شرح الأصول من علم الأصول 15

الدرس في شرح الأصول من علم الأصول 15، ألقاها

موانع التكليف والجهل

الجهل مانع من التكليف، فمن فعل محرمًا جاهلًا لا شيء عليه، ومن ترك واجبًا جاهلًا لم يلزمه قضاؤه إذا فات وقته. يتناول المبحث أحكام الجهل في العبادات والمعاملات.

أحكام الجهل والنسيان والإكراه

يتناول المبحث أحكام الجهل والنسيان والإكراه في العبادات، موضحًا أن الجهل يسقط الإثم، والنسيان ذهول القلب ولا إثم عليه، والإكراه إلزام بما لا يريد ولا شيء عليه. كما يعرض شروط الإكراه المعتبر.

تعريف العموم واستثناءاته

يناقش المبحث تعريف العموم وشرح معنى الاستغراق لجميع الأفراد، واستثناءات العموم مثل فروض الكفايات. كما ذكر أن العموم يكون بحسب ما أراده المتكلم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، من سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الشيخ رحمه الله تعالى، العلامة محمد بن صالح العثيمين، موانع التكليف. قال: للتكليف موانع، منها: الجهل، والنسيان، والإكراه، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» رواه ابن ماجة والبيهقي، وله شواهد من الكتاب والسنة تدل على صحته. أولًا: قوله رحمه الله تعالى: «موانع التكليف». ومعنى موانع التكليف: أي ما يمنع من تكليف المكلف، بمعنى أنه يمنع أو يمنع عليه التكليف، أي الأشياء التي تمنع على المكلف التكليف. والشيخ رحمه الله تعالى ذكرها هنا: الجهل، والنسيان، والإكراه. وهذه الثلاثة المذكورة تعد - كما ذكر الشيخ رحمه الله تعالى - موانع، وكذلك تعد أضدادها أسبابًا لشروط التكليف. وإلا فمن حيث المانع الأصلي للتكليف يرجع إلى أمرين: الجهل والعجز. الجهل والعجز. الجهل: ويدخل فيه عدم العلم، ويدخل فيه كذلك الخطأ، أي من فعل شيئًا غير متعمد، وما شابه ذلك. والعجز: عدم القدرة على الفعل؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، ويقول: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، ويقول: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾. فمدار التكليف على العلم والقدرة، وموانعه أيضًا يدور على ماذا؟ على انتفاء الأمرين. فيقابل العلم الجهل، ويقابل القدرة العجز. قال الشيخ رحمه الله تعالى: «للتكليف موانع، منها: الجهل والنسيان والإكراه». سأتي معنا معاني هذه الكلمات. قال: «لقول النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» قال: «رواه ابن ماجة والبيهقي، وله شواهد من الكتاب والسنة تدل على صحته». وقول: «وله شواهد» إشارة إلى أن الحديث باعتبار أفراده ضعيف، لكن بعض أهل العلم يقول: حديث بمجموع طرقه، وإلا باعتبار أفراده فإنها لا يخلُو طريق منها مما قال، بل جماعة من الأئمة من أئمة الحديث والعلل يطلقون الضعف، بل والبطلان على هذا الحديث، ومنهم الإمام أحمد رحمه الله، والإمام أبو حاتم الرازي رحمه الله، وفي آخرين. قال رحمه الله تعالى: «فالجهل عدم العلم». وهذا التعريف من الشيخ رحمه الله تعالى عرّف الجهل بضده. عرّف الجهل بضده، وهو ماذا؟ عدم العلم. وهذا يدلنا على أن من لم يكن عالِمًا بالشيء فإنه يكون ماذا؟ جاهلًا، وهذا ظاهر. لكن العلماء رحمهم الله - أو من أهل العلم - من يجعل الجاهل من حيث هو على قسمين: جهل الذي هو عدم العلم، وجهل عدم العمل بالعلم. لكن هذا بابه آخر، والشيخ رحمه الله تعالى مقصوده خاص في هذه المسألة، وهو الجاهل الذي يكون مانعًا من موانع التكليف، وهو الجاهل الذي هو ضد العلم، وهو في الحقيقة عدم تصور الشيء المحكوم عليه أصلا أو لعارض. إما أنه ما تصوره أصلا، أي ما تصور الحكم أبدًا، وأصلا لم يعلم أن هذا الأمر واجب، أو أن ترك ذلك الشيء المحرم يجب عليه ترك ذلك الشيء المحرم أيضًا، كذلك لم يلم بقلبه شيء أصلا، فهو جاهل بهذا الأمر. أو يكون عنده شيء من التصور، إلا أنه عارضه عارض، فكان ذلك العارض سببًا لجهله بالحكم أو بحقيقة الحكم، يكون ذلك العارض سببًا لجهله بحقيقة ذلك الحكم. وهذا العارض قد يكون سببًا لكونه ماذا؟ متأولًا. فمن الأول ما سيأتي ذكره في كلام الشيخ: عمّا يأتي. الأول: مثلا في الجهل من الأول - كما ذكرنا - أن لا يصوم الإنسان ظنًا منه أن الصوم لا يجب عليه، هذا لم يتصور أصلا حكم الصيام، ولم يعلم الصيام أصلا. آخر قد يفعل مثلا الفعل ظنًا منه أنه جائز؛ لمعارض، فهو في الحقيقة جهل حقيقة الحكم. جهل حقيقة الحكم، يعني مثاله على سبيل المثال: ما أفتى به بعض العلماء رحمهم الله تعالى في مسألة ماذا؟ في مسألة «التيس المحلل»، أي رجل طلق امرأته ثلاثًا، لا يحل له أن ينكحها حتى ماذا؟ حتى تنكح زوجًا غيره. بعض أهل العلم جوزّوا أن تنكح زوجًا محللا، وهما يسمونه ماذا؟ «بالتيس المستعار». واضحة. جماعة. هؤلاء يعلمون الحكم، لكن لعارض ما علموا حقيقة الحكم، فجوزّوا ما جوزّوا. فالحاصل: أن الجهل - كما ذكر رحمه الله تعالى - عدم العلم. فمتى فعل المكلف محرما جاهلا بتحريمه فلا شيء عليه. متى فعل المكلف محرما جاهلا بتحريمه فلا شيء عليه؛ كمن تكلم في الصلاة جاهلا بتحريم الكلام. ومتى ترك واجبا جاهلا بوجوبه لم يلزمه قضاؤه إذا كان قد فات وقته؛ بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر المسيء في صلاته - وكان لا يطمئن فيها - لم يأمره بقضاء ما فات من الصلوات، وإنما أمره بفعل الصلاة الحاضرة على الوجه المشروع. قال رحمه الله: كما ذكر «فالجهل عدم العلم، فمتى فعل المكلف محرما جاهلا بتحريمه فلا شيء عليه». إذا فعل المكلف - أي الإنسان العاقل المميز، إلى غير ذلك من شروط التكليف - إذا فعل شيئا محرما جاهلا بتحريمه فلا شيء عليه؛ كمن تكلم في الصلاة جاهلا بتحريم الكلام، كما جاء في حديث معاوية بن الحكم السلمي حينما صلى - وكان حديث عهد بإسلام - فعطس أحدهم فحمد الله - أو حمد الله هو الذي عطس فحمد الله - فجعلوا يضربون رجله، فقال: «ما لكم؟» يعني جعل يتكلم في ماذا؟ في الصلاة. قال: «ما لكم تنظرون إلي؟» فالحاصل: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قضى صلاتهم دعاه، فكلمه، فقال: «إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس» الحديث. ولم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم بإعادة الصلاة؛ لماذا؟ لأنه جاهل بالحكم. ومنه أيضًا: ما جاء كذلك في حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه وأرضاه، حينما كان - حينما سمع قول الله جل وعلا: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾، جعل تحت وسادته خيطين أبيض وأسود، فكان يأكل ويشرب، ثم ينظر، فلم يرى التفريق بين الخيطين، ويأكل ويشرب حتى طلع النهار، حتى طلع النهار. فلما طلع النهار أمسك - أي بعد أن دخل الفجر وأشرقت - يعني ظهر الضوء وطلع الفجر أمسك عن الطعام. فلما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس ذلك، أو قال له قبل ذلك: إن وسادك لعريض، ليس ذلك، إنما هو بياض النهار من ظلمة الليل» أو كما قال صلى الله عليه وسلم. ولم يأمرهم بالقضاء، ولم يأمروا بالقضاء، وكان معذورا لجهله، وكان معذورا لجهله. إذا قال الشيخ: «فلا شيء عليك» من تكلم في الصلاة جاهلا بتحريم الكلام. ومتى ترك واجبا جاهلا بوجوبه، قال: «لم يلزمه قضاؤه إذا كان قد فات وقته؛ بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر المسيء في صلاته - وكان لا يطمئن فيها - لم يأمره بقضاء ما فات من الصلوات، وإنما أمره بفعل الصلاة الحاضرة على الوجه المشروع». لماذا؟ لأنه لا يعلم الحكم أصلا، هو جاهل بماذا؟ بالحكم أصلا. والجهل بالحكم: القاعدة عند العلماء أن الجهل بالحكم يسقط الإثم، ويسقط ماذا؟ الطلب. يسقط الإثم ويسقط كذلك ماذا؟ الطلب، أي الطلب بالقيام بماذا؟ بذلك الأمر؛ لماذا؟ لأنه محظور. أن المحظور ما يفعل يترك، واضح. جماعة. وكذلك المأمور: لا يؤمر بقضاء أو بفعل ما فاتهم من المأمورات؛ لماذا؟ لأنه جاهل، لأنه جاهل بالحكم. والله جل وعلا يقول عن المؤمنين: أنهم قالوا لله جل وعلا: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾، قال الله جل وعلا: ﴿قَدْ فَعَلْتُ﴾؛ كما جاء في صحيح مسلم، الحديث: عن ابن عباس وأبي هريرة رضي الله عنهما. والجاهل داخل فيه معنى المخطئ؛ إذ أنه أخطأ ماذا؟ أخطأ الحكم جهلا، أخطأ الحكم جهلا. قال رحمه الله تعالى: «وإنما أمر بفعل الصلاة الحاضرة على الوجه المشروع». ومعنى هذا: أن من فعل المحظور جهلا، لا شيء عليه. الأمر واضح. ومن ترك المأمور جهلا، كذلك لا شيء عليه؛ لا باعتبار الإثم، ولا باعتبار الطلب؛ إلا أن يكون في الوقت. إلا أن يكون في الوقت عنه. مثال ذاك: كما ذكر في قصة المسيء في صلاته، كم صلى من صلاة على تلك الهيئة؟ لا يطمئن فيها. ومع هذا ما أمره النبي صلى الله عليه وسلم إلا بإعادة الصلاة الحاضرة. وقل كذلك: من حصل منه كذلك تقصير مثلا في الصيام، ما مضى مضى، يؤمر بماذا؟ بالحاضر. وهكذا قل في بقية العبادات؛ لماذا؟ لأنه قام به مانع من موانع الطلب أو الأمر أو التكليف، وهو الجهل. قال رحمه الله تعالى: «والنسيان ذهول القلب عن شيء معلوم». فهذا هو معنى النسيان، وهو الذي يعتري البشر؛ لأن النسيان قد يأتي بمعنى الذهول، وقد يأتي بمعنى الترك. لكن المقصود هنا: النسيان الذي هو بمعنى ماذا؟ الذهول. قال: «فمتى فعل محرما ناسيا فلا شيء عليه؛ كمن أكل في الصيام ناسيا». ومتى ترك واجبا ناسيا فلا شيء عليه حال نسيانه، ولكن عليه فعله إذا ذكره؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها» الحديث. «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها»؛ كما في الصحيحين، من حديث أنس رضي الله عنه وأرضاه. أشاهد من هذا: أن النسيان - كما ذكر رحمه الله تعالى - ذهول القلب عن شيء معلوم، هو في الجملة، بل وفي التفصيل، يعلم ذلك الشيء، لكنه في ذلك العمل أو في ذلك الوقت بعينه ذهل عن ذلك الأمر، ففعل المحظور ناسيا، أو ترك المأمور ناسيا. فهو من حيث الإثم: لا إثم عليه؛ لماذا؟ لأن مدار ومناط الإثم العمد والقصد، والذاهل لا قصد له. الذاهل لا قصد له، أي الناس لا قصد له في فعل ما نهاه الله جل وعلا عنه، أو في ترك ما أمره الله جل وعلا به، فهو ناسي. فهو لا يؤاخذ باعتبار ماذا؟ ما يترتب على فعله للحرام أو تركه للواجب، لا يأثم. لكن - كما ذكر الشيخ رحمه الله تعالى - أن الناس لا يسقط عليه الطلب. الناس لا يسقط عليه الطلب؛ بمعنى أنه متى ذكر ما عليه من المأمور، فإنه يجب عليه أن يفعله، يجب عليه أن يفعله. وهذا من الفوارق بين الجاهل وبين الناس. هذه الخصلة من الفوارق بين الجاهل وبين الناس؛ فهما يشتركان جميعا في كون الناس والجاهل يرفع عنهم الحرج والإثم، لكن الجاهل لا يؤمر بالطلب إذا خرج الوقت، أي لا يؤمر بماذا؟ بفعل المأمور إذا خرج الوقت. بخلاف الناس: إذا خرج الوقت، فإنه مأمور بماذا؟ بفعل ما أمر به في ذلك الوقت الذي فات؛ كما ذكر في الصلاة. لو أن إنسانا ذهلا ونسي الصلاة - ناما عن صلاة العصر أو نسي صلاة العصر - حصل له شغل، حصل له أمر، فما شعر بنفسه إلا وقد أذن المؤذن للمغرب، انتبه أنه لم يصل العصر. هل يقال: بأن صلاة العصر قد فاتت عليه وهو ناسي، فلا شيء عليه؟ الجواب: لا. الجاهل ماذا يقال؟ إذا علم أن صلاة العصر واجبة مثلا، حديث عهد بإسلام. هل يؤمر بصلاة العصر؟ الجاهل يؤمر أو لا يؤمر؟ المغرب في وقت المغرب لا يؤمر، واضح. فهذه من الفروق بين الجاهل وبين ماذا؟ وبين الناس. الناس يجب عليه ماذا؟ أن يأتي بالصلاة، وتسمى أداء لا قضاء على الصحيح. تسمى أداء لا قضاء على الصحيح؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها». وفي بعض الرواية قال ماذا؟ قال: «فوقتها حين يذكرها»، «فوقتها حين يذكرها». يدل على أنه صلى في ماذا؟ في وقتها، ولو خرج وقتها. لكن بالنسبة للناس: هو وقتها، واضح. جماعة. لا، أي وقتها حين يذكرها. فهو إذا مأمور، هو إذا مأمور بماذا؟ بما فاتهم نسيانا. مأمور بما فاتهم من المأمور نسيانه. قال رحمه الله تعالى: «والإكراه» يعني هنا قاعدة يذكرها العلماء رحمهم الله تعالى في الناس: أن الناس فعل من فعل المحظور ناسيا سقط عليه الإثم، ولا يطالب بشيء؛ لماذا؟ لأن الأصل في النهي يترك. ومن فعل - أو ترك المأمور نسيانا - فإنه لا يأثم بسبب ذلك النسيان، ولكنه يطالب بالمأمور. ولكنه يطالب بالمأمور. وقل كذلك في المخطئ؛ إلا أنه يقيد ماذا؟ يطالب بالمأمور إذا كان في الوقت، واضح. جماعة. قل كذلك في المخطئ؛ إلا أنه يضاف ويطالب بالمأمور، ويطالب بالمأمور إذا كان في ماذا؟ إذا كان في الوقت. قال رحمه الله تعالى: «والإكراه إلزام الشخص بما لا يريد». فمن أكره على شيء محرم فلا شيء عليه؛ كمن أكره على الكفر، وقلب مطمئن بالإيمان. ومن أكره على ترك واجب فلا شيء عليه حال الإكراه، وعليه قضاؤه إذا زال؛ كمن أكره على ترك الصلاة حتى خرج وقتها، فإنه يلزمه قضاؤها إذا زال الإكراه. قال الشيخ رحمه الله تعالى: المانع الثالث، وهو الإكراه. والإكراه - كما ذكر رحمه الله تعالى - إلزام الشخص بما لا يريد، أي إلزامه بأن يفعل ما لا يريد، أو أن يترك ما يريد. إلزام الشخص بما لا يريد، أي فعله أو بترك ما يريد فعله. إلزام، لكن إلزام على سبيل ماذا؟ على سبيل، على معنى ماذا؟ على معنى الإكراه. على معنى الإكراه الذي هو معنى ماذا؟ يعني فيه نوع ماذا؟ التهديد والوعيد. في معنى التهديد، وماذا؟ والوعيد. قال الشيخ: «فمن أكره على شيء محرم فلا شيء عليه». وقبل هذا: ينبغي أن يعلم أن العلماء رحمهم الله تعالى يجعلون الإكراه على قسمين: إكراه ملجئ، وإكراه غير ملجئ. بمعنى أن من الإكراه: ما يعذر صاحبه به، ومن الإكراه: ما لا يعذر صاحبه به. فمن الإكراه الذي يعذر صاحبه به: ما يكون ماذا؟ ما يكون متحققا فيه معنى الإكراه؛ كأن يتوعدهم من لهم القدرة على إنفاذ ما توعده به من قتل أو تعذيب أو ما شابه ذلك. وتحقق الأمر عنده، تحقق العمر الأمر عنده. ليس معناه: مجرد طلب، أو مجرد خوف: «افعل لا سأضربه»، يقول: «فعلت»، واضح. جماعة. مقصود أنه ماذا؟ أن يصل إلى مرحلة ماذا؟ إلى مرحلة لا يسعه فيها يعني يكون بين أمرين، بين أن - كما يقال مثلا - يقتل أو يفعل ما أمر به مكرها. كما حصل ممن؟ كما حصل حينما عذب المشركون بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، عذبوهم العذاب الشديد، فبعضهم نطق بكلمة الكفر، وقلبه مطمئن بالإيمان. لكن قد بلغ بهم التعذيب والتخويف، بل وقد قتل بعضهم، وهم ينظرون؛ كما حصل في عمار بن ياسر، قتل أبوه، وقتلت أمه، وهو ينظر، وهو ينظر رضي الله عنه وأرضاه. فمثل هذا هو المعتبر. أما مجرد تخويف أو تهديد أو ما شابه ذلك، فهذا في الحقيقة - وإن سموه إكراها - فليس بالإكراه المعتبر، وهو القسم الثاني. ليس بالإكراه المعتبر. إذن قول الشيخ رحمه الله تعالى: «والإكراه» أي الإكراه الملجئ المعتبر. الإكراه الملجئ ماذا؟ المعتبر. فمن أكره على شيء محرم فلا شيء عليه؛ كمن أكره على الكفر، وقلب مطمئن بالإيمان؛ كما قال الله جل وعلا: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌ بِالْإِيمَانِ﴾. فالإكراه بالمعنى المعتبر: فهنا فعل محظورا أو ترك مأمورا. هيا. جماعة. فعل وترك، لكن هنا أمر بماذا؟ بالكفر. فعل محظور، أو ترك مأمور. فعل محظور، واضح. فعل محظور، ويستلزم ترك ماذا؟ المأمور، هو الإيمان بالله، واضح. جماعة. فهنا لا يأثم؛ لأنه لأنه مكره. لكن - كما ذكر العلماء رحمهم الله تعالى - في هذه الصورة خاصة: أنه أولا أن يكون الإكراه معتبرا. الأمر الثاني: أن يكون النطق بكلمات الكفر بلسانه فحسب. الشرط الثاني: يكون ماذا؟ قلبه مطمئن بالإيمان، لا يتردد ولا يشك. إن حصل شيء من التردد أو شيء من الشك كفر، واضح. هذا. جماعة. لابد من هذا المعنى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌ بِالْإِيمَانِ﴾. فلابد من اطمئنان القلب، ولابد من إكراه؛ حتى يكون معذورا. أما إذا لم يكن إكراه فلا يعذر، يكفر. وإذا كان إكراه، ولم يطمئن القلب، فإنه كذلك لا يعذر، بل يكفر. قال: «ومن أكره على ترك واجب فلا شيء عليه حال الإكراه، وعليه قضاؤه إذا زال؛ كمن أكره على ترك الصلاة حتى خرج وقتها». كما قد حصل أو يحصل في بعض البلاد، وبعض الأزمان، في بعض بلاد كانت بلاد إسلامية، لكن يحكمها بعض الأنظمة الشيوعية والمجرمة، تمنع الناس، يمنع الصلاة، فيصلون إلى حد الإكراه، يضطرون من شدة بطش أولئك إلى ترك الصلاة. فهؤلاء إذا خرج وقتها، وأمنوا على أنفسهم صلوا، واضحة. جماعة؛ لأن الإكراه كالنسيان: إن أسقط الإثم لا يسقط ماذا؟ لا يسقط الطلب. وإن أسقط الإثم، فإنه لا يسقط الطلب، فهو كالنسيان، ليس كالجهل. فرق بين الجهل وبين النسيان والإكراه. قال رحمه الله تعالى: «وترك الموانع إنما هي في حق الله». أي المذكورات الثلاث: إنما هي في حق الله. قال: «لأنه مبني على العفو والرحمة». يعني كما يعبر عنه الفقهاء: يقول: «حقوق الخالق مبنية على المسامحة». وحقوق الخالق مبنىها على المسامحة، أي على العفو؛ لأن الله جل وعلا عفو وغفور ورحيم ولطيف وكريم سبحانه وتعالى. بخلاف المخلوق، فالأمر فيه ماذا؟ المشاحة والمخاصمة، إلى غير ذلك من المعاني. قال رحمه الله: «وترك الموانع إنما هي في حق الله». أي أنه لا يأثم، أنه إلى غير ذلك. قال: «لأنه مبني على العفو والرحمة». أما في حقوق المخلوقين فلا تمنعه من ضمان ما يجب ضمانه؛ إذا لم يرضَ صاحب الحق بسقوطه. والله أعلم؛ لماذا؟ فرق الشيخ بين هذا الباب وهذا الباب. الجواب: لأن حقوق الله جل وعلا مبنىها - أو هي من الأحكام التكليفية - من الأحكام التكليفية. بخلاف حقوق الإنسان - أو حقوق الآدمي - فإنها من الأحكام الوضعية، واضحة. جماعة. والأحكام الوضعية: لا ينظر فيها إلى هذه المعاني المذكورة، لا ينظر إلى إكراه، لا ينظر إلى نسيان، لا ينظر إلى أنه مخطئ، ينظر إلى ماذا؟ إلى السبب، إلى العلامة، إلى الشرط، إلى الأشياء المذكورة، واضحة. جماعة. لذا بابها: الضمانات. وباب الضمانات من الأحكام الوضعية. لذا يضمن المجنون - المجنون - دون الجاهل، ودون الناس، ودون إيش؟ المكره. لو أن مجنونا قتل ضمن، واضح. جماعة. لو أن مجنونا أتلف شيئا ضمن؛ لماذا؟ لأن من الأحكام الوضعية. والأحكام الوضعية - أو قل - لأن من حقوق الآدمي، وحقوق الآدمي يبنى على ما ذا؟ على المشاحة. إلا أن يعفو، واضح. هذا. جماعة. لا، فهذا كما يقال: الخلاصة فيما ذكره الشيخ رحمه الله تعالى في هذا الباب. قال رحمه الله تعالى: العام. قال رحمه الله تعريفهم العام: لغة الشامل. وإصطلاحا: في إصطلاح الأصوليين: «اللفظ المستغرق لجميع أفراده بلا حصر؛ مثل: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾». قال الشيخ رحمه الله: «فخرج بقولنا المستغرق لجميع أفراده». طيب. قبل هذا: قول الشيخ رحمه الله تعالى: «اصطلاحا». قوله: «اصطلاحا اللفظ». قوله: «اصطلاحا اللفظ المستغرق» دل على أن العام له ألفاظ بذاتها تدل على ماذا؟ على العموم. أو هي ألفاظ عموم بذاتها، هي ألفاظ عموم بذاتها. ليست هي عبارة عن العموم، أو هي دالة على العموم. الأصوب أن يقال ماذا؟ ألفاظ أو للعموم ماذا؟ ألفاظ للعموم. ألفاظ خاصة به. وهذا على مذهب أهل السنة والجماعة في هذا الباب: أن العموم له ألفاظ؛ خلافا للأشاعرة الذين يقولون بالكلام النفساني، وأن العموم له ألفاظ هي عبارة عن ألفاظ العموم، عبارة عن اللفظ؛ بناء على ماذا؟ على مذهب في مسألة الكلام، في مسألة كلام الله جل وعلا؛ لأنهم يقولون: بأن كلام الله نفساني، وما هو موجود في القرآن إنما هو عبارة عن كلام الله جل وعلا، هذا أمر. قال الشيخ رحمه الله تعالى: «فخرج بقولنا المستغرق لجميع أفراده». ما لا يتناول إلا واحدا؛ كالعلم. العلم - كما مر معنا في كلام على الألفاظ - يدل على ماذا؟ على شيء بعينه. إذا قلنا: «زيد»، هل يدل على العموم أو على عين؟ على شخص بعينه، على شخص بعينه، واضح. قال: ﴿وَالنَّكِرَةِ فِي سِيَاقِ الْإِثْبَاتِ﴾؛ كقول تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾؛ لأنها لا تتناول جميع الأفراد على وجه الشمول، وإنما تتناول واحدا غير معين. فهي ليست من ألفاظ العموم. ﴿النَّكِرَةِ فِي سِيَاقِ الْإِثْبَاتِ﴾: ليست من ألفاظ العموم، وإنما هي من ألفاظ الإطلاق، واضح. ومنه أيضًا: يعني في قول الشيخ رحمه الله تعالى: «المستغرق لجميع أفراده» يخرج منه كذلك: يخرج ما كان الأمر فيه - ما كان النظر في الأمر - إلى فعل الأمر دون فعل الفاعلين. ما كان الأمر - ما كان النظر في الأمر فيه - إلى فعل ذلك المأمور، دون النظر إلى أفراده، أي أفراد من أمره بذلك المأمور. بمعنى أن: فروض الكفايات مثلا. فروض الكفايات: النظر فيها إلى ماذا؟ إلى فعل المأمور، أو إلى فعل الفاعلين؟ ها. جماعة. إلى فعل المأمور. فإذا قام به البعض سقط عن ماذا؟ عن الآخرين. فهي عمومها كعموم المطلق، واضح. جماعة. أي أن المقصود به: أفراد غير معينين، لا الكل. أفراد غير معينين، لا الكل. قال رحمه الله تعالى: «وخرج بقولنا بلا حصر: ما يتناول جميع أفراده مع الحصر؛ كأسماء العدد: مئة وألف ونحوها». طيب. قوله رحمه الله تعالى: «وخرج بقولنا بلا حصر» أي: بحسب وضع، أو قول: بحسب وضع اللفظ الذي دل عليه كلام متكلم، واضح. جماعة. قال: «كأسماء العدد: مئة وألف ونحوهما». الآن: مئة تدل على الحصر أو على العموم؟ حصر. ألف تدل على الحصر أو على العموم؟ على الحصر. لذا كما يقال: الشيء بالشيء يذكر. من الخطأ ما يقول بعض الناس: «اللهم صل وسلم على محمد وآله وصحبه وسلم مئة مرة»، أو «ألف مرة»، أو ما شابه ذلك. أيهم أعم أو لا؟ «اللهم صل على محمد وعلى آله وصحبه وسلم»، أو أن تقول: «مئة مرة»، أو «عشر مرات»، أو «ألف مرة». أيهم الأولى والأعم؟ واضح. جماعة. الإطلاق أو العموم بدون تقييد بماذا؟ بعدد. بدون تقييد بعدد. قال رحمه الله تعالى: «ما يتناول جميع أفراده مع الحصر». كما ذكر: أن هذا ما يتناول جميع أفراده؛ باعتبار وضع اللغة، أو قول: باعتبار وضع ما أراده المتكلم. ما أراده المتكلم. ومنه نعلم الفائدة. ومنه نعلم فائدة ذكرها الشيخ رحمه الله تعالى: وهي أن قال: «ليس المراد بالعموم: العموم الذي يعم كل شيء». بل لكل منها - أو قال رحمه الله تعالى - «وإنما الكلمة العامة التي تعم ما دلت عليه». وإنما الكلمة العامة التي تدل - أو لتعم - ما دلت عليه. ما دلت عليه، أي ما أوضع اللفظ له. ثم قال: «وما من لفظ في الغالب إلا وهو أخص مما فوقه وأعم مما دونه في العموم». والجميع يكون عاما. ومنه نعلم: أن العام لا يلزم في لفظ العام أن يكون عاما مستغرقا لكل شيء، لجميع أفراد. نعم. قد يكون من الألفاظ ما تكون كذلك. ومن الألفاظ ما لا تكون كذلك. لذا استدل الشافعي رحمه الله تعالى على أن العام يكون بحسب ما أراده المتكلم. وذكر كلاما نحو ما ذكره الشيخ الإسلام النووي رحمه الله. واستدل لذلك بقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾. عندنا ثلاثة عمومات، واضح. «إن الناس»: عام أم لا؟ عام. أم لا؟ عام. لكن هل أراد بهم جميع الناس؟ أراد بهم من الصحابة. النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه. قال لهم الناس: هل أراد بهم جميع الناس؟ يدخل فيه جميع الناس؟ أجاب ماذا؟ لا. من الذين أخبروا النبي صلى الله عليه وسلم. واضح. «إن الناس»: من الناس هاهنا قريش، ومن معهم من مشركين، مشركين قريش حينها، واضح. إذن: العموم يكون بماذا؟ بحسبه، واضح. جماعة. العموم يكون بماذا؟ بحسبه. مع أن: «إن الناس» لو قال: الله جل وعلا يقول في كتاب الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾. يقول: هل هذا ما المراد بالناس هاهنا؟ نقول: على حسب الوضع هاهنا: أن المراد به جميع الناس، واضح. لكن هذا لا ينافي ما ذكر: من أن العموم قد يكون عموما بحسبه، أي بحسب ما أراده ماذا؟ المتكلم. مثل ما ذكرنا: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾. الله جل وعلا: الذين أراد بهم من النبي صلى الله عليه وسلم. هل هو من العموم؟ ألفاظ العموم أم لا؟ هو عام. ومن ألفاظ العموم. لكن عموم بحسب ما أراده المتكلم، واضح. لذا كما ذكر، وذكره الشيخ السعدي رحمه الله تعالى بقوله: قال: «والجميع يكون ماذا؟ عاما». فإذا العام يكون بماذا؟ بحسبه. بحسب السياق: يعلم هل عموم شامل لجميع أفراده، لا يتخلف عنها شيء؟ أم أن العام قد يكون عاما شاملا لجميع أفراده الذين أرادهم، من أرادهم المتكلم، واضح. جماعة. يعني مثال ذلك: مثال ذلك: اجتمع عند أمير في قصره أناسا كثيرين، فكان يقول: «يا أيها الناس ينبغي لكم كذا وكذا»، «يا أيها الناس افعلوا كذا وكذا». إراد الخطاب لمن؟ لجميع من في الأرض؟ أم أراد الخطاب لمن يسمعونه؟ لمن يسمعونه، واضح. جماعة. ملو هذا كذا. مع أن: «من» من ألفاظ العموم أم لا؟ من ألفاظ العموم؛ لأن الحاضر ما يقول أحد: الأمير أرادك أنت، ما أرادني أنا. الكل يشملهم، واضح. فيكون الشمول والعموم بحسبه. يكون الشمول وماذا؟ العموم بحسبه. قال رحمه الله تعالى: «وخرج بقولنا بلا حصر: ما يتناول جميع أفراده مع الحصر؛ كأسماء العدد: مئة وألف ونحوها». طيب. من باب التنبيه والفائدة: ذكر بعضهم تعريفا للعام؛ لعله يكون أشمل. ذكر بعضهم تعريفا للعام؛ لعله يكون أشمل وأكمل. فعرف العام بقوله: «هو كلام مستغرق لجميع ما يصلح له بحسب وضع واحد دفعة بلا حصر». زيدت قيود، ها هنا. نحن ذكرنا هذا التعريف؛ لأن فيه قيودا، فزيد ماذا؟ أو لهم «لجميع ما يصلح له»؛ لماذا؟ لأن العام يكون بحسب ما يصلح له؛ كما تقدم ذكرناه الآن، واضح. وأيضا: «بحسب وضع واحد ودفعة»، طيبة. جماعة. و«بلا حصر»، بلا حصر؛ كما ذكر الشيخ: «فخرج بقولهم مستغرق: ما ذكره الشيخ رحمه الله». وفي قول: «لجميع ما يصلح له» يخرج الجمع المنكر، واضح. جماعة. في قول: «لجميع ما يصلح له» يخرج الجمع المنكر؛ لأنه غير مستغرق للجميع؛ مثل

شاركنا على