحرام من قبلها، وأنه يجوز الإحرام من قبلها. هذه مسألة. مسألة أخرى: من مر من الميقات من غير إحرام، فما حكمه؟ ذكر العلماء رحمهم الله تعالى: أن المر من الميقات من غير إحرام له أوجه، أو له صور، أو له حالات. أولًا: أن يمر من الميقات، وهو لا يريد الحج ولا العمرة، كأن يكون تاجرًا، أو أن يكون مريضًا يريد أن يتعالج مثلًا في مكة، أو إنسان يريد أن يزور زائرًا من أهله في مكة، أو ما شابه ذلك. فهل يجب عليه أن يحرم من الميقات؟ خلاف بين أهل العلم. فذهب بعض أهل العلم إلى وجوب الإحرام على من أتى من أحد المواقيت. وذهب آخرون إلى أن ذلك لا يجب عليه. وهو الصحيح، أنه لا يجب على من لم يرد الحج والعمرة أن يحرم. لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «هن لهن، ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج أو العمرة». فمن دخل مكة وهو لم يرد الحج أو العمرة، فلا يجب عليه الإحرام. وأيضًا مما استدل به: ما جاء في الصحيحين من حديث أنس رضي الله عنه وأرضاه: «أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة عام الفتح، وعلى رأسه المغفر». لم يدخل محرمًا، لأن المحرم لا يلبس العِمَّة، وما كان في معناها من لاصق للرأس. فهذا كذلك مما استدل به على أنه لا يجب على من لم يرد الحج أو العمرة أن يحرم. هذه مسألة، أو صورة. صورة أخرى، أو حالة أخرى: من دخل من هذه المواقيت، وهو يريد الحج أو العمرة، وهو يريد الحج أو العمرة. قالوا: يجب عليه أن يحرم من الميقات. فإن جاوز الميقات، فلم يحرم حتى جاوز الميقات، ثم أحرم بعد ذلك. قالوا: هذا له حالان. إما أن يرجع إلى الميقات، فيحرم من الميقات، ثم يمضي في أعماله. فهذا لا شيء عليه. قالوا: وإما أن يحرم من بعد أن يمر من الميقات، ولا يحرم في الميقات، ثم يستمر في أعماله، في أعمال الحج أو العمرة. قالوا: فهذا يكون آثمًا، وعليه دم. وحجه صحيح، يكون آثمًا؛ لأنه ترك واجبًا، لأن الإحرام من المواقيت واجب. بمعنى أنه لا يجوز أن يمر من الميقات من غير إحرام. لكن خلاف ماذا؟ هل يجوز له أن يحرم من قبل الميقات؟ الخلاف هذا. أما من تجاوز من الميقات، فيجب عليه أن يحرم من ماذا؟ من الميقات. واضح. يعني عندنا صورتان: الصورة الأولى: جواز الإحرام من قبل الميقات. الصورة الثانية: أنه لا يجوز لأحد أن يمر من الميقات، وهو يريد الحج أو العمرة، من غير أن يحرم. فإن مر من الميقات من غير إحرام، ثم أحرم بعد ذلك، فإما أن يرجع إلى الميقات فيحرم مرة أخرى، ويمضي في أعماله، فلا شيء عليه. وإما أن يمضي في أعماله دون أن يرجع إلى الميقات، فعليه إثم، وعند الجمهور عليه كذلك دم. وحجه صحيح؛ لأنه ترك واجبًا، لأن الإحرام من الميقات واجب. واضح. والإحرام من الميقات واجب. وأما الإحرام، فهو ماذا؟ الإحرام ركن. نية الإحرام ركن؛ لأن الإحرام له اعتبارات، كما يقول العلماء: الإحرام له اعتبارات. إحرام هو ركن، وإحرام هو واجب. فأما الإحرام الذي هو الركن، ما هو؟ نية الإحرام، نية الدخول فيه. النية في الإحرام ركن من أركان الحج أو العمرة. يجب على من أراد الحج أو العمرة أن ينوي أنه يريد الحج أو العمرة. هذا ركن من أركان الحج. الواجب في الإحرام، كما سمعتم: أن يكون من الميقات، وأن يلبس سياب الإحرام، وأن يتجرد عن محرمات الإحرام، أن يبتعد عن محرمات الإحرام. واضحة. هذه من الواجبات. والأول ما هو؟ ركن من الأركان. فنفرق بين الركن والواجب في الإحرام. الإحرام منه ما هو ركن، ومنه ما هو واجب. النية ركن. واضح. لبس الإحرام، وترك محظورات الإحرام، هذه واجبة، وليست بركن. لذا يقول العلماء: من ترك شيئًا، أو من أخل بشيء من هذه الواجبات، فإنه آثم، وعليه دم، عند جماهير العلماء. واضح. عملًا طيبًا. في هذه الأيام، وقبل هذه الأيام، يفسر بكثرة من جاء بالطائرة: أنهم لا يحرمون حتى يصلوا إلى جدة. لا يحرمون حتى يصلوا إلى ماذا؟ إلى جدة. فهؤلاء إذا أحرموا وصلوا مطار جدة، فأحرموا من مطار جدة، فماذا عليهم؟ الجواب: كما تقدر في المسألة السابقة. نقول لهم: يجب عليكم أن ترجعوا إلى أقرب ميقات، فتحرموا منه، ثم تسير إلى ماذا؟ إلى أعمالكم من أعمال الحج أو العمرة. فمن لم يفعل ذلك، ومضى إلى مكة، فقام بأعمال العمرة أو الحج، فإنه يكون آثمًا بذلك، وأيضًا فإن عليه دمًا، عند جماهير الفقهاء، عند جماهير العلماء رحمهم الله تعالى؛ لما ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما: «أنه قال: من ترك نسكًا، فإنه يفدي دمًا». أو كما قال رضي الله عنه وأرضاه. وعلى هذا عمل علماء رحمهم الله تعالى، سلفًا وخلفًا، إلا القليل. وفي قوله صلى الله عليه وسلم: «هن لهن، ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج أو العمرة». كما سمعتم: أن هذه المواقيت فيمن أراد الحج أو العمرة. قال: «ومن كان دون ذلك، فمن حيث أنشأ». حتى أهل مكة من مكة. بمعنى: أن من كان دون هذه المواقيت، فهل يجب عليه أن يخرج إلى الميقات، ثم يحرم، ويأتي بما أراد من أعمال الحج أو العمرة؟ أم ليس له ذلك؟ واضح. الجواب: أنه ليس عليه ذلك، ليس عليه ذلك. بل له أن يحرم من حيث أنشأ، أي من مسكنه. يحرم من ماذا؟ من مسكنه. لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ومن كان دون ذلك»، أي دون المواقيت، «فمن حيث أنشأ». قال: «حتى أهل مكة من مكة». أي من كان من أهل مكة حول الحرم، فإنهم يحرمون من أين؟ فإنهم يحرمون من حيثهم، من منازلهم. واضح. وهل يجب عليهم أن يحرموا من الحرم؟ هل يجب عليهم أن يذهبوا إلى الحرم، ثم يحرموا منه؟ ذهب إلى هذا بعض أهل العلم. واضح. ذهب بعض أهل العلم إلى أنهم يذهبون إلى الحرم، ثم يحرمون من الحرم إذا أرادوا الحج. ولكن الصحيح: أنه ليس عليه ذلك؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «فمن حيث أنشأ»، فمن حيث كان مقيمًا. نبه العلماء رحمهم الله تعالى هنا على مسألة، وهي: أن من كان من أهل مكة، على القول بأن أهل مكة لهم أن يعتمروا. قالوا: من كان من أهل مكة، أو حل، يعني جاء ودخل في مكة من غير أهلها، فإنه إن أراد الحج، فمحله من حيث أنشأ، كما ذكرنا في المتمتع. المتمتع: أنه بعد أن يتمتع، من أين ينشئ الحج؟ يا جماعة، ذكرنا أنه ينشئ الحج من حيث هو مسكنه. المتمتع. طيب الآن ذكروا: هذا في مسألة الحج. لكن في مسألة العمرة، في مسألة العمرة، يجب على من كان في مكة أن يخرج إلى ماذا؟ إلى أقرب الحل، ويحرم من أقرب الحل. ولا يجوز له أن يحرم من ماذا؟ من مكانه في مكة. في العمرة. أما في الحج، فمن حيث أنشأ. فنفرق بين العمرة وبين الحج. واضح. يقول قائل: لماذا هذا التفريق؟ والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ممن أراد الحج أو العمرة»، ثم قال: «حتى أهل مكة من مكة». فلماذا هذا التفريق؟ الجواب: هذا التفريق لما جاء كذلك في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها: أنها لما أرادت العمرة، بعد أن قضت حجها رضي الله عنها، فقالت: «يا رسول الله، يذهب الناس بحجة وعمرة، وأرجع بحجة فقط». قال النبي صلى الله عليه وسلم: قالت عائشة: فأمر النبي صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن بن أبي بكر أن يخرج بي إلى التنعيم، وأن آتي بعمرة. فاستدل العلماء بهذا على ماذا؟ على أن من كان من أهل مكة، أو كان ممن ورد إلى أهل مكة، وأراد العمرة، أنه يجب عليه أن يخرج إلى أقرب الحل، ويحرم من أقرب الحل. وضح هذا. قالوا: وهذا الحديث نص، وهو أظهر وأجلى من حديث الباب؛ إذ أن حديث الباب ماذا؟ مفهوم. وحديث عائشة أظهر وأبين في المسألة. فالحاصل من هذا: أن من كان من أهل مكة، أو ممن نزل مكة، وأراد العمرة، فلا يجوز له أن ينشئ الإحرام من ماذا؟ من غير الحل. بل يجب عليه أن يخرج إلى أقرب الحل. طيب. ذكروا مسألة هنا أيضًا. قالوا: فمن أحرم من داخل الحل، فماذا عليه؟ واضح. رجل من أهل مكة أراد أن يعتمر، قال: ما يحتاج أن أخرج إلى الميقات، سأحرم من هنا. فاعتمر. فماذا عليه؟ قال علماء: يجب عليه دم؛ لأنه ترك واجبًا. ما هو الواجب؟ أن يخرج إلى أقرب الحل. الواجب أن يخرج إلى أقرب الحل. وفي قوله كذلك: «ومن كان دون ذلك، فمن حيث أنشأ». قالوا: «حتى أهل مكة من مكة». فيه كما سمعتم دليل على أن أهل مكة كذلك يدخلون في هذا الأمر. وكذلك كل من حاذى الميقات، سواء كان أهل جدة، يعني ناس من سكان جدة. هل يجب عليهم أن يخرجوا إلى أقرب ميقات؟ أم أنهم يحجون أو يعتمرون من حيثهم؟ الجواب: أنهم يحجون أو يعتمرون من حيثهم. واضح؛ لأنهم من داخل ماذا؟ من داخل الميقات، لا من خارج الميقات. طيب. إذا كان رجل مسكنه في الميقات، هيا جماعة. إذا كان رجل مسكنه في الميقات، فماذا يصنع؟ من أين يخرج؟ ولا يدخل؟ ولا إيش يعمل؟ هيا جماعة. «فمن حيثه». واستحب بعض أهل العلم: استحب بعض أهل العلم، كما ذكر ذلك ابن قدامة رحمه الله. قالوا: وإن خرج إلى خارج الميقات، ثم دخل فيه. قال: فهذا أحسن. فهذا أحسن وأفضل. الأمر في ذلك كما ترون فيه سعة. الأمر في ذلك فيه سعة. طيب. مسألة أخرى: رجل، كما يقال، مثلًا، مسكنه أو مدخله أو طريقه إلى مكة بين ميقاتين. فمن أيهما يحرم أو يحاذي؟ الجواب: أنه يحاذي الأقرب. واضح. فإن كان سواء، فماذا يصنع؟ فمن أيهما شاء. واضح. فمن كان سواء، فمن أيهما شاء. أي الأمر في ذلك سعة، فيما لا فيه سعة. يحرم من حيث تيسر له. بإذن الله جل وعلا، فهذا حاصل ما يقال في المواقيت، وهو كما سمعتم تعليقات مختصرة، نظرًا لما تقدم. والله تعالى أعلى وأعلم. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، استغفرك وأتوب إليك.