الدرس في كتاب البيوع 38، ألقاها
الرهن هو توثيق دين بعين يمكن استيفاؤه منها أو من ثمنها، ويجوز بالكتاب والسنة والإجماع. يُعد الرهن وسيلة لضمان الحقوق المالية.
استدل العلماء بحديث عائشة على جواز التعامل مع الكافرين في البيع والشراء والاقتراض منهم، وجواز رهن آلة الحرب للذمي. كما استدل به على جواز شراء الحبوب بالذهب أو الفضة دينا.
يناقش المقطع مسائل فقهية متعلقة بالرهن مثل جوازه في الحضر والسفر، وعدم وجوبه، وحالات الرهن الثلاث. كما يناقش حكم الرهن المؤقت واختلاف العلماء فيه.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه ما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، قال الإمام عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى في كتابه "عمدة الأحكام" في كتاب البيوع منه: قال "باب الرهن وغيره". معنى أنه رحمه الله تعالى ذكر في هذا الباب -يعني ذكر الرهن- ذكر حديث عائشة رضي الله عنها في الرهن، ثم ذكر أحاديث أخرى قد تكون إشارات منه رحمه الله تعالى إلى طرق مسائل في أبواب أخرى، كما سيأتي بإذن الله جل وعلا. الإشارة لهذه المسائل ضمن الأحاديث المذكورة في هذا الباب بإذن الله جل وعلا. فنسأل الله جل وعلا أن يعيننا جميعا، وأن يوفقنا سبحانه وتعالى إلى ما يحب ويرضى. قوله رحمه الله تعالى: "باب الرهن". الرهن بفتح فسكون، لغة: الثبوت والدوام، يقال: ماء راهن، أي راكد. فيقال: رهن الشيء يرهن رهونا، ثبت ودام، فهو راهن. ويتعدى بالألف، فيقال: أرهنته إذا جعلته ثابتا. وإذا وجدته كذلك أيضا، ورهنته المتاع بالدين رهنا، حبسته به، فهو مرهون. وفي هذا إشارة إلى أن الرهن يطلق على الحبس. ومنه قول الله جل وعلا: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ أي محبوسة، كما ذكر ذلك بعض أهل العلم. فإذا الرهن يطلق في اللغة على الثبوت والدوام، وعلى الحبس. وشرعا قالوا: توثقة دين بعين يمكن استفاؤها منها أو من ثمنها إن تعذر الاستيفاء من ذمة المدين. وعرفه بعضهم فقال: هو توثقة عين بعين يمكن استفاؤه أو بعضه منها أو من بعضها. والظاهر أن التعبير بالدين أولى؛ لأن الرهن غالبا ما يكون بدين. ولكن قولهم "بعين" في إشارة إلى أنه قد يدخل فيه الأعيان. فنشرح هذا المعنى، وبه يتضح حقيقة ومعنى الرهن. الرهن -كما سمعتم- توثقة دين بعين يمكن استفاؤها منها أو من ثمنها إن تعذر الاستيفاء من ذمة المدين. معنى هذا: نتصور هذه المسألة، يأتي إنسان إلى إنسان يطلب منه دينا، فذلك الرجل صاحب المال يقول له: سأعطيك ما طلبت من المال، لكن بشرط أن ترهن لي رهنا تعطيني شيئا رهنا حتى أستوفي منك ما عندك من الدين. واضح. يقول: أنا سأعطيك، لكن ما يدرني هل ستوفي للدين أم لا؟ يعني يأتي رجل إلى إنسان فيقول له: مثلا أطلب منك دينا مئة ألف إلى بعد شهرين، سأعطيك إياها في تاريخ كذا في شهر كذا. يقول له: يا أخي سأعطيك، ولكن لا بد من رهن. فيقول له: مثلا على سبيل المثال، هذه مثلا قطعة من الذهب، هذه القطعة من الذهب، فتبقى عنده رهن إلى الأجل. فإذا جاء الأجل يقول له: مالي. فإن أعطاه المال رد عليه ما أخذه من الرهن. فهو كما قيل: توثيقة دين بعين، أي أن تريد ماذا؟ أن تثق بأن مالك سيرجع إليك بإذن الله. يعني توثيق لمالك أنه سيرجع إليك بإذن الله، تأخذ منه ذلك الرهن. يقول: يمكن استفاؤه منها، ما معنى يمكن استفاؤه منها؟ بمعنى أنه إذا حل الأجل، فطلبت من الذي طلب منك الدين المال، قلت له: يا أخي قد حال الأجل وأريد مالي. فيقول: ليس عندي مال. ماذا يصنع الآن؟ يقول له: سأبيع ذلك الرهن وأستوفي منه مالي. واضحة. فمثل في مثل هذه الحالة له أن يبيع المرهون عنده. فإن كان مساويا لما عنده الحمد لله، وإن كان أكثر مما عنده أخذ حقه ورد عليه الباقي. فإن كان أقل أخذ المال وطالبه بالآخر. وله أن يرفع أمره إلى الحاكم. فالشاهد أنه كما ذكر: توثيقة دين بعين يمكن استيفاؤها منها أو من ثمنها. قال: "أو من ثمنها" كما سمعتم، أن يبيع ويأخذ ما له ويرد الباقي إن كان متبقي. قالوا: "إن تعذر الاستيفاء من ذمة المدين". واضحة؛ لأن الأصل الرهن ما هو؟ توثيقة المال من المدين؛ لأن الله جل وعلا بعد أن ذكر آية الكتابة -كتابة الدين- قال: ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ لماذا؟ ريهان مقبوضة؟ من أجل توثيقة ماذا؟ ذلك الدين. كما سمعتم أن بعض أهل العلم قالوا: هو توثقة عين بعين يمكن استفاؤها أو بعضها أو بعضه منها. يعني عين بعين، مثلا على سبيل المثال: رجل يقول لرجل: اعطني مثلا سبيكة ذهبية أو عقد امرأة، تقول: لا أعطيك إلا إذا رهنتني رهنا. فتقول: مثلا هذه السيارة رهن. وضح. فهذه عين بعين، هذا عين بعين. فليس دين بعين، لكن عين بعين. وهل هو رهن أم لا؟ حصر رهن؛ لأن المقصود به مال التوثيقة. قالوا: يمكن استفاؤه أو بعضه منها. بمعنى أن يكون الرهن أكثر أو يكون أقل. إن كان أكثر فواضح، وإن كان أقل كذلك فواضح. بعض أهل العلم ذكر أن الرهن إذا كان أقل من الدين قالوا: فإنه لا يصح. بعض أهل العلم قالوا: إذا كان الرهن أقل من الدين فإنه لا يصح ذلك الرهن؛ لماذا؟ قالوا: لأنه لم يحصل فيه معنى الاستيثاق ولا يحصل فيه معنى الاستيفاء. وذهب البعض الآخر من أهل العلم إلى الجواز؛ لماذا ذهبوا إلى الجواز؟ قالوا: لأنه ما لا يدرك كله لا يترك جله. واضحة. رجل استدان منه رجل مالا، وليس عنده شيء إلا شيء هو أقل من الدين. فماذا يصنع؟ هو بين أمرين: بين أن يمنعه الدين ويقول: لعل الرجل محتاج. وبين أن يأخذ منه الموجود ويقول: شيء أحسن من لا شيء. فالعلماء رحمهم الله تعالى قالوا: أو ذهب بعض أهل العلم إلى جوازه ولو كان الرهن أقل. إذا كان المرهون أقل من الدين فيكون توثيقا لجزء الدين؛ لأن الأصل أنه يجوز أن يعطيه من غير رهن. فالرهن لأجل ما يتوثق به. فإذا جاز بالعدم، فكونه يأخذ بعض المال دون بعض كذلك يكون ماذا؟ من باب أولى أنه جائز. الحاصل أنه يجوز. والله تعالى أعلى وأعلم. طيب الرهن جائز بالكتاب والسنة والإجماع. الرهن جائز بالكتاب والسنة والإجماع. قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾. ومن السنة حديث الباب -حديث عائشة رضي الله عنها- سيأتي الكلام عليه. وحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الضَّحْلُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَلَبَنُ الدَّرْ يشرب بنفقته إذا كان مرهونا، وعلى الذي يركب ويشرب النفقة». رواه البخاري. وشاهد منه ماذا؟ "إن كان مرهونا". وأما الإجماع، فقال الإمام ابن قدامة رحمه الله: "أجمع المسلمون على جواز الرهن في الجملة". ومعنى "في الجملة": أن هناك بعض المسائل وبعض الصور وقع فيها خلاف. ولكن الرهن في الجملة جائز، لا خلاف بين أهل العلم في ذلك. ذكر الإمام عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى هنا حديث عائشة في الرهن، فقال عن عائشة رضي الله تعالى عنها: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اشترى من يهودي طعاما ورهنه درعا من حديد». أشياء منهم ورهنه درعا من حديث. والحديث كما هو ظاهر فيه مسائل كثيرة وفوائد متعددة. ومن هذه المسائل وهذه الفوائد ما ذكره الإمام عبد الغني رحمه الله تعالى. ما كان سبب ذكر الإمام عبد الغني رحمه الله تعالى لهذا الحديث تحت هذا الباب، وهو جواز الرهن. الأمر الثاني أو المسألة الثانية والفائدة الثانية فيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اشترى من يهودي طعاما» يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كغيره من الناس يبيع ويشتري، فهو بشر يتعامل كما يتعامل الناس. وقد دل على هذا المعنى الكتاب والسنة والإجماع. الأمر الثالث: قولها رضي الله عنها: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اشترى من يهودي طعاما» استدل به العلماء رحمهم الله تعالى على جواز معاملة الكافرين في البيع والشراء. الأمر هو الفائدة والمسألة الرابعة كذلك: استدل العلماء رحمهم الله تعالى بقول عائشة رضي الله عنها: "اشترى من يهودي طعاما" على أنه يجوز أن يباع ويشترى من من يعلم أن ماله قد اختلط فيه الحلال بالحرام. وذلك لأن اليهود -كما هو معلوم- لا يتحاشون عن التعامل بالحرام، فهم من أكلة الربا وأكلة السحت. كما دل على ذلك الكتاب، وكذلك جاءت أحاديث السنة تدل على هذا. ومع هذا التعامل معهم النبي صلى الله عليه وسلم، فاستدل العلماء رحمهم الله تعالى على جواز المعاملة مع من علم أن في ماله شيء أو خلطة بين الحلال والحرام. قولها رضي الله عنها كذلك: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اشترى من يهودي طعاما -أي دينا- ورهنه درعا من حديد» استدل به العلماء رحمهم الله تعالى على جواز الاقتراض والتدين من الكافر. وهذا طبعا لا شك ولا ريب إن لم يحصل فيه تنازل في الدين، أو يحصل نوع من التذلل لهؤلاء الكفار. ففيه مشروعية القرض من الكافر إن لم يكن مصحوبا بشيء من المخالفات الشرعية؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى من يهودي دينا -أي اشترى من يهودي طعاما- واضح كما يدل عليه قولها: «ورهنه درعا من حديد». يدل على ماذا؟ على أنه اشتراه صلى الله عليه وسلم دينا. قد يقول قائل: لماذا ما اشترى أو استدان النبي صلى الله عليه وسلم من واحد من تجار الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم كعثمان بن عفان أو عبد الرحمن بن عوف أو غيرهم من الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم؟ ذكر العلماء رحمهم الله تعالى لذلك تعليلات. من هذه التعليلات قالوا: ربما أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرد ذلك؛ لأنه يعلم أن الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم لو استدان منهم ربما أعطوهم من عند أنفسهم من غير دين. وكان من خلق النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يرضى بمثل ذلك. وبعضهم أشار إلى أنه ربما خشي النبي صلى الله عليه وسلم أن يعطوه شيئا عن غير رضا تام، أي عن استحياء من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وذكر بعضهم تعليلا ثالثا ولعله الأظهر، قالوا: هذا لعله حكمة من الله ليبين مشروعية هذه الأحكام -ليبين مشروعية هذه الأحكام- وهذه الأحكام ما هي؟ مشروعية التعامل مع الكفار ولو كانوا يهودا أو نصارى. واضحة. وفيه رد على بعض الناس ممن يقول بوجوب مقاطعة اليهود والنصارى والكفار. لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد تعامل مع هؤلاء. ففيه كذلك من الفوائد: جواز التعامل مع غيرهم من أهل الإسلام ممن هو من أهل الإسلام من باب أولى. في جواز التعامل مع غيرهم من أهل معاصي من أهل الإسلام، لكن بشرط أن لا يكون فيه إعانة على معصيانه. بمعنى: مثلا لو وجد في محل رجل من أهل التقوى ورجل آخر فاجر، فأيهما يشترى منه ويبتاع؟ الأول لا شك ولا ريب. لكن إذا وجد هذا ولم يوجد هذا، اشترى من ماذا؟ من ذاك. وإن وجد الاثنين فاشترى أحدهما من هذا -أي من الفاجر- فهل هذا لا يجوز؟ الجواب ماذا؟ يجوز. قول عائشة رضي الله عنها: «اشترى من يهودي طعاما» كما سمعنا أن فيه معنى الدين، فيه دلالة على جواز الاستدانة بالمال. والطعام كما يذكر أنه كان يطلق ويراد به الشعير. وجاء عن بعضهم أنه يطلق ويراد به الحنطة. والشعير والحنطة من الأصناف الربوية. والمال من الفضة. أو جاء في بعض روايات أنه مقابل ثلاثين درهما. وفي بعض روايات أكثر وأقل -عشرين درهما- فالحاصل: استدل به العلماء رحمهم الله تعالى على جواز شراء الشعير أو البر بالذهب أو الفضة ماذا؟ دينا. وقولها رضي الله عنها: «ورهنه درعا من حديد» فيه كذلك من الفوائد: أنه يجوز أن يرهن الإنسان في جواز الرهن مقابل الدين، ولو كان من رجل خير فاضل. لا غضاضة في ذلك. يقول الإنسان: أنا عالم أو أنا إنسان تقي من أهل مساجد أهل بر. نقول: قد رهن النبي صلى الله عليه وسلم. واضح. وهو خير مني ومنك. فهكذا. وفيه كذلك من الفوائد: جواز رهن آلة الحرب للذمي أو للكافر بشكل عام، لكن بشرط أن يأمن أنه لا يستخدمها في قتال أهل الإسلام. وقوله: «ورهنه درعا من حديد» أيضا فيه دلالة على ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من بذل الأسباب في القتال والحروب. فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يلبس الدرع، وكذلك كان يلبس آلات الحرب كغيره من الناس. وهذا فيه بذل ماذا؟ السبب. مع أن الله جل وعلا قال له: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾. ففيه بذل السبب. وفيه كذلك من الفوائد: في قوله: «ورهنه درعا من حديد» جاء في بعض الروايات: «أن النبي صلى الله عليه وسلم مات ودرعه مرهونا» ودرعه مرهونا بماذا؟ بآصع من طعام لرجل يهودي. استدل به بعض أهل العلم على أن من كان قد استدان من إنسان دينا ورهنه رهنا، وأن ذلك الرهن يعدل ذلك المال أو أكثر، فإنه لا يدخل في أحاديث الدين الذي نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن تعرضه. فالحاصل: أن من رهن من ترك رهن مقابل ذلك الدين، وكان كذلك حاله أنه حريص على أداء ذلك الدين، ولكن أدركته الوفاة -أدركه الموت- فماذا؟ فهل عليه شيء؟ الجواب: أنه ماذا؟ أن الرهن يكون مقام السداد؛ لأن الرهن لماذا؟ للاستيثاق. وفيه كذلك من المعاني: ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من الزهد والتقلل من أمر هذه الدنيا. فهو أحب الخلق إلى الله رب العالمين وخير خلق الله رب العالمين، ومع هذا صلوات الله وسلامه عليه -كما ترون- يموت ودرعه مرهونة في طعام لأهله. لأهله. فهذا دلنا على ما كان عليه صلوات الله وسلامه عليه من التقلل ومن الزهد في الدنيا والرغبة فيما عند الله رب العالمين. فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. فهذه جملة -كما يقال- عابرة من فوائد متعلقة بهذا الحديث. وإلا فالحديث من تأمل في معانيه فإنه سيستخلص منها فوائد وفوائد كثيرة. ولكن نكتفي بما سمعتموه وندخل في المسائل متعلقة بأبواب الرهن، ونذكر منها في هذا الدرس ما تيسر. أولى هذه المسائل: أنه يجوز الرهن في الحضر كما يجوز في السفر. قال الإمام ابن المنذر رحمه الله: "لا نعلم أحدا خالف في ذلك إلا مجاهدا". قال: "ليس الرهن إلا في السفر". الإمام مجاهد بن جابر التابعي الجليل يقول: الرهن إنما هو في السفر؛ قال: لأن الله تعالى شرط السفر في الرهن بقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾. فيقول: الله جل وعلا ذكر ماذا؟ ذكر السفر. فإذا في غير السفر لا يجوز ماذا؟ لا يجوز الرهن. والجمهور وأكثر أهل العلم قالوا بماذا؟ كما سمعتم. قالوا: بأنه يجوز في الحضر والسفر. لذا قالوا: "الصحيح الأول" -يعني الصحيح الأول- لماذا؟ لحديث الباب -لحديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها- وفيه جواز الرهن في الحضر. قالوا: فإن كان فإنه -يعني في حديث عائشة- كان في المدينة. قالوا: ولأنها أيضا من حيث التعليل -يعني من حيث الدليل حديث عائشة- ومن حيث التعليل قالوا: لأنها وثيقة تجوز في السفر، فجازت في الحضر كالضمان. أما ذكر السفر -أي في الآية- فإنه خرج مخرج الغالب؛ لكون الكاتب يعدم في السفر غالبا. ولهذا لم يشترط عدم الكاتب. وهو مذكور معه أيضا. وذهب ابن حزم في "المحلى" -الإمام ابن حزم في المحلى- يقول: "أن الرهن يجوز إذا لم يكن شرطا في العقد". معناه: إذا كان شرطا في العقد فإنه ماذا؟ فإنه لا يجوز. والصحيح ماذا؟ "الصحيح الأول" كما سمعتم. مسألة ثانية: وهي أن الرهن غير واجب -الرهن من العقود الجائزة- ليست الواجبة. قال ابن قدامة رحمه الله: "لا نعلم فيه مخالفا -أي في عدم وجوبه- قال: لأنه وثيقة بالدين، فلم يجب كالضمان والكتابة". قال: "وقوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ إرشاد لنا لا إيجاب". إرشاد لنا لا إيجاب علينا. يعني في قول الله جل وعلا في الآية المذكورة: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾. هل يفهم من هذا الأمر -الأمر الوجوب؟ يقول ابن قدامة: هذا أمر إرشاد، هذا أمر إرشاد لا أمر وجوب. قال: "لأن لا إيجاب لنا". قال: "بدليل قول الله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾". فإن أمن -يعني أمن بعضكم بعضا- كان كل واحد منكم يثق بصاحبه، فلا يشترط ماذا؟ الرهن. بمعنى: أن كان يثق بصاحبه، قد يعطيه الدين من غير ماذا؟ من غير رهن. يعطيه الدين من غير رهن؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ أي حصل بينكم الأمن والثقة. قال: ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ أي من كان قد اؤتمن صاحبه من غير رهن، فليؤد ماذا؟ أمانته. قالوا: "ولأنه أمر به عند إعواز الكتابة". ولأنه أمر به -أي أمر بالرهن- عند إعواز الكتابة -أي عند عدم وجود الكاتب- قال: "والكتابة غير واجبة". الكتابة غير واجبة. فكذلك بدلها -يعني واضحة- هل المكاتبة في الدين -الكتابة في الدين- واجبة؟ ليست بواجبة. فيقول: "والرهن إنما هو كالبدل". الرهن هو كالبدل عند عدم وجود ماذا؟ الكاتب. عند عدم وجود الكاتب؛ بأن الله عز وجل يقول: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا﴾. واضح. فماذا؟ ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾. فمعنى أن الأصل ماذا؟ الكتابة. يكتب يكتب بينهم كاتب: أن فلان ابن فلان استدان من فلان ابن فلان مبلغا وقدره كذا وكذا، على أن يؤديه في يوم كذا في شهر كذا في سنة كذا، ثم يذكر الشهود. واضحة. فمن لم يجد انتقل إلى ماذا؟ إلى الرهن. المسألة الثالثة: قالوا: "الرهن لا يخلو من ثلاثة أحوال". الرهن لا يخلو من ثلاثة أحوال. أحدها: أن يقع بعد الحق فيصح بالإجماع. يعني واضح. بعد الحق يا جماعة: رجل يأتي إلى رجل يطلب منه دينا، يقول: خلاص أنا سأعطيك الدين أو هذا الدين -هذه المئة ألف كذا- لكن ائتني بماذا؟ برهن. ائتني بماذا؟ برهن. فهذا قالوا: ثابت. يعني هذا يصح بماذا؟ بالإجماع. قالوا: "لأنه دين ثابت". تدعو الحاجة إلى أخذ الوثيقة به، فجاز أخذها به كالضمان. قالوا: "ولأن الله تعالى قال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾". قالوا: "فجعله بدلا عن الكتاب فيكون في محلها". ومحلها بعد وجوب الحق. واضحة. محلها بعد وجوب الحق. يعني يحصل اتفاق: خلاص وافقت عليها. وخلاص يأتي بفلان يكتب بيننا. رهن كذلك. قالوا: "وفي الآية ما يدل على ذلك". هو قوله: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾. إذا تداينتم -أي قد حصل بينكم الدين- إلى أجل مسمى فاكتبوه. قال: "فجعله جزاء للمدينة مذكورا بعدها بفاء التعقيب". مذكورا بعدها بفاء التعقيب؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾. أي حصل الدين. فإذا حصل الدين فماذا؟ فاكتبوه. واضحة. يعني: أنا موافق، لكن نكتب -نكتب- أعطيك المال، ولكن نكتب هذا الدين بيني وبينك. وكذلك يقول في ماذا؟ في الرهن. يقول: هذا أنا سأعطيك المئة ألف -هذه المئة ألف- لكن أين الرهن؟ أعطني الرهن. واضحة. فيجوز بالإجماع. الحالة الثانية: أن يقع الرهن مع العقد الموجب للدين. فيقول: "بعتك ثوب هذا بعشرة إلى شهر، ترهنني بها عبدك سعدا". مثلا فيقول: "قبلت ذلك". الآن حصل الرهن فيما ذا؟ في أثناء العقد. حصل الرهن في أثناء العقد: بعتك ثوب هذا بعشرة إلى شهر -دين- يعني باعه ثوبه بدين، لكن إيش قال؟ على أن ترهنني بها عبدك سعدا. واضح. فيقول: "قبلت ذلك". قالوا: "فيصح أيضا". وبه قال مالك والشافعي وأصحاب الرأي؛ "لأن الحاجة داعية به". قال مالك والشافعي وأحمد وأصحاب الرأي -الجمهور- قال: "لأن الحاجة داعية إلى ثبوته". فإنه لو لم يعقده مع ثبوت الحق ويشترطه فيه لم يتمكن من إلزام المشتري عقده. واضح. يقول: لو لم يكن في أثناء العقد لم استطاع أن يرغم المشتري عقده. قال: "وكانت الخيار إلى المشتري: إن شاء رهن وإن لم يشأ". قال: "والظاهر أنه لا يبذله". فتفوت الوثيقة بالحق. إذن في أثنائه جائز. في أثنائه ماذا؟ جائز. وبعده جائز. الحالة الثالثة: أن يرهنه قبل الحق. الأولى بعد الثانية مع الثالثة قبل. فيقول مثلا: "رهنتك عبد هذا بعشرة، تقرضنيها". واضح. هذه وقع في الخلاف أيضا. فذهب الحنابلة، وذكره القاضي أنه نص أحمد في رواية بعض أصحابه، وهو مذهب الشافعي. ذهب هؤلاء إلى ماذا؟ إلى المنع. إلى أن هذا الرهن لا يصح ولا ينعقد. واضح. وذهب مالك وأبو حنيفة وبعض الحنابلة إلى أنه يصح. يعني قال: "فمتى قال: رهنتك توب هذا بعشرة، تقرضنيها غدا وسلمه إليه". ثم أقرضه إليه. ثم أقرضه الدراهم لزم الرهن. يعني واضح. صورة: يأتي رجل إلى رجل فيقول له: يا فلان، مثلا على سبيل مثل هذا الجوال رهن -خذه رهن- على أن تعطيني بعد مثلا غدا تعطيني عشرة آلاف ريال يمني. عشرة آلاف ريال يمنيا. يعني هل يجوز الآن أم لا؟ ذهب بعضهم إلى المنع. وذهب بعضهم إلى الجواز. والصحيح الجواز. قالوا: "لأنه وثيقة بحق، فجاز عقدها قبل وجوبك". الضمان. أو "فجاز انعقادها على شيء يحدث في المستقبل كضمان الدرك". يعني شيء يدرك. الحاصل: أنه يجوز. كما ذكر الضمان وغيره. قال الشيخ العثيمين رحمه الله تعالى بعد أن أشار إلى خلاف المسألة: "فالصواب أن الرهن جائز مع الحق وقبل الحق وبعد الحق". وأنه لا مانع؛ "لأنه عقد توثقه". واضح. فسوى كان قبل أو مع أو بعد، فالكل ماذا؟ فالكل جائز؛ لأنه توثقه. سواء كانت قبل أو كانت بعد أو كانت مع. هذا هو الأظهر. والله تعالى أعلى وأعلم. نكتفي بهذا اليوم. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، استغفرك وأتوب إليك.