الدرس في كتاب الصلاة 42، ألقاها
يتناول أحكام التعامل مع القبور مثل النهي عن البناء عليها وتكسيتها وإضاءتها وتحريم إهانتها. استدل العلماء بحديث النبي صلى الله عليه وسلم على هذه الأحكام.
التعزية مشروعة لتسرية المصاب وتقويته على تحمل مصيبته، وتكون بالأدعية والأذكار الواردة في فضيلة الصبر والاحتساب. يُستحب تجنب الأمور المبتدعة مثل الاجتماع للتعزية في مكان خاص.
يتناول آراء العلماء حول بعض الممارسات المتعلقة بالتعزية والحداد مثل إعداد الطعام لأهل الميت وتكرار التعزية والبكاء على الميت. يُوضح أن تكرار التعزية جائز إذا كان بقصد التذكير والصبر.
ورد في الحديث النبوي وعيد شديد للنائحة التي لم تتب قبل موتها، حيث تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب. هذا يدل على شدة العقوبة لمن يفعلن ذلك بدون توبة.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمداً كثيراً مباركاً فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. ثم أما بعد، فما زلنا في الكلام على المسألة الثامنة من أبواب الجنائز، وتوقفنا في الدرس الماضي عند قولهم في النهي عن البناء على القبور وتكسيتها. قالوا: لأن هذا من وسائل الشرك والتعلق بالأضرحة، وهذا مما يغتر به الجهال ويتعلقون به، كما تقدم معنا في الدرس الماضي بأن مثل هذا الفعل يكون سبباً وذريعةً لاتخاذ القبور مساجد، وقد نهينا عن ذلك. قالوا: ويحرم أيضاً إسراج القبور، والصواب بالراء، ويحرم أيضاً إسراج القبور، أي إضاءتها؛ لما فيه تشبه بالكفار، وإضاءة المال، وبناء المساجد عليها، والصلاة عندها أو إليها؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، كما جاء في الحديث المتفق عليه عن عائشة، وكذلك جاء عن جابر. وقوله: «ويحرم إسراج القبور»، أي إضاءتها، بأن يوضع عليها القناديل والإضاءات، أي على القبور، لا أن المقبرة يجعل لها إضاءات خاصة بها. فرق بين أن يجعل إضاءة المقبرة بمعنى أنهم إن احتاجوا إلى دفن الأموات في الليل استخدموا الإضاءات، هذا المعنى لا بأس به. أما أن تتخذ السرج وما شابه ذلك على القبور، فهذا هو المنهي عنه. فنفرق بين هذا وذاك، كما أن اتباع الجنازة بنار منهي عنه كذلك؛ لأنه تشبه بالمجوس. لكن من تبع الجنازة بضوء بسبب الظلمة، واحتاج إلى إضاءة وضوء، فهذا لا بأس به. إن كانت إضاءة لأجل السير في الظلمة، وأما في وقت الضوء والنور، فهذا إن فعل يكون منهياً عنه للعلة السابقة. فالشاهد أن النهي عن إسراج القبور ذكر فيها أو ذكر للنهي عنها عدة أمور، منها أن فيه التشبه بالكفار، ولا سيما المجوس، وقد نهينا عن التشبه بالكفار. وأيضاً فيه إضاعة المال، وقد نهينا عن إضاعة المال. وفيه كذلك يكون سبباً لاتخاذ القبور مساجد، وهذا أعظمها وأشدها منكراً؛ لأنها سبب للغلو في أصحاب تلك القبور، كما هو الواقع. بعض القبور يسرج لها؛ لماذا يسرج لهذا القبر؟ قالوا: هذا القبر السيد الفلاني، هو الولي الفلاني. فما تدور الأيام والليالي حتى صار أو يصير الناس يعبدون ذلك الولي الفلاني. ولعل من الأسباب هذا الأمر الإسراج والبناء وما شابه ذلك، فهي من مظاهر الشرك وأسبابه الموصل إليه. قالوا: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». قالوا: وتحرم إهانتها بالمشي عليها أو وطئها بالنعال أو الجلوس عليها، وغير ذلك. وكما ذكرنا في الدرس الماضي: لا إفراط ولا تفريط. فكما أنه ينهى عن الغلو في القبور، كذلك ينهى عن الاستهانة بها. ومن الاستهانة بها أن يمشى عليها أو توطأ بالنعال أو بغير النعال. نهي ينهى أن توطأ أو يجرس عليها كذلك، أو يجرس عليها، وغير ذلك من الأمور التي فيها معنى الامتهان؛ لحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده خير له من أن يجلس على قبر». والحديث في صحيح مسلم. وقوله أيضاً: ولنهيه صلى الله عليه وسلم عن الوطء على القبور. وقد جاء في رواية عند بعض أصحاب السنن: «لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده خير له من أن يطأ على قبر». خير له من أن يطأ على قبر. ومنه نعلم أن النهي عن الجلوس ليس عن الجلوس بحسب، بل من وقف عليها كذلك قائماً، هذا كذلك ينهى عنه، يكون داخلاً في النهي؛ لرواية مذكورة. ولو لم تكن تلك الرواية موجودة، لدل المعنى على هذا؛ لأن القصد عدم استهانة المقابر والمقبورين، فلا يجلس عليها، أي على القبر، ولا يوقف عليه، ولا يمشى فوقه، ولا ما شابه ذلك من أنواع الاستهانات؛ لما تقدم ذكره. وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً يمشي بنعليه بين القبور، فقال: «يا صاحب السبتيتين، اخلع نعليك؛ فقد آذيت». فاستدل به كذلك جماعة من العلماء على أن نهي عن الدخول إلى المقابر بالنعال؛ فقد آذيت، اخلع نعليك؛ فقد آذيت. قالوا: يستحب عند الفراغ من الدفن الدعاء للميت؛ لفعله صلى الله عليه وسلم؛ فإنه كان إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه، أي وقف على القبر، وقال: «استغفروا لأخيكم، واسألوا له التثبيت؛ فإنه الآن يسأل». والحديث كما ذكر، وهو عند أبوداود وغيره، وهو عن عثمان بن عفان رضي الله عنه، وهو حسن. حسنه العلامة الألباني رحمه الله تعالى، وكذا شيخنا العلامة الوادعي في الصحيح المسند. والشاهد منه واضح: أن الإنسان إذا فرغ من دفن الميت استغفر للميت؛ ففيه دلالة على أنه لا يقال غير ذلك. فلا يفعل كما يفعل بعض الجهال اليوم إذا فرغوا من دفن الميت، قالوا: الفاتحة على روح فلان. ومكثوا يقرؤون الفاتحة أو ما شابه ذلك. هذه من البدع. هذا الفعل، أي قراءة الفاتحة بعد الدفن وما شابهها، هذه من البدع. لم يكن هذا الفعل موجوداً ولا حاصلاً ولا واقعاً في عهده صلى الله عليه وسلم، ولا كذلك فعله أصحابه الكرام، ما فعلها الخلفاء الراشدون رضي الله عنهم وأرضاهم، ولا كان في زمانهم. قال رحمه الله تعالى: وأما قراءة الفاتحة أو شيء من القرآن عند القبر، فإنه بدعة منكرة؛ كما تقدم؛ لأنه لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم ولا صحابته الكرام. وقد قال صلى الله عليه وسلم: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد». وهذا من هذا الباب. «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد». وحديثه بهذا اللفظ رواه مسلم من حديث عائشة، واتفقا على رواية: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد». المسألة التاسعة: التعزية، قال: حكمها وكيفيتها. والتعزية هي تسرية المصاب وتقويته على تحمل مصيبته، فتذكر له الأدعية والأذكار الواردة في فضيلة الصبر والاحتساب. وتشرع التعزية لأهل الميت بما يخفف عنهم من مصابهم، ويحملهم على الرضا والصبر، بما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم إن كان يعلمه ويستحضره، وإلا فبما تيسر له من الكلام الحسن الذي يحقق الغرض، ولا يخالف الشرع. فعن أسامة بن زيد قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم، فأرسلت إليه إحدى بناته تدعوه، وتخبره أن صبياً لها أو ابناً لها في الموت. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ارجع إليها، فأخبرها أن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فمرها فلتصبر ولتحتسب». وهذا من أحسن الألفاظ الواردة في التعزية. وينبغي عند العزاء تجنب بعض الأمور التي انتشرت بين الناس، وليس لها أصل في الشرع، منها - يعني - معنى هذا: أن في التعزية إنسان يقول أذكار التي يحفظها الواردة: لله ما أخذ، ولله ما أعطى، وكل شيء بأجل مسمى، فلتصبر ولتحتسب. أو كما يقال كذلك: عظم الله لك الأجر، أخلف الله عليك بخير، وما شابه ذلك. أعانك الله، فرج كربك، وما شابه ذلك من أدعية حسنة. إن كان يحفظ من المأثور فبها ونعمة، وإن لم يكن يحفظ، فليقل ما تيسر من الأدعية والأذكار المسلية والمعين له على الصبر على البلاء. قالوا: وينبغي عند العزاء تجنب بعض الأمور التي انتشرت بين الناس، وليس لها أصل في الشرع، منها - أي - من الأمور والمخالفات التي حصلت عند التعزية. فمن هذا الباب: الاجتماع للتعزية في مكان خاص، بجلب الكراسي والإضاءة والقراءة أو القراء. وهذا كذلك من البدع المحدثة. يجتمع إما في بيت، وإما في مسجد، وإما في مكان معين: العزاء عند بيت فلان بن فلان، أو في المسجد الفلاني، أو ما شابه ذلك. ثم يجتمعون ويأتي القارئ يقرأ، وما شابه ذلك. هذا ليس عليه دليل، لا من كتاب ولا من سنة. ولم يكن هذا الفعل موجوداً عند سلف هذه الأمة. والنبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يقول: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد». والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور». وهذا من هذا الباب. فلم تكن هذه الأفعال على عهده، ولا عهد خلفائه الراشدين، بل لم تكن معروفة في القرون الثلاثة المفضلة، بل وبعدها بقرون. وما ظهرت إلا في القرون المتأخرة. هذه البدعة التي انتشرت عند الناس حتى صار من ينكرها كأنه هو المنكر. وهذا من تقلب الحقائق وتقلب المفاهيم عند الناس، حتى صار المنكر معروفاً والمعروف منكراً. الثاني: قال: عمل الطعام خلال أيام العزاء من قبل أهل الميت في ضيافة الواردين للعزاء؛ لحديث جرير البجلي رضي الله عنه قال: «كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنيعتهم الطعام بعد دفنه من النياحة». وهذا رواه ابن ماجه وغيره بإسناد حسن. قد حسنه العلامة الألباني رحمه الله تعالى وغيره. والشاهد من هذا: وهذا موجود كذلك في بلدنا، أيضاً هذه الأشياء موجودة. أن الناس إذا مات لهم الميت اجتمعوا في بيت الميت على الطعام. صنع أهل الميت صار عندهم مصيبة في ميتهم، ومصيبة أخرى في الضيوف الذين سيأتون إليهم، فيحتاجون إلى طعام، ويحتاجون إلى ذبائح، وما شابه ذلك. وهذه الأفعال كذلك لم تكن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، بل كما سمعتم أن جريراً البجلي رضي الله عنه وأرضاه يقول - كما في هذا الأثر الثابت -: أنهم كانوا يعدون هذا من النياحة. كانوا يعدون هذا من النياحة، أي من النياحة التي نهى عنها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. الثالث: قالوا: تكرر التعزية. فبعض الناس يذهب إلى أهل الميت أكثر من مرة ويعزيهم. والأصل أن تكون التعزية مرة واحدة. ولكن إذا كان القصد من تكرارها التذكير والأمر بالصبر والرضا بقضاء الله وقدره، فلا بأس. وأما إن كان تكرارها لغير هذا القصد، فلا ينبغي؛ لعدم ثبوت ذلك عن نبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه. وهذا من هذا الباب أيضاً: التعزية لا يحتاج أنك اليوم الأول واليوم الثاني واليوم الثالث وهكذا تذكرهم بأحزانهم. كل ما نسي المصيبة جئتهم وذكرتهم مرة أخرى بمصابهم وبما حصل لهم من مصيبة. والقصد من التعزية - كما سمعتم - التسلية لأهل الميت، والتصبير لهم، والدعاء لهم بأن يفرج الله جل وعلا همهم، وأن يقبل متوفاهم. قال: والسنة أن يعمل أقرباء الميت وجيرانه لأهل الميت طعاماً - أي العكس - السنة أن يكون الجيران أو الأقرباء هم الذين يعملوا الطعام لأهل الميت؛ لماذا؟ قال: لقوله صلى الله عليه وسلم: «اصنعوا لأهل جعفر طعاماً؛ فقد أتاهم أمر يشغلهم». أو «أتاهم ما يشغلهم». والحديث كذلك إسناده حسن. والعلامة الألباني رحمه الله تعالى وغيره في سنن أبي داود، وهو في سنن أبي داود. والحديث - كما سمعتم - أنه حسن، أي صالح للاحتجاج. قالوا: أما البكاء والحزن على الميت فلا بأس به، ويحصل في الغالب، وهو الذي تميله الطبيعة دون تكلف. فقد بكى النبي صلى الله عليه وسلم على ابنه إبراهيم حين مات، وقال: «إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا». لكن لا يكون ذلك على وجه التسخط والجزع والتشكي. يعني: البكاء جائز، وهذا يحصل للإنسان بطبيعته. أن الإنسان إذا فقد محبوباً يهجم عليه هذا الأمر الذي هو جبلة فيبكي. لكن المشروع ألا يتسخط، وأن لا يخرج من فيه كلام لا يرضي رب جل وعلا. بل يقول كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: «إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا». قالوا: وكذلك لكن لا يكون ذلك على وجه التسخط والجزع والتشكي. لا يتشكى، ولا يتجزع، ولا يتسخط على قضاء الله جل وعلا وقدره. قالوا: ويحرم الندب والنياحة وضرب الخدود وشق الجيوب؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «ليس منا من لطم الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية». يعني: يحرم الندب بأن يذكر الميت على سبيل المفاخرة بأعماله: قد كان، وكان، وكان، وكان، من الأمور على سبيل المفاخرة، لا على سبيل ذكر المحاسن لأجل أن يقتدى به، لكن على سبيل المفاخرة والعجب. هذا من الندب. كذلك النياحة: النياحة بأن تخرج الأصوات الكريهة من النساء. وكذلك ضرب الخدود بأن يضرب على الخدود، أو أن تشق الجيوب، أو أن تشق الجيوب - كما هو الحال من كثير من النساء أصلحهن الله -. قوله صلى الله عليه وسلم: «ليس منا من لطم الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية». وهذا يدلنا على أن هذه الأفعال من الكبائر. وهذا يدلنا - أي - هذا الحديث يدلنا على أن هذه الأفعال من الكبائر؛ فيحذر الإنسان غاية الحذر من هذه الأمور. قالوا: كقوله: يا ويلاه، يا ثبوراه، وما أشبه ذلك. نعم، هذا كذلك من الندب أن يدعو بهذه الأدعية، يدعو لنفسه بالويل والثبور وما شابه ذلك على فقد من فقده من الأموات. قالوا: ولقوله صلى الله عليه وسلم: «النائحة: إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة، وعليها سربال من قطران، ودرع من جرب». وهذا فيه - كما هو ظاهر - وعيد شديد على المرأة إن فعلت هذا الفعل ولم تتب إلى الله جل وعلا منها قبل الموت. نكتفي بهذا القدر، إلى هنا. سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليه.