الدرس في شرح الوصية الصغرى لابن تيمية 8، ألقاها
يتناول شرح حديث النبي صلى الله عليه وسلم «وخالق الناس بخلق حسن» ويشرح معنى الخلق الحسن مع الناس، ويشمل ذلك إكرام من قطعك والدعاء له والاستغفار له. يبرز أمثلة من أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم في التعامل مع الناس.
يؤكد على أهمية صلة الرحم وبر الوالدين، مشيرًا إلى أن هذه الأفعال من الإيمان بالله واليوم الآخر، وأنها سبب لدخول الجنة ومغفرة الذنوب. يشدد على ضرورة الاستمرار في صلة الرحم حتى وإن قوبل بالقطيعة أو الإساءة.
يبرز العفو عمن ظلمك كسبب للعز والرفعة والمكانة، وقد وصى الله تعالى به في القرآن الكريم، كما كان خلق النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته، مثل أبي بكر الصديق والإمام أحمد بن حنبل.
ينتهي بدعاء الله أن يرزقنا الخلق الحسن والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه. يُظهر الرغبة في التحلي بالأخلاق الحسنة والتوجه إلى الله بالقرب والإجابة. يُنهي بالصلاة على النبي والسلام عليه.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، ذكر هاهنا رحمه الله تعالى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن كمل بقوله: «اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها»، أنه بهذه الكلمات بيَّن فيها الحق الذي هو حق لله تبارك وتعالى، ثم أتبع ذلك بالأمر الآخر والحق الآخر، وهو حق خلق الله تبارك وتعالى، لذا قال: «وخالق الناس بخلق حسن». لأن الحقوق كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: إن الحق حقان، حق لله تبارك وتعالى، وحق لعباد الله. أما الحق الأول فقد تقدم الكلام عليه، وأما الحق الثاني فيأتي معنا بإذن الله جل وعلا الكلام عليه في كلام شيخ الإسلام. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «وَجِمَاعُ الْخُلُقِ الْحَسَنِ مَعَ النَّاسِ أَنْ تَصِلَ مَنْ قَطَعَكَ بِالسَّلَامِ وَالْإِكْرَامِ وَالدُّعَاءِ لَهُ وَالِاسْتِغْفَارِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ وَالزِّيَارَةِ لَهُ، وَتُعْطِيَ مَنْ حَرَمَكَ مِنَ التَّعْلِيمِ وَالْمَنْفَعَةِ وَالْمَالِ، وَتَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَكَ فِي دَمٍ أَوْ مَالٍ أَوْ عِرْضٍ». وبعض هذا واجب، وبعضه مستحب. هذه جمل ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تتضمن مجامع الخلق الحسن. فيقول شيخ الإسلام رحمه الله: «أن تصل من قطعك» هذا من الخلق الحسن، سواء كان هذا القاطع لك من أرحامك، من أقاربك، من جيرانك، من أصحابك وأصدقائك من الناس. إذا قاطعك إنسان فصلهم، ولا سيما إذا كانت هذه المقاطعة لأمر دنيوي لحقك الخاص. فمثل هذا الخلق الحسن هو أن تصل من قطعك بالسلام، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث أبي أيوب الأنصاري عند مسلم قال: «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام». هذا خير الرجلين الذي يبدأ بالسلام، والهجران هنا على أمر دنيوي على حقك الشخصي. فمن الخلق الحسن أن تصل من قطعك بالسلام. وهل هذا فقط؟ لا، قال: «والإكرام» أن تسلم عليه، بل وأن تكرمه بما آتاك الله جل وعلا من خير. قال: «والدعاء له والاستغفار والثناء عليه والزيارة له». هذه مكارم أخلاق لا تصدر إلا عن أكابر الناس، لا تصدر إلا عن أولي الهمم العالية وعن أهل الأخلاق العظيمة التي لا تكون إلا من الله تبارك وتعالى هبة لمن شاء من خلقه. والناظر في أحوال رسول الله صلى الله عليه وسلم يجد في هذا الباب العجب العجاب من أخلاقه صلى الله عليه وسلم وسماحته وعفوه للمخطئين، للمتجاوزين، بل وللمتطاولين على جنابه الشريف صلوات الله وسلامه عليه. فجاء في الصحيحين من حديث أنس رضي الله عنه وأرضاه قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه رداء نجراني غليظ الحاشية، فأتاه أعرابي فجبذه أي شده حتى أثرت حاشية الرداء على عنق رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهل اكتفى بذلك الأعرابي؟ لا، بل قال: «يا محمد أعطني من مال الله». فما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن تبسم في وجه ذلك الأعرابي وقال: «أعطوه من مال الله». ويأتيه أعرابي آخر كذلك فيغلظ على رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعض العبارات فيقول: «أعطني من مال الله ليس من مالك ولا من مال أبيك». فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: «خذ ذلك». في بعض الأحاديث أنه أعطاه غنمًا بين جبلين، أعطاه غنمًا بين جبلين، عطاء عظيم وكرم كبير. حتى إن ذلك الأعرابي رجع إلى قومه وقال: «يا قوم أسلموا، فإني قد جئتكم من عند رجل لا يخشى الفقر». بسبب ماذا؟ عفو رسول الله، كرم رسول الله، خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم. في أول النهار يتكلم بغلظة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي آخر النهار يكون داعيًا إلى دين الله جل وعلا وإلى الشريعة التي دعا إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم. هذا من الخلق الحسن. ويتحتم هذا الأمر، أي صلة من قاطعك، إذا كان القاطع لك من أرحامك، بل ويتأكد ذلك إن كان القاطع لك والداك. فيتحتم هاهنا الصلة، لأن للأبوين حقًا عظيمًا جعله الله جل وعلا لهما، وإن كانا كافرين، فللأبوين على ولدهما الإحسان إليهما ولو كانا كافرين. فكيف إذا كان الأبوان مسلمين؟ فحقهما أوكد وأعظم وأجل. لذا فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة أمر ببر الوالدين وبإعظام الوالدين وبإجلال الوالدين. ومر معنا قريبًا حديث أنس: «رغم أنف امرئ أدرك والديه فلم يغفر له». وجاء في لفظ آخر في حديث آخر قال: «رغم أنف امرئ أدرك أبويه فلم يدخله الجنة». وهذا فيه دلالة على أن بر الوالدين من أعظم أسباب المغفرة ومن أعظم أسباب دخول الجنة. وكذلك بقية الأرحام، وكذلك بقية الأقارب، فإن نبينا صلى الله عليه وسلم قال كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه». فصلة الرحم من الإيمان بالله واليوم الآخر. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة: «لا يدخل الجنة قاطع رحم». بل جاء في صحيح مسلم حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه أن رجلًا قال: «يا رسول الله إن لي أقارب أصلهم ويقطعوني، وأحسن إليهم ويسيئون إلي، وأحلم عليهم ويجهلون علي». فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «إن كان كما تقول فكأنما تسفهم المل (أي الرماد الحار) ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك». فصلة الأرحام واجبة، حتى وإن قطعوك، بل هي من أعظم القربات إلى الله تبارك وتعالى. لأنك بصلة الأرحام تتقرب إلى الله، وكذلك بصلتك تلك يحصل بإذن الله جل وعلا ما يحصل من كسر ما قد يصنعه الشيطان من حواجز ومن أسباب قد تكون أسبابًا لقطيعة تلك الرحم. فأنت إذا زرت وكررت الزيارة وأتبعت زيارة بزيارة رقت القلوب وذهب الغضب وذهب النفور وحصل الود بإذن الله رب العالمين جل وعلا. وعلى كل أنت مأجور إن أحسن إليك بعد إحسانك إليهم الحمد لله، وإن أساء إليك وقد أحسنت إليهم فأنت مأجور لأنك تتعامل مع الله، أنت تتعامل مع الله تبارك وتعالى ترجو وجه الله تبارك وتعالى. كما قال الله جل وعلا عن طائفة من عباده أنهم قالوا: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾. هذا هو حال المخلصين، هذا هو حال الصالحين، هذا هو حال الصادقين، أنهم يتعاملون مع الله يرجون تجارة لن تبور. يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «وتعطي من حرمك من التعليم والمنفعة والمال». إنسان منعك كان عنده علم منعك من التعليم، أو عنده مال منعك من ماله، أو كان عنده جاه فمنعك من شفاعته ووساطته. فأنت لا تعامل الخلق معاملة المخلوق الذي ينظر إلى المخلوق إن أعطاني أعطيته، إن أكرمني أكرمته. ولكن عامل الله تبارك وتعالى وتقرب بفعلك ذلك إلى الله. هذا هو الخلق الحسن أن تكون معاملة العبد مع الله، يحسن في عمله في خلقه في أعماله، وهو ينظر في تلك الأعمال ويلتفت قلبه في تلك الأعمال إلى ربه ومولاه، يرجو ثواب الله تبارك وتعالى ويخشى عقابه سبحانه وتعالى. قال رحمه الله تعالى: «وتعفو عمن ظلمك في دم أو مال أو عرض». وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة قال: «وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًا». فمن أسباب العز والرفع والشرف والمكانة أن تعفو عمن ظلمك. بل ربنا تبارك وتعالى يقول في كتابه الكريم: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه. قال أبو بكر حينما سمع قول الله جل وعلا: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قال أبو بكر: «بل نحب أن يغفر الله لنا». وعفى وصفح. بل ربنا تبارك وتعالى وصف عباده المتقين عباده الخيرين الصادقين بأنهم يكظمون الغيظ ويعفون عن الناس. قال ربنا تبارك وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. هؤلاء محسنون، وهؤلاء أحبهم الله جل وعلا ويحبهم. وهذه أخلاق عظيمة أخلاق جليلة ذكرها ربنا جل وعلا وهي من صفات المتقين ومن صفات المحسنين. ولأجل هذا المعنى نجد أن الكمل من الرجال رضي الله عنهم ورحمهم الله تعالى تحلوا بهذه الأخلاق العالية بهذه الأخلاق العظيمة. ذكر غير واحد ممن ترجم للإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى أنه بعد أن أخرج من السجن حصل له من البلاء ما حصل بسبب فتنة خلق القرآن، عذب وضرب وجلد وسجن وحصل من فعل به ما حصل من الأذية والتعذيب. فصبر رضي الله عنه ورحمه الله تعالى حتى فرج الله عنه وعزه الله تبارك وتعالى وأكرمه. فلما خرج قيل له رحمه الله تعالى في شأن أولئك الذين آذوه وعذبوه وجلدوه وضربوه: ما رأيك فيهم وما تقول فيهم؟ قال رحمه الله تعالى: «أشهدكم أن كل من حصل له أو حصل منه لهم أذية من ضرب أو ذكر أشياء فإنه في حل». كل من آذاني أو ضربني أو تكلم في عرضي أو ذكر أشياء فهو في حل. قال: «حتى أبو إسحاق وهو والي الشرطة الذي تولى جلد الإمام أحمد رحمه الله تعالى فإنه في حل». كل في حل. ثم قال رحمه الله تعالى كلمة عظيمة قال: «سمعت الله تبارك وتعالى يقول في كتابه: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فإني أحب أن يغفر الله لهم». ثم قال: «وما ينفعني أن يعذب الله إمرءًا مسلمًا غدًا». أي يوم القيامة. بسبب فهو عفى رحمه الله تعالى عن من حصل منهم تجاهه من إساءة وأذية. قال رحمه الله تعالى: «وأما الخلق العظيم الذي وصف الله به محمدًا صلى الله عليه وسلم أي في قول الله جل وعلا: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ فالذي يعم الجميع هو الدين الجامع لجميع ما أمر الله به مطلقًا». هكذا قال مجاهد وغيره، وهو تأويل القرآن كما قالت عائشة رضي الله عنها: «كان خلقه القرآن». عائشة رضي الله عنها وأرضاها سئلت عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف كان خلقه؟ فقالت للسائل وهو هشام بن عامر بن سعد: «ألا تقرأ القرآن؟» قال: «بلى». قالت: «فإن خلقه القرآن». ومعنى خلقه القرآن كما قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: فهو الدين الجامع لجميع ما أمر الله به مطلقًا. فكان نبينا صلى الله عليه وسلم خلقه القرآن بمعنى أنه ممتثل لأوامر الله مجتنب لنواهي الله، فاعل لكل ما أمر الله جل وعلا بفعله، مجتنب لكل ما نهى الله جل وعلا عن فعله. فنسأل الله تبارك وتعالى أن يرزقنا الخلق الحسن، إنه قريب مجيب. وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم وعلى آله وصحبه أجمعين.