كتاب الحج 12

الدرس في كتاب الحج 12، ألقاها

الإعداد للإحرام وصفته

يستحب لمريد النسك أن يغتسل ويتطيب قبل الإحرام، ويلبس الرجل ملابس الإحرام، وتحرم المرأة في ثيابها العادية. يسن للرجل الإهلال بنسكه مستقبلاً القبلة مع التلبية بصوت مرتفع للرجال ومنخفض للنساء.

أعمال طواف القدوم

يبدأ الطواف بالتكبير عند الحجر الأسود، ويستحب استلامه وتقبيله، والرمل في الأشواط الثلاثة الأولى. بعد إتمام الطواف يصلي ركعتين خلف مقام إبراهيم.

السعي بين الصفا والمروة وتحلل المتمتع

يشرح كيفية أداء السعي بين الصفا والمروة، ويبين الفروق بين سعي الحج والعمرة. المتمتع يتحلل من عمرته بتقصير شعره ثم يحرم بالحج يوم التروية.

إحرام المتمتع يوم التروية

المتمتع يحرم بالحج يوم التروية، وهو اليوم الثامن من ذي الحجة. يوم التروية هو يوم إحرام المتمتع وغيره من المحلين بمكة بالحج.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله حمداً كثيراً مباركاً فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. ثم أما بعد، الباب الرابع في صفة الحج والعمرة. الأصل عند أهل العلم في صفة الحج حديث جابر المشهور الذي رواه الإمام مسلم رحمه الله تعالى. قالوا: وقد تتبعنا الروايات الصحيحة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، فتلخص لنا من مجموعها الصفة التالية. أي أنهم نظروا في الأحاديث وجمعوا الأحاديث، فتلخص لهم هذا الوصف الآتي ذكره بإذن الله جل وعلا. قالوا: إذا وصل مريد النسك إلى الميقات -أي من أراد الحج أو العمرة- لأنه في صفة الحج والعمرة، قالوا: إذا وصل مريد النسك إلى الميقات -أي إلى المواقيت المكانية التي مر معنا ذكرها- فإنه يستحب له أن يغتسل ويأخذ ما يحتاج إلى أخذه من شعر يحل أخذه، كشعر الإبط والعانة والشارب، ويقلم أظافره. ويتطيب في بدنه قبل نية الدخول في النسك، ويلبس الرجل إزاراً ورداء نظيفين أبيضين. طيب قولهم: «فإنه يستحب له أن يغتسل» يستحب له أن يغتسل ويزيل ما يحتاج إزالته من أشعار وأظفار، وهذا لعمومات الأدلة في التنظف والتطهر لمن أراد الدخول في عبادة جليلة كهذه العبادة. وأما الاغتسال، فإنه قد ثبت عن ابن عمر رضي الله عنهما، كما في الموطأ وغيره، بإسناد صحيح، أن ابن عمر كان يغتسل لإحرامه قبل أن يحرم، ولدخوله مكة، ولوقوفه بعرفة. فهذه ثلاثة مواضع يستحب فيها الاغتسال لهذا الأثر، ولما جاء في معنى ذلك. وأيضاً كونه يتطيب في بدنه قبل نية الدخول في النسك، كما تقدم أنه قبل أن يدخل في النسك له أن يتطيب، لحديث عائشة في البخاري وغيره، أنها قالت: «كنت أطيب النبي صلى الله عليه وسلم لإحرامه قبل أن يحرم ولحله قبل أن يطوف». والحديث رواه البخاري ومسلم. والمقصود أن يطيب لحيته وبدنه، لا أن يطيب ثيابه، لأن ثياب الإحرام يجب أن لا تطيب، وكذلك أن لا تبخر وما شابه ذلك. قالوا: «ويلبس الرجل إزاراً ورداء نظيفين أبيضين، وكذلك نعلين». لما ثبت في مسند أحمد بإسناد صحيح عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «وليحرمن أحدكم في إزار ورداء ونعلين». وكذلك يستحب أن يكون أبيضين، لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «البسوا من ثيابكم البيض، وكفنوا فيها موتاكم». والحديث رواه الخمسة عن ابن عباس بإسناد صحيح. هذا بالنسبة للرجل، وكذا المرأة إلا أن المرأة أو قبل ذلك إلا أن الرجل يتجرد عن المخيط، وتقدم معنى المخيط. أي الثياب التي تفصل وتقطع على حسب الجسم وأعضائه، فهذا هو المخيط، وليس كل مخيط محظور كما تقدم معنى. قالوا: «وتحرم المرأة فيما شاءت من ثياب» أي المرأة لأن تلبس المخيط وتتستر وتبالغ في التستر، لا سيما في المجامع، إلا أن المرأة لا تلبس النقاب ولا القفازين، لما جاء في حديث ابن عمر في صحيح البخاري، وما كان في معناها. يعني في معنى النقاب البرقع وما شابه ذلك مما يشد على الوجه. أما مسألة سدل الغطاء من على رأسها على وجهها، فهذا أمر مأمور به، ولا سيما عند مزاحمة الرجال والدنو منهم. قالوا: «ويغطي الرجل كتفيه بردائه» كما تقدم أنه يلبس رداء وإزاراً. «ويهل بنسكه الذي يريد» أي إن كان مفرداً فيهل بحج فقط، وإن كان قارناً يدخل معه عمرة، وإذا كان متمتعاً بعمرة إلى الحج، قالوا: «ويغطي الرجل كتفيه بردائه ويهل بنسكه الذي يريد». والأفضل أن يكون إهلاله إذا استوى على دابته، أي إذا استوى على الدابة أن يبدأ الإهلال، لحديث ابن عمر، وكذلك حديث أنس في الصحيحين. وكذلك جاء من حديث ابن عباس بهذا المعنى أن النبي صلى الله عليه وسلم أحرم عقب الصلاة، وأهل لما استوت به دابته. يقول ما يريد أن يدخل به من النسك: «لبيك اللهم بعمرة متمتعاً بها إلى الحج» لمن كان من أهله التمتع، أو المفرد يقول: «اللهم لبيك بحج» أو القارن: «لبيك اللهم بحج وعمرة» وما شابه ذلك. قال: «وإن كان المحرم يخاف من عائق يمنعه من إتمام نسكه» كمرض أو قطع طريق أو نحو ذلك، فإنه يشترط أن «محل حيث حبستني» كما جاء في الصحيح في قصة نباعة بنتي الزبير رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: «حجي واشترطي» حينما قالت: «إني شاكية». فتشترط أو يشترط من خشيء أن ينقطع عن إتمام نسكه. وقد تقدم الكلام على هذه المسألة. قال: «ويستحب أن يكون عند إهلاله مستقبلاً القبلة» ويقول: «اللهم هذه حجة لا رياء فيها ولا سمعة». قال: «ويشرع في التلبية» «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك». وكان الصحابة يزيدون: «لبيك ذا المعارج، لبيك ذا الفواصل». أي أن من قال الأول واقتصر على ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم فهو الأولى والأفضل، ومن زاد باعتبار أن هذا قد فعله الصحابة رضي الله عنهم فالأمر واسع. قال: «ويسن أن يرفع صوته بالتلبية» أي الرجال يرفعون أصواتهم بالتلبية، والنساء يلبين بصوت منخفض، إلا أن يكون في مكان ليس فيه رجال أو كانوا بين محارمهم مثلاً في سيارة، فلا بأس في هذه الحال. قالوا: «فإذا وصل مكة استحب له أن يغتسل» لما تقدم معنى في أثر ابن عمر. فإذا أراد أن يطوف، «اضطبع الرجل بأن يكشف عن كتفه الأيمن ويغطي كتفه الأيسر بردائه» أي إذا وصل مكة. فيدخل -يعني استحب له الاضطبع- وقبل هذا يعني إذا وصل مكة استحب، فجماعة من أهل العلم أن يدخل مكة من المعلاة العليا -أي كداء- من باب بني شيبة -يعني يدخل البيت من هذا المكان- لفعله صلى الله عليه وسلم كما في حديث جابر في صفة حجه، وحديث غيره كذلك. وفي هذه الأزمان يسمى باب السلام، وعلى كل فلو أنه يدخل مكة من أي جهة، إن شاء، لكن هذا كما سمعتم أن بعض العلماء فضله لأن النبي صلى الله عليه وسلم دخل منه. وإلا إذا دخل من أي مكان فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «كل فجاج مكة طريق ومنحر». فإذا دخل المسجد يدعو دعاء دخول المسجد، كغيره من المساجد، ويبدأ بهدي نعم، ويبدأ أولاً بدخوله إلى المسجد برجله اليمنى. فإذا دخل المسجد فكما ذكر بأنه يسن له أن يضطبع، ومعنى الاضطبع كما ذكر أن يكشف عن كتفه الأيمن ويغطي كتفه الأيسر بردائه. قالوا: «ويشترط أن يكون حال الطواف متوضئاً» وهذا على قول جماهير العلماء، وبعض أهل العلم ذهبوا إلى أن الوضوء ليس بواجب، ولكنه لا شك ولا ريب أنه الأفضل لمن لم يتعسر عليه ذلك. ويستحب أن يستلم الحجر الأسود ويقبله أين استطاع، لما جاء في حديث عمر رضي الله عنه وأرضاه أنه قال: «لأن يقبل الحجر الأسود» وقال: «رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقبله، لولا أني رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك». فإن لم يمكنه ذلك استلمه بيده وقبل يده، إن لم يستطع أن يقبله مباشرة لكن استطاع أن يستلمه. ومعنى الاستلام أن يمسح عليه. فإن لم يستطع واستطاع أن يستلمه بمحجانه -عصا صغيرة معطوفة- فعل ذلك وقبله، لما في حديث ابن عباس في صحيح البخاري. فإن لم يستطع أشار إليه إشارة ولا يقبلها، ويفعل ذلك عند كل شوط. أي عند كل شوط يمر على الحجر الأسود يفعل هذا الفعل إن استطاع، بحيث أنه لا يؤذي أحداً، ولا يسبب ضرراً لنفسه ولا لغيره. وهذا بالنسبة للرجال. أما بالنسبة للنساء ولا سيما في وقت الزحام، فإنه لا يستحب لهم بل يكره، بل قد يكون أشد من ذلك إذا عرّت المرأة نفسها للفتنة. فكانت عائشة رضي الله عنها وأرضاها تبعد عن استلام الحجر عند الزحام، بل وتنصح من كان معها من النساء أن يبتعدن عن مزاحمة الرجال. فإن كان في مكان أو في وقت من الأوقات أو زمن من الأزمان ما هناك زحام وتستطيع المرأة أن تستلمه فلا بأس. على أنه ينبه على أمر ها هنا وهو أن بعض الناس بحسن نية وبجهل -يعني من جهة عندهم نية طيبة- يصبون أفخر أنواع العطور على الحجر الأسود. ومعلوم أن المحرم لا يشرع له أن يمس طيباً، فكيف عمل الآن المحرم في مثل هذه الحالة يجتلب إثماً جماً. فمن كان جاهلاً لا يدري أن فيه طيباً، أن فيه عطراً، فمس الحجر الأسود فوجد رائحة الطيب في يده، ماذا يصنع؟ يمسحه إن كان عنده مناديل يمسحه أو يغسله يزيل ذلك الماء. قالوا: «يفعل ذلك عند كل شوط» أن يفعل إما أن يقبل، وإما أن يستلمه بيده، بمحجان ما فيه، يشير إليه إشارة كلما وصل عند الحجر الأسود. أي كان محاذياً له، كان موازياً له إذا كان موازياً عند الحجر الأسود يشير إليه ويطوف. وكما تقدم معنا في شروط الطواف أنه من شروط الطواف أن يبتدأ طوافه من الحجر الأسود، وأن يكون محاذياً له -أي موازياً له- لا يكون -يعني يمر عليه- ثم يشير لا يمر على الحجر الأسود حتى إذا قرب ومتى من باب الكعبة أشار إلى الحجر الأسود، هذا غير مجزئ. ذلك الشوط بل لابد أن يكون محاذياً -أي موازياً- يعني مثال هذه الكعبة معروف أن هنا الباب، هنا الحجر الأسود. لو جاء إنسان الموازي أن يكون موازياً له هكذا -يعني موازياً له- أن يكون هنا على هذا الطريق. فلو جاء إنسان مرة على هذا وجاء له هنا فأشار إلى الحجر الأسود وبدأ الطواف من هنا، هل يحسب له هذا الشوط؟ الجواب: لا يحسب له هذا الشوط. بل لابد أن يبتدئه من الحجر الأسود، إما أن يستلم، وإما أن يحاذيه -أي أن يكون موازياً- أن يكون موازياً له. قالوا: «ويبدأ كل شوط بالتكبير» وإن ابتدأ الطواف ببسم الله والله أكبر فحسن -يعني جاء عن ابن عمر أنه كان يفعل ذلك- يقول: «بسم الله الله أكبر» وابتدأ طوافه بذلك، فالأمر بذلك بحمد الله واسع. إما أن يقول الله أكبر، يشير إلى الحجر إذا لم يستطع الاستلام بالأنواع الثلاثة، يشير إليه الله أكبر ثم يمشي يبدأ الطواف. قالوا: «وإذا أتى الركن اليماني استلمه ولم يقبله» وكما تقدم مع الاستلام أن يمسح عليه. استلام من السلام، وقيل من اليماني أن يستلمه بمعنى أن يمسح عليه. قالوا: «فإن لم يمكنه استلامه فإنه لا يشير إليه» بخلاف الحجر الأسود إن لم يستطع ففعل، فعل. أما الركن اليماني إما أن تستلمه وإما تمر، إن كان هناك زحام لا تستطيع أن تستلم الركن اليماني -يعني الركن اليماني هنا- يعني المقابل الحجر الأسود. عندنا الحجر الأسود في الركن، وقبله الركن اليماني، استطاع الإنسان أن يستلمه أن يمسح عليه فعل، ما استطاع بسبب زحام يمر يمر ولا يفعل شيئاً، لا يشير إليه ولا شيئاً، بخلاف الحجر الأسود يشير إليه. قال: «وإذا أتى الركن اليماني استلمه ولم يقبله» فإن لم يمكنه استلامه فإنه لا يشير إليه ولا يكبر. «ويقول بين الركنين» وهما الركن اليماني والحجر الأسود: «ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار». وهذا جاءت فيه أحاديث بمجموعها ترتقي إلى الحسن. بعض أهل العلم رحمهم الله تعالى -أي فيما بين الركنين- يقول: «ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار». وإن قال أي شيء فالأمر واسع من الأذكار أو تلاوة قرآن أو دعا ربه جل وعلا فالأمر في ذلك واسع. فيقول ما تيسر من الأذكار والأدعية، ويدعو في بقية الطواف بما شاء. ويستحب أن يرمل في الأشواط الثلاثة الأولى. والرمل فوق المشي ودون العدو، بمعنى أنه يمشي مشياً سريعا بحيث أن خطاه تتقارب. ويمشي في الأربعة الأشواط الباقية على هيئته -أي على عادته-. قالوا: «فإذا أتم سبعة أشواط غطى كتفيه بردائه» ثم نفذ إلى مقام إبراهيم، فقرأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾. بمعنى أنه إذا أكمل السبعة الأشواط مبتدئاً بالحجر الأسود ومنتهياً بالحجر الأسود، إذا انتهى من طوافه ماذا يصنع؟ ينطلق إلى مقام إبراهيم. قالوا: «ويصلي ركعتين خلف المقام» يقرأ في الأولى بسورة الكافرون، وفي الثانية بسورة الإخلاص. فإن لم يتمكن من الصلاة خلف المقام لزحام ونحوه -إما زحام وإما أمر آخر- صل في أي مكان، الأمر واسع بحمد الله رب العالمين. يصلي حيث تيسر، يبتعد حتى يصلي حيث ما تيسر له أن يصلي ركعتين، ويقرأ في الأولى بسورة الكافرون، وفي الثانية بسورة الإخلاص كما ذكر. قالوا: «وهذا الطواف هو طواف القدوم» يعني يسمى هذا الطواف طواف القدوم للمفرد والقارن، وطواف العمرة للمتمتع. لماذا ما يسمى للمتمتع طواف قدوم؟ الجواب أنه كما يقول العلماء رحمهم الله تعالى: أن المتمتع لما دخل نسكه بعمرة، كانت هذه العمرة دخل في العمرة طواف القدوم. دخل في العمرة طواف القدوم، بخلاف المفرد والقارن فإنهما لا يأتيان بعمرة مستقلة. لا يأتيان -يعني أما القارن- لا يأتي بعمرة مستقلة، وأما المفرد أصلا لا يأتي بماذا؟ ثم طواف القدوم إنما هو طواف على البيت فقط دون سعي. فإن سعى المفرد أو القارن ينوي أن ذلك السعي يكون سعياً لطوافه -أي لطواف الإفاضة- كما سيأتي معنا بإذن الله جل وعلا. بخلاف المتمتع فإن طوافه وسعيه الأول يكون لعمرته، وطوافه الآخر -الذي هو طواف الإفاضة- يحتاج إلى سعي آخر لحجه. قال: «وطواف العمرة للمتمتع» ثم يشرع له أن يشرب من ماء زمزم، ويصب على رأسه، ثم يرجع إلى الحجر الأسود -أي يستحب له أن يفعل هذا- لفعله صلى الله عليه وسلم. بعد أن يصلي ركعتين ينطلق إلى ماء زمزم فيشرب منه ويغسل رأسه منه. ثم بعد ذلك إن استطاع أن يستلم الحجر الأسود مرة ثانية فعل، وإلا أشار إليه وانطلق. ثم يخرج إلى الصفا، ويقرأ قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ كما فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتي إلى الصفا. فإذا وصل إلى الصفا يقرأ هذه الآية. قالوا: «ثم يرقى الصفا حتى يرى البيت» ثم يرقى الصفا حتى يرى البيت. وهنا تنبيه وهو أنه ينبغي ولا سيما في هذه الأزمان -يعني الصفا والمروة الجبال قد نحتت- وكذا ما بقى إلا أشياء -يعني بلاط مرتفع مميز- لمكان الصفا ومكان المروة. فيجب على الحاج أن ينتبه لهذا الأمر، وأن يدخل -يعني أن يصعد- أو أن يكون في مكان يتيقن أنه على الصفا، يتيقن أنه على الصفا. فإذا كان على الصفا، قالوا: «ثم يرقى الصفا ثم يرقى الصفا حتى يرى البيت» حتى يرى البيت -أي إن استطاع- وإلا الآن مع كثرة الأعمدة ربما ما يرى البيت إلا من أماكن ضيقة جداً، وربما يكون فيها زحام. فإذا كان أمر كذلك يستقبل القبلة أو يستقبل البيت من أي جهة رآه أم لم يره، ويستقبل القبلة ويرفع يديه ويقول: «الله أكبر» ثلاثاً: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده أنجز وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده». يفعل ذلك ثلاث مرات، ويدعو بينها طويلاً. أي يدعو بينها دعاء طويلاً. ثم ينزل ماشياً إلى المروة -يعني معنى هذا أنه إذا وصل إلى المروة- يعني يصعد إلى المروة إلى مكان يتيقن أنه على المروة، ثم يستقبل القبلة، يستقبل القبلة إن استطاع أن يرى القبلة -الكعبة- فعل، إن لم يستطع استقبلها. ثم يكبر بالتكبير المذكور: «لا إله إلا الله الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله وحده لا شريك له» إلى آخر الذكر. فإذا فرغ من ذلك دعا رفع يديه ودعا دعاء طويلاً. ودعا دعاء طويلاً ثم عاد التكبير مرة ثانية والتهليل مرة ثانية. ثم رفع يديه مرة ثانية ثم دعا بدعاء طويل، ثم عاد المرة الثالثة كبر وهلل ثم دعا دعاء طويلاً. فإذا فرغ مرة ثالثة انطلق إلى المروة -يعني يبتدئ بالصفا- يفعله هذا الدعاء والأذكار، ثم ينطلق إلى المروة. قالوا: «ثم ينزل ماشياً إلى المروة» ينزل ماشياً إلى المروة -أي يمشي على سجيته وعادته-. قالوا: «ويسعى بين الميلين الأخضرين سعياً شديداً» أي بمعنى إذا وصل الميلين الذي كان من قبل بطن وادي، الآن مع البناء جعل علمين أخضرين إشارة إلى أن هذا مكان الوادي. إذا وصل الإنسان إلى هذا الميل يجري جرياً سريعاً إلى الميل الآخر. فإذا وصل إلى الميل الآخر مشى على سجيته، مشى على سجيته. قالوا: «يسعى بين الميلين الأخضرين سعياً شديداً» وذلك للرجال دون النساء. النساء بعض أهل العلم يقول: إن كان في مكان أو في وقت من عمره أو ما شابه ذلك ليس هناك زحام، فلا بأس أن تسعى المرأة سعياً شديداً. إن لم يكن هناك أحد، ويستدلون على ذلك بأن أصل هذا الفعل الذي هو السعي بين الصفا والمروة إنما فعله أول من فعله من؟ أم إسماعيل. فقالوا: ففي دلالة وإشارة إلى أن المرأة تفعل هذا. لكن بعض أهل العلم قيده في وقت عدم وجود ما يكون سبباً للفتنة. فالأصل أن المرأة تمشي -الأصل أن المرأة تمشي- مشياً على سجيته وعادتها، على سجيته وعادتها. والرجل هو الذي يجري جرياً سريعاً، إلا أن يكون هناك أمر يجعله يتأخر ويتأنى، كان يكون مستحبا لبعض الأطفال أو مستحبا لبعض الشيوخ كبار، فمثل هذا يمشي مع من معه حتى لا يحصل لهم ضرر. قالوا: «وذلك للرجال دون النساء» ثم يمشي حتى يرقى المروة، فيصنع عليها مثل ما صنع في الصفا -أي من التكبير والتهليل والدعاء ثلاث مرات- يكبر ويهل ثم يدعو، ثم يكبر ويهل ثم يدعو، ثم يكبر ويهل ثم يدعو، ثم ينطلق إلى يرجع إلى الصفا. قالوا: «ثم يمشي حتى يرقى المروة فيصنع عليها مثل ما صنع على الصفا» وهذا شوط -أي من الصفا إلى المروة شوط- ثم من المروة إلى الصفا شوط آخر. ويفعل في الصفا إذا رجع مرة ثانية مثل ما فعل في المرة الأولى، وهكذا إذا وصل إلى المروة يفعل مثل المرة الأولى. حتى يكمل السبعة الأشواط حتى يكمل السبعة الأشواط مبتدئاً بالصفا ومنتهياً بالمروة. وهل يشرع له في الشوط السابع أن يفعل التكبير والدعاء أم لا؟ بعض أهل العلم يقولون بهذا، وبعض أهل العلم يقولون: ليس ثم دليل، والأمر في ذلك واسع. بمعنى أن من فعل فلا ينكر عليه أخذاً بعموم الأحاديث في هذا الباب، ومن لم يفعل فلا شيء عليه، والله تعالى أعلى وأعلم. قالوا: «وهذا سعي الحج للمفرد والقارن» أي للمفرد والقارن يكون هذا السعي لهم سعي الحج. قالوا: «ولا يتحللان بعده» بل يبقيان بإحرامهما. وهو سعي العمرة للمتمتع، لأن الناس في الحج كما مر معنا على ثلاث أقسام: مفرد، وهو الذي يحج بحج أو يهل بحج فقط. وقارن، وهو يحج أو يهل بحج وعمرة يدخل العمرة في الحج. ومتمتع بالعمرة إلى الحج. ومفرد أعمال المفرد والقارن سواء -أي عليهما طواف الإفاضة وسعي واحد-. لكن يفارق القارن المفرد أن القارن ينوي العمرة مع الحج -إدخال العمرة مع الحج- ويفارقه أيضاً باعتبار آخر: باعتبار أنه يسوق الهدي معه من الميقات، وأنه يجب عليه الهدي على قول جماعة من أهل العلم، بخلاف المفرد فإنه لا يجب عليه الهدي ولا يجب عليه أن يسوقه. إلا بقية الأعمال سواء، بخلاف المتمتع المتمتع له مال أخرى، يأتي بعمرة منفردة يحل بعدها. فإذا أحل كما سيأتي معنا وجاء يوم التروية أهل بحج مع من يهل بحج. قالوا: «بل يبقى بإحرامهما» وهو سعي العمرة للمتمتع. «ويتحلل المتمتع من عمرته بتقصير شعره» ثم يلبس -يعني بتقصير شعره أو حلقه- له هذا أو ذاك. إلا أن بعض أهل علم استحب إن كان وقت العمرة قريب من وقت الحج استحب التقصير، وإذا كان بعيداً حلق. إذا كان المدة متباعدة بين العمرة والحج حلق. استحب له أن يحلق، وإن كانت المدة قريبة استحب له أن يقصر فحسب. قالوا: «حتى إذا كان يوم التروية» يعني قالوا: «يتحلل المتمتع من عمرته بتقصير شعره» ثم يلبس ملابسه -أي يحل التحلل التام- حتى إذا كان يوم التروية، وهو اليوم الثامن من ذي الحجة، أحرم المتمتع بالحج من مكانه، وكذا غيره من المحلين بمكة. طيب هذه الفقرة نؤخرها إلى غد بإذن الله جل وعلا لانتهاء الوقت. إلى هنا. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على