كتاب الحج 26

الدرس في كتاب الحج 26، ألقاها

حرمة مكة وتاريخها

يتناول هذا الفصل شرح حديث أبي شريح الخزاعي في حرمة مكة، ويبين أن مكة حرمها الله تعالى يوم خلق السماوات والأرض. كما يتناول أحداث تاريخية متعلقة بالفتح وحرمة القتال في مكة.

أحكام القتال وإقامة الحدود في الحرم

يناقش هذا الفصل أحكام القتال في الحرم المكي، وآراء العلماء حول قتل القاتل داخل الحرم وخارجه، وأحكام إقامة الحد على القاتل، واستدل بالحديث النبوي وأفعال الصحابة.

أحكام التعامل داخل الحرم المكي

يتناول هذا الفصل أحكامًا متعلقة بمكة المكرمة مثل تحريم القتال، وحرمة قطع الشوك وتنفير الصيد، والتقط اللقطة، واختلاء الخلا، واستثناءات مثل الإذخر، وجواز قتل بعض الدواب في الحرم.

الطواف حول الكعبة واستلام الحجر الأسود

يشرح هذا الفصل أحاديث نبوية متعلقة بالطواف حول الكعبة واستلام الحجر الأسود، ويبين دلالاتها الفقهية والعقدية مثل جواز الطواف راكبًا واستلام الحجر الأسود بمحجن واستحباب تقبيله.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حمدًا كثيرًا كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، فقال الإمام عبد الغفار المغني رحمه الله تعالى في كتاب عمدة الأحكام في كتاب الحج من باب حرمة مكة: وذكر رحمه الله تعالى في هذا الباب حديثين: الحديث الأول لأبي شريح الخزاعي، والحديث الثاني لابن عباس رضي الله عنهم أجمعين. فنقرأ الحديثين ونعلق على ما تيسر، ثم نذكر بعض المسائل المتعلقة بهذين الحديثين. أولًا: قوله رحمه الله تعالى: باب حرمة مكة، أي مدخل لبيان حرمة مكة، وأن هذه البلدة حرمها الله جل وعلا، وسيأتي بيان هذا في الأحاديث المذكورة بإذن الله جل وعلا. قال رحمه الله تعالى عن أبي شريح خويلد بن عمر الخزاعي العدوي رضي الله عنه: أنه قال لعمر بن سعيد بن العاص وهو يبعث البعوث إلى مكة: إئذن لي أيها الأمير أن أحدثك قولًا قام به رسول الله صلى الله عليه وسلم الغد من يوم الفتح، فسمعته أذني ووعاه قلبي وأبصرته عيناي حين تكلم به. أنه حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «إن مكة حرمها الله تعالى يوم خلق السماوات والأرض، ولم يحرمها الناس، فلا يحل لمرء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دمًا، ولا يعضد بها شجرة. فإن أحد ترخص بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقولوا: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم، وإنما أذن لرسوله ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس. فليبلغ الشاهد الغائب». فقيل لأبي شريح: ما قال لك عمر؟ قال: أنا أعلم بذلك منك يا أبا شريح. إن الحرم لا يعيد عاصيًا، ولا ثارًا بدم، ولا ثارًا بخربة. قال: والخربة بالخاء المعجمة والراء المهملة، قيل: الخيانة، وقيل: البلية، وقيل: الهمة، وأصلها من سلقة الإبل. قال الشاعر: والخارب اللص يحب الخاربة. هذا الحديث الأول، حديث أبي شريح. والحديث الثاني حديث ابن عباس رضي الله عنه: ما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة: «لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا». وقال يوم فتح مكة: «إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحل لي إلا ساعة من نهار، وهي ساعة هذه، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة. لا يعضد شوكه، ولا ينفر صيده، ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها، ولا يختلى خلاه». فقال العباس: يا رسول الله، إلا الإذخر، فإنه لقينهم وبيوتهم. فقال: «إلا الإذخر». قال رحمه الله تعالى عن أبي شريح: وهو كما ذكر خويلد الخزاعي، وخزاعة من قبائل العرب المشهورة المعروفة، وكان حلفًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم في الجاهلية والإسلام. قال: أنه قال لعمر بن سعيد بن العاص، وهو الأموي الأجدع، أحد الأمراء من أمراء بني أمية، وكان أميرًا على المدينة، وهو يبعث البعوث إلى مكة بأمر يزيد بن معاوية، حينما أمرهم أن يحركوا جيشًا لقتال ابن الزبير بمكة. فلما بلغ أبا شريح هذا الخبر، ذهب إلى ذلك الأمير، وهذا فيه نصيحة لولاة الأمر، كما ترى، جاءت فيها من التلطف لأجل الوصول إلى بغيته ما هو واضح. إذ أنه قال له: إئذن لي أيها الأمير، إئذن لي أيها الأمير. وهذا فيه نوع تلطف لأجل أن يسمع ما يقال له. ثم كذلك نبه على ما سيخبره من الخبر بمؤكدات، فقال له: إئذن لي أيها الأمير أن أحدثك قولًا قام به رسول الله صلى الله عليه وسلم الغد من يوم الفتح، أي في اليوم الثاني بعد الفتح. وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل مكة وفتحها الله جل وعلا عليه، أذن له ربنا جل وعلا بالقتال ساعة منها، كما سيأتي في هذا الحديث. قال: فسمعته أذني ووعاه قلبي وأبصرته عيناي حين تكلم به. وفي هذا أنه متأكد متيقن متثبت مما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي هذا كذلك تهيئة لأن يسمع وأن يقبل الأمير ما يقال له. قال: أنه حمد الله وأثنى عليه. وفي قول أنه حمد الله وأثنى عليه، إشارة إلى أن الإنسان يبتدئ في خطبه وفي الأمور المهمة بحمد الله جل جلاله وبالثناء عليه. قال: ثم قال: «إن مكة حرمها الله تعالى يوم خلق السماوات والأرض، ولم يحرمها الناس». وقوله: «إن مكة حرمها الله تعالى» يدل على شرفها، إذ أن الله جل جلاله حرمها يوم خلق السماوات والأرض. فإذن حرمتها قديمة. وقد يقول قائل: قد جاءت بعض الأحاديث تدل على أن إبراهيم عليه السلام حرمها، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ثم تحرم المدينة كما حرم إبراهيم مكة». فقال العلماء رحمهم الله تعالى: جمع بين الحديثين أن المعنى أن الله جل وعلا هو الذي حرمها ابتداء، وأن إبراهيم عليه السلام بعد أن حصل ما حصل هو الذي أظهر حرمتها، واستمرت حرمتها بعد إبراهيم عليه الصلاة والسلام. فقوله صلى الله عليه وسلم: «إن مكة حرمها الله تعالى يوم خلق السماوات والأرض، ولم يحرمها الناس» فيه ما تقدم من أن حرمة مكة إنما حرمها الله جل وعلا، ثم بعد ذلك أظهر إبراهيم عليه السلام حرمتها، كما سمعتم بعد ذلك، فنسبت إلى إبراهيم عليه السلام باعتبار الإظهار، وإلا فإن محرم من قبل ذلك. فقوله: «فلا يحل لمرء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دمًا» أن يسفك بها دمًا. وجاء في حديث ابن عباس رضي الله عنهما: أنه قال: «إن هذه البلدة حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحل لي إلا ساعة من نهار، وهي ساعة هذه، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة». ففيه دلالة واضحة على حرمة القتال في مكة. وكذلك استدل العلماء رحمهم الله تعالى: استدل طائفة من أهل العلم في قوله: «فلا يحل لمرء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دمًا» إشارة إلى أن المخاطب بهذا الخطاب من كان يؤمن بالله واليوم الآخر حقًا، وقد كمل ذلك الإيمان في قلبه. ثم ذكر العلماء رحمهم الله تعالى ها هنا مسائل منها: هل يجوز القتل في الحرم والقتال؟ مسألتان: المسألة الأولى في حكم القتل في الحرم. أما القتل ابتداء فهو محرم إجماعًا في الحرم وفي غيره، أي بغير حق، لا يجوز ابتداء في الحرم وفي غيره، ويشتد حرمته في حرم الله جل جلاله؛ لأن البقاع المحرمة يزاد فيها الحرمة. لكن هل يجوز قتل من استحق القتل في مكة أم لا؟ بمعنى أن رجلا قتل رجلا، هل يجوز قتل هذا القاتل في مكة أم لا؟ ذكّر العلماء رحمهم الله تعالى ها هنا مسائل وفروعًا نشير إليها إشارات. فقالوا: من قتل في الحرم، فإنه يقتل إجماعًا. نقل هذا الإجماع ابن الجوزي رحمه الله تعالى وغيره. ولكن ذكر بعض في المسألة خلافًا. ومعنى هذا أن من قتل في الحرم قالوا: يقتل. لماذا؟ قال: أنه لو فتح هذا الباب أن من قتل في مكة لا يقتل، لنتشر الفساد، ولا كان من أراد القاتل ذهب إلى مكة فقتل من شاء، ويستعيد بالحرم، يبقى في الحرم ولا يقتل. فلأجل هذا كما سمعتم نقل بعضهم الإجماع على هذه الصورة على أنه يقتل، وذكر الخلاف في صورة أخرى. وذكر الخلاف في صورة أخرى وهي: من قتل في خارج الحرم، ثم انطلق وذهب إلى الحرم، قتل في خارج الحرم، ثم دخل الحرم مستعيدًا، هل يقتل أم لا؟ بعض أهل العلم رحمهم الله تعالى ذهب إلى أنه لا يقتل مطلقًا. ومعنى لا يقتل مطلقًا: أي لا داخل الحرم ولا خارج الحرم. بمعنى من قتل داخل الحرم لا يقتل، ومن باب أولى إذا قتل خارج الحرم. وهذا القول ذهب إليه ابن حزم، وحكاه عن طائفة من السلف منهم ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم. وذهب بعض أهل العلم إلى التفصيل السابق فيمن قتل داخل الحرم ومن قتل خارج الحرم. وهذا قول مجاهد وعطاء. وقال أبو حنيفة: لا يقتل في الحرم حتى يخرج إلى الحل اختياره، لكن لا يجالس ولا يكلم، ويوعظ ويذكر حتى يخرج. أي من قتل يهجر داخل الحرم، لا يجالس ولا يؤثر ولا يكلم، وإذا حصل كلام فإنه في الوعظ يوعظ ويذكر حتى يخرج، فإذا خرج قتل خارج الحرم. وقال أبو يوسف: وهو من كبار أصحاب أبي حنيفة، قال: يخرج مضطرًا إلى الحل، أي يخرج يضطر رؤي الخروج إلى الحل، ثم يقتل في الحل. قالوا: بهذا كان يعمل ابن الزبير رضي الله عنه وأرضاه. وعن مالك والشافعي قالوا: أنه يجوز إقامة الحد مطلقًا فيها؛ لأن العاصي هتك حرمة نفسه، فأبطل ما جعله الله له من الأمن. وهذا القول باعتبار التعليل جيد، لكن ما ذهب إليه أبو يوسف من أنه يخرج إلى الحل ويقتل خارج الحل كما فعل ابن الزبير، فالظاهر أن هذا أوفق للحديث في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «فلا يحل لمرء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دمًا». وإن كان الحديث قد يحمل على أن سفك الدم فيها حرام، لكن لأن يحمل الحديث على إطلاقه أولى. وكذلك ما ذكر في فعل ابن الزبير أولى؛ باعتبار أنه يكون ما تركه حتى يبقى على فساده، يقتل ويهرب إلى الحرم، لا يقتل، يخرج يأخذ من هو خارج الحرم، فيخرج إلى خارج الحرم، فيقام عليه الحد خارج الحرم. قال رحمه الله تعالى: «ولا يعضد بها شجرة». والعضد يعني القطع، ولا يعضد بها شجرة معناه لا يقطعها، معناه أن لا يقطع منها شجرة. قال: «فإن أحد ترخص بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقولوا: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم». وفي هذا جلالة واضحة إلى أن الحرم محرم من يوم خلق الله جل وعلا الخلق إلى قيام الساعة على حرمته. فإن قال: فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قاتل فيها. فإن النبي صلى الله عليه وسلم رد على هذه الشبهة بقوله: «فقولوا: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم، وإنما أذن لرسوله ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس». وهذا فيه دلالة على أن هذه الساعة التي أحلها الله جل وعلا لنبيه من خصائصه صلى الله عليه وسلم. فلا يجوز للإنسان أن يأخذ بما اختص به الرسول صلى الله عليه وسلم. كما أن الإنسان لا يجوز له أن يتزوج التسع النساء فيقول: قد تزوج الرسول صلى الله عليه وسلم تسعًا من النساء. وقوله صلى الله عليه وسلم: «وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس» كذلك دلالة واضحة على بقاء حرمتها واستمرارها بعد الفتح. وقوله: «فليبلغ الشاهد الغائب» فيه دلالة على ما ذهب إليه بعض أهل العلم منهم ابن دقيق العيد وغيره على أن فيه قبول خبر الواحد؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فليبلغ الشاهد الغائب». ففيه أن من بلغ الخبر إن كان المبلغ واحدًا فإن خبره مقبول. قال: فقيل لأبي شريح: ما قال لك عمر؟ قال: أنا أعلم بذلك منك. وهذه حجة باطلة فاسدة. كيف يأتيه الخبر من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه لا يجوز وأنه يحرم القتال في مكة، ولا يجوز سفك الدم في مكة، ويأتي هذا فيقول: أنا أعلم بذلك منك؟ لو كنت أعلم لا أعمل. ولكن هذا يدل على أنه ما علم العلم الذي هو العلم النافع. وإلا لن تفع بهذه الوصايا. وهذا الحديث يقال: بأن هذا الرجل الذي هو عمر بن سعيد الأموي قتل في عهد عبد الملك بن مروان شر قتلة. قال: «إن الحرم لا يعيد عاصيًا، ولا ثارًا بدم، ولا ثارًا بخربة». وقولهم: «إن الحرم لا يعيد عاصيًا» يقصد ابن الزبير. وأين هو من ابن الزبير؟ ابن الزبير صحابي، وكان من العلماء وكان كذلك من كبار الأتقياء رضي الله عنه وأرضاه. وهذا يقول عنه هذه المقالة. فالحاصل أن شبهة إذا وقعت في القلب تحصل أو يحصل في الإنسان ما يحصل من تقليب الحقائق. قال: «ولا ثارًا بدم» أي كما سمعتم أن يقتل ويهرب ويهرب إلى الحرم. وقد تقدم الكلام على هذه الفقرة. «ولا ثارًا بخربة». ومعنى الخربة كما ذكرها هنا: بالخاء المعجمة والراء المهملة، قيل: الخيانة، وقيل: البلية، وقيل: الهمة. أي أنه يعمل شيء ويهرب. وفي حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: يوم الفتح، أي يوم فتح مكة: «لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا». ومعنى «لا هجرة بعد الفتح» أي بعد فتح مكة؛ لأن مكة صارت بلد إسلام. وفي إشارة إلى أن الهجرة كانت قبل ذلك وكانت واجبة؛ لأنها كانت بلد كفر، والهجرة من بلد الكفر واجبة لا سيما مع عدم استطاعة إظهار الدين. قال: «ولكن جهاد ونية» أي أنه يجب الجهاد والنية. الجهاد واجب متى أقيم واحتاج إليه، والنية كذلك. لذا قال بعض أهل العلم في قوله صلى الله عليه وسلم: «ولكن جهاد ونية» أي جهاد وقت الجهاد، وعند عدم وقت الجهاد نية أن تكون عندك النية الصحيحة للقتال والجهاد إذا وقع الجهاد. فيكون الإنسان بين أمرين: بين الجهاد إن وجد، وبين نية الجهاد إن لم يوجد، فيكون مأجورًا بكلا الأمرين: إما بالفعل وإما بالنية. قال: «وإذا استنفرتم فانفروا» بمعنى إذا استنفركم الإمام فانفروا. ومع الاستنفار طلب منكم النفير للقتال، أي الحركة السريعة. قال: وقال يوم فتح مكة: «إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحل لي إلا ساعة من نهار، وهي ساعة هذه». وجاء في بعض الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن له من طلوع الشمس إلى العصر. أذن له في القتال في مكة من طلوع الشمس إلى العصر. فقول صلى الله عليه وسلم: «ساعة» ليس المراد بالساعة التي هي عندنا لها هذه الأيام ساعة، وإنما المراد بالساعة الوقت، إنما المراد بالساعة الزمن المحدود. قال: «فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يعضد شوكه، ولا ينفر صيده». كما مر معناه: لا يقطع الشوك. معروف. «ولا ينفر صيده». وفي قوله: «ولا ينفر الصيد» قال العلماء رحمهم الله تعالى: بمعنى تنفير الصيد، أن يتابع الصيد لأجل الصيد ينفر الإنسان إذا تبع الصيد نفر. فإذا نفر الصيد يقال: نفر الصيد. والنبي صلى الله عليه وسلم قال: «ولا ينفر». ومعناه أنه لا يصيد في الحرم، لا يصيد في الحرم، ولا يصيد كذلك صيد المحرم. وفي هذا الحديث فيه أمر زائد، وهو: أن تنفير الصيد كذلك لا يجوز. لذا ذكر العلماء رحمهم الله تعالى: أنه إن نفر الصيد فإنه لا يجوز. فإن نفر الصيد فعطب ذلك الصيد، مثلا نفره ففر ذلك الصيد فقطم بسيارة، أو سقط في حفرة فمات، قالوا: يضمن ذلك المنفر. فيكون عليه الفدية؛ لأنه واقع في هذا المعنى في تنفير الصيد المنهي عنه. قال: «ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها». واللقطة هي: ما يوجد ولا يعرف صاحبه. يعني لقطة الأشياء الذي يوجد ملقى ولا يدرى لمن هو. فمن أخذه بالحرام فكما يذكر العلماء رحمهم الله تعالى: وهذا الحديث كما ترون واضح في أنه إن أخذه فإنه يجب عليه أن يعرفه مدى الحياة، لا يتملكه. بخلاف غيره، بخلاف غير مكة من الأماكن، فإنه إن وجد لقطة فإنه يعرفه إن كان ثمينًا يعرفه لمدة عام، ثم يتملكه. فإن جاء صاحبه فجاء صاحبه بعد ذلك أعاد له، يكون ضامنًا. وإن كان حقيرًا فإنه يتملكه وإن لم يعرفه. والضابط في الثمين وغير الثمين كما يقول العلماء رحمهم الله تعالى: أنه خلاف بين أهل العلم. منهم من قدره بمقدار معين، فقدره بعضهم بمقدار ما تقطع به اليد، ربع دينار. ومن أهل العلم من قدره بالعرف. وهذا لعله يكون أقرب. فالحاصل أن الإنسان إن التقط لقطة في الحرم فإنه يعرفها مطلقًا. قال: «ولا يختلى خلاه». ومع الخلا: الرطب من المرعى. واختلاؤه: قطعه. أي الخلا الذي هو مرعى، يعني كما يقال المرعى: الزرع الذي يستخدم الغنم والبقر والإبل ما كان في معناها. فإن هذا كذلك مما حرم من حرمة مكة. فقال العباس: يا رسول الله، إلا الإذخر، فإنه لقينهم وبيوتهم. فقال: «إلا الإذخر». فقوله: «إلا الإذخر» لقينهم معناه: يستخدمه الناس لإيقاد الحريق، لاستعمال النار. وكذلك في قولهم: «وبيوتهم» أي أنهم كانوا يسقفون به البيوت، يضعونه تحت الخشب، ثم يضعون هذا الإذخر، ثم يعملون الطين فوق ذلك. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إلا الإذخر». فالحاصل: هذه بعض الأشياء التي كذلك هي متعلقة بهذا الباب بباب حرمة مكة. قال رحمه الله تعالى: باب ما يجوز قتله. عن عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «خمس من الدواب كلهن فاسق، يقتلن في الحرم: الغراب، والحدأة، والعقرب، والفارة، والكلب العقور». ولمسلم: «يقتل خمس فواسق في الحل والحرم». قوله: «خمس من الدواب كلهن فاسق» قال العلماء: يدل على أن هذه الأشياء المذكورات فيها هذا المعنى: معنى الفسق. قال: «يقتلن في الحرم». وباب أولى أن يقتلن في غير الحرم. قال: «الغراب» الغراب معروف. هكذا جماعة. طيب. «والحدأة» كذلك معروفة. «والعقرب» العقرب أيضًا معروف. الحمد لله. هذه الأشياء كلها معروفة عند الكل. «والفأرة» كذلك معروفة. «والكلب العقور». والكلب العقور: هل المراد بالكلب العقور هو الكلب المعروف أم أنه المراد به الأعم؟ معنى أعم. قال: ذهب بعض أهل العلم أو جماعة من أهل العلم إلى أنه كل سبع يعقر. الكلب هو كل سبع يعقر، أي يجرح ويقتل ويفترس. واضح جماعة. وهذا هو الظاهر أن يدخل فيه الكلب العقور، أي الكلب المعروف، ويدخل فيه كذلك ما كان فيه معنى مما كان يعقر مما كان يعقِر الحيوانات المعروفة: كالأسود والنمور وما كان فيه معنى. فإن تدخل في هذا الحكم. وهذا الحديث كما سمعتم فيه دلالة على جواز قتل هذه الأشياء في الحل وفي الحرم لمن كان محرمًا ولمن كان كذلك حلالًا. قال: باب دخول مكة وغيره، أي حكم دخول مكة وغيره. قال رحمه الله تعالى عن أنس بن مالك رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة عام الفتح على رأسه المغفر، فلما نزعه جاءه رجل فقال: ابن خطل متعلق بأستار الكعبة، فقال: «اقتلوه». في حديث أنس هذا دليل على أن ليس كل أحد أراد دخول مكة أنه يجب عليه أن يحرم من الميقات. فيه دلالة على أن الداخل مكة ليس كل من دخل مكة فإنه يجب عليه أن يحرم من الميقات. بل كما تقدم: أن من أراد دخول مكة لعمل غير الحج أو العمرة، فإنه يجوز له أن يدخلها من غير إحرام، من غير نفس إحرام، ومن غير كذلك أن يحرم من الميقات. وأما من دخل مكة لأجل حج أو عمرة، فإنه يجب عليه الإحرام من الميقات، ويفعل ما يفعله المحرم. وقوله: دخل مكة عام الفتح، وعلى رأسه المغفر. في دلالة على هذا؛ لأن المغفر هو غطاء الرأس الذي يستخدمه المقاتلون وقاية لرؤوسهم. وفي قوله: دخل وعلى رأسه المغفر، إشارة إلى أنه لم يكن محرمًا؛ لأن المحرم لا يلبس العمائم أو ما كان في معناه من ملاصق الرأس. وقوله: فلما نزعه جاءه رجل فقال: ابن خطل متعلق بأستار الكعبة، فقال: «اقتله». فيه دلالة على أن النبي صلى الله عليه وسلم قتل ابن خطل من كان على شاكلته في مكة، بل وهو متعلق بأستار الكعبة، بالإذن الذي أذن له ربه جل وعلا في تلك الساعة. قال رحمه الله تعالى عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة من كداء، من السنية العليا التي بالبطحة، وخرج من السنية السفلى. وتقدم معنا أيضًا في صفة الحج: أن النبي صلى الله عليه وسلم حينما دخل مكة دخل من كداء، أي من السنية العليا. قال علماء رحمه الله تعالى: لأنه منها يدخل إلى باب بني شيبة الذي كان يسمى باب بني شيبة، والآن مدخله مدخل ما يسمى بباب السلام؛ لأنه أقرب وأسهل مدخل للوصول إلى الكعبة، إلى الحجر الأسود. ودخل منه النبي صلى الله عليه وسلم لأجل هذا المعنى. وبعضهم ذكر معان أخرى. ومنهم من قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم دخلها وفاقًا، ولم يكن عمدًا لدخول ذلك الباب. وقوله: وخرج من السنية السفلى. قال بعض أهل العلم: أن خروجه صلى الله عليه وسلم من هذه السنية، أي دخل من العليا وخرج من السفلى، يكون هذا من باب تغيير الطرق، كما جرت عادته صلى الله عليه وسلم: أنه كان يذهب إلى العيد يذهب من طريق، ويرجع من طريق أخرى. من باب تعدد الطرق وإظهار هذه الشعيرة. وما شابه ذلك. وهذا أمر كذلك قد يكون له وجه. والله أعلى وأعلم. قال: عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قوله: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم البيت، وأسامة بن زيد، وبلال، وعثمان بن طلحة، فأغلقوا عليهم الباب، فلما فتحوا الباب كنت أول من ولج، فلقيت بلالًا، فسألته: هل صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم، بين العمودين اليمانيين. قوله: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم البيت. هذا يوم عام الفتح. هذا في عام الفتح. قوله: وأسامة بن زيد، وبلال، وعثمان بن طلحة. وهذا فيه إشارة إلى مكانة أسامة أولًا، وكذلك بلال ثانيًا، وعثمان بن طلحة؛ لأنه كان عنده مفاتيح الحرم. وقوله: فأغلقوا عليهم الباب، فلما فتحوا الباب كنت أول من ولجت فيه. فلقيت بلالًا، فسألته. وفيه إشارة أو فيه دلالة واضحة على حرص ابن عمر رضي الله عنه وأرضاه على تتبع آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى أخذ العلم وتلقيه. قوله: فسألته: هل صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وهذا السؤال من ابن عمر يدل على ما كان عليه الصحابة من التوثق، ومن التثبت في الأخذ. قال: نعم، بين العمودين اليمانيين. وفيه دلالة واضحة على أن الإنسان يجوز لو أن يصلي في داخل الحرم لفعل النبي صلى الله عليه وسلم. قال: عن عمر رضي الله عنه: أنه جاء الحجر الأسود فقبله، وقال: «إني لا أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، لولا أني رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقبل كما قبلتك». وفي دلالة على أن الحجر الأسود مخلوق من مخلوقات الله جل وعلا، لا ينفع ولا يضر. وهذا معلوم ضرورة من دين الإسلام. ولكن الجهل قد عم وطم في كثير من الناس، فظنوا أن هذا الحجر له نفع وضر من دون الله. ففي هذا القول من عمر رضي الله عنه وأرضاه يدل على ما كان عليه الصحابة من التوحيد العظيم الذي ملأ قلوبهم. وأيضًا فيه ما كان عليه عمر رضي الله عنه وأرضاه من البيان والتعليم؛ فهو يذكر ما يذكر بيانًا وتعليمًا وتنبيهًا: أن هذه الحجارة حجارة، وإن كانت مكرمة فإنها لا تنفع ولا تضر، إنما النافع الضار هو الله جل جلاله. وقوله رضي الله عنه وأرضاه: «لولا أني رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقبل كما قبلتك» فيه دلالة على استحباب تقبيل الحجر الأسود لمن استطاع إليه الوسيلة من دون إيذاء ولا ضرر. قال علماء رحمه الله تعالى: يستحب في التقبيل أن يضع شفتيه أو شفتيه على الحجر دون أن يخرج صوتًا في التقبيل. قال: عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه: قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه مكة، فقال مشركون: «إنه يقدم عليكم قوم قد وهنتهم حمى يثرب». فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يرملوا الأشواط الثلاثة، وأن يمشوا ما بين الركنين، ولم يمنعهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم. قوله: قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه مكة. وهذا كما ذكر بعضهم في عمرة القضية، في عمرة القضية الذي قضاها النبي صلى الله عليه وسلم بعد يوم الحديبية، أي بعد عام الحديبية. فقال مشركون: أي مشركون كانوا في مكان، قالوا: نقف الآن، وسيأتي محمد وأصحابه من أهل المدينة من أهل يثرب، كانوا يسمونها يثرب، فيأتون وقد وهنتهم حمى يثرب، أي فيهم الضعف، سننظر إليهم ونضحك. فأوحى الله جل وعلا إلى نبيه صلى الله عليه وسلم ذلك، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يرملوا الأشواط الثلاثة، أي الأول والثاني والثالث، وأن يمشوا بين الركنين، يمشوا بين الركنين: الجهة التي فيها قريش، يرملوا سريعًا الجهة التي لا يراهم أهل قريش فيها يمشوا فيها استراحة. فإذا ظهروا فإذا ظهروا: هكذا فعلوا. وكما جاء أيضًا في صحيح البخاري من حديث عمر: أنه قال: «ما لنا وللرمل؟ إنما فعلناه كنا نرائي به المشركين». ثم قال: «شيء فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم نفعله». فالحاصل: أن الرمل كان في أول الأمر فعله النبي صلى الله عليه وسلم لإظهار القوة للمشركين، وأنهم ما وهنتهم حمى يثرب، وإنما هم على قوتهم. قال: عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استلم الركن الأسود أول ما يطوف، يخب ثلاثة أشواط». وقوله: «يخب ثلاثة أشواط» في دلالة على أن الرمل وإن كان ابتداء مشروعيته هو إظهار القوة للمشركين، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك صار السنة، يعملها الناس. قال: عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه: ما قال: «طواف النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع على بعير، يستلم الركن بمحجن». وفي دلالة على جواز الطواف راكبًا على بعير أو على غيره. وقوله: «يستلم الركن بمحجن» وفي إشارة ودلالة على جواز استلام الحجر الأسود بمحجن. قال علماء: والمحجن عصى صغيرة محنية الرأس، أي في رأسها انحناء. قال: عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: «لم أر النبي صلى الله عليه وسلم يستلم من البيت إلا الركنين اليمانيين». وهذا كذلك تقدم معنا في صفة الحج: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستلم من الأركان الركنين اليمانيين، وأنه لا يقبل إلا الحجر الأسود. واضحة جماعة. كان يستلم. ومعنا الاستلام: المسح. مسح الحجر. فيسن لمن طاف بالبيت أن يمسح على الركنين اليمانيين: الركن الأول، ثم الركن الثاني الذي من جهة الحجر. والحجر يسن له أن يمسح عليه، وأن يقبله كما مر معنا. والله تعالى أعلى وأعلم.

شاركنا على