الدرس في شرح كتاب الزكاة 1، ألقاها
يتناول هذا الفصل تعريف الزكاة لغة وشرعًا، وحكمتها في الإسلام. الزكاة طهرة للعبد وتزكية لنفسه، وهي سبب للتكافل بين أفراد المجتمع المسلم.
هذا الفصل يبين حكم الزكاة ودليل ذلك من القرآن والسنة، حيث أنها ركن من أركان الإسلام الخمسة. الزكاة فريضة دل عليها القرآن الكريم والسنة النبوية.
يناقش هذا الفصل حكم من أنكر وجوب الزكاة، سواء كان جاهلًا أو عالمًا، وقيام الحجة عليه. من أنكر وجوبها جهلًا قد يعذر، بينما من قامت عليه الحجة فلا عذر له.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف -وفقه الله-: ثالثًا: كتاب الزكاة، ويجتمع على ستة أبواب: الباب الأول في مقدمات الزكاة، والباب الثاني: زكاة الذهب والفضة، والباب الثالث: زكاة الخارج من الأرض، والباب الرابع: زكاة بهيمة الأنعام، والباب الخامس: زكاة الفطر، والباب السادس: أهل الزكاة. كتاب الزكاة: كتاب، هذا اللفظ جنس، هذا اللفظ جنس، فيشتمل على أنواع متعددة، يشتمل على أنواع متعددة. والكتاب مر معنى، أنه فعال على وزن فعال، بمعنى مفعول، كتاب بمعنى مكتوب، أي هذا مكتوب فيما يتعلق بأحكام الزكاة. والكتاب ما اجتمع على جملة من العلم، ما اجتمع على جملة أو جمل من العلم. وأهل العلم يقسمون الكتاب إلى كتاب، وأبواب، وفصول. فالكتاب جنس، جنس يشتمل على أبواب متعددة. والكلام إذا كان نوعًا من جنس عبروا بالباب، يعني ما يتعلق بأنواع من هذا الجنس، مثلًا كتاب الزكاة له أجزاء متعددة، وأنواع عديدة، فيقسمون ما يتعلق بالكلام على هذا الكتاب إلى أبواب، وهذه الأبواب تتكلم بأنواع من جنس كتاب الزكاة. وإذا كان هناك مسائل تتعلق بباب من هذه الأبواب سميت فصول، سميت فصول. فالفصل يعتبر جزءًا أو قطعًا من الباب. فمثلًا كتاب الصلاة، كتاب الصلاة هذا جنس، وتحته أبواب: صلاة الكسوف، صلاة الاستسقاء، صلاة الجمعة، صلاة التطوع، طيب، هذه أبواب من كتاب الصلاة. الكلام مثلًا عن الوتر، هذا يعتبر نوعًا أو فصلًا من باب التطوع، فصل من باب التطوع. وهذا التقسيم يقسمه العلماء من باب التسهيل، التسهيل على طالب العلم، على الوقوف على مسائل هذا الكتاب. قال: الباب الأول في مقدمات الزكاة، وفيه مسائل. المسألة الأولى في تعريف الزكاة. قال: الزكاة في اللغة: النماء والزيادة، يقال: زكى الزرع إذا نمى، زكى الزرع إذا نمى، يعني إذا زاد. زكى الزرع إذا نمى. ومن هذا المعنى قول الله جل وعلا: ﴿يمحق الله الربا ويربي الصدقات﴾، يمحق الله الربا يعني يذهب بركته، ويربي الصدقات أي ينميها، ينميها ويزيدها. والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «ما نقص مال من صدقة»، ما نقص مال من صدقة، فالصدقة تنمي المال وتكثره وتبارك فيه. قال: وشرعًا: عبارة عن حق يجب في المال الذي بلغ نصابًا معينًا، بشروط مخصوصة، لطائفة مخصوصة. وهي طهرة للعبد، وتزكية لنفسه. عبارة عن حق يجب في المال، هذا الحق والزكاء الذي بلغ نصابًا معينًا، وسيأتي كم نصاب الزكاة، وما هي الأموال التي تجب فيها الزكاة، وبيان أنصبتها، بشروط مخصوصة؛ لأن وجوب الزكاة له شروط، وسيأتي في موضعه، لطائفة مخصوصة، وهم من يستحق الزكاة، وهم من يستحق الزكاة. وبعض العلم عرف الزكاة بقوله: «إعطاء جزء من النصاب الحول إلى فقير ونحوه، غير هاشمي ولا مطلبي». إعطاء جزء من النصاب الحول، يعني إذا بلغ المال نصابًا فإنه يخرج جزء منه، وهو ما يجب فيه الزكاة، ما وجب فيه من الزكاة، الحول يعني بعد حولان الحول، إلى فقير ونحوه، يعني ممن يستحق الزكاة من أصناف الثمانية، غير هاشمي يعني ليكون من بني هاشم، ولا مطلبي أي من بني المطلب. قال: «وهي طهرة للعبد وتزكية لنفسه»، قال تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها﴾، وهي سبب من أسباب إشاعة الألفة والمحبة والتكافل بين أفراد المجتمع المسلم. هنا ذكر المؤلف بعض الحكم في فرضية الزكاة، أنها طهرة للعبد وتزكي نفسه، طهرة له من يعني من البخل والشح، من البخل والشح. فإخراج الزكاة طهرة للإنسان، فتجعل في نفسه خلق الإعطاء والجود، العطاء والجود والكرم، وتسلم نفسه من الشح والبخل. والله عز وجل يقول: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها﴾، تطهر قلوبهم وتطهر أعمالهم وتزكي قلوبهم. وهي سبب من أسباب إشاعة الألفة والمحبة؛ لأن فيه مواساة، مواساة الغني للفقير، ومرعى له وإحسان إليه، والتكافل بين أفراد المجتمع، يعني يصبح المجتمع الإسلامي كالأسرة الواحدة، هذا يعطي هذا، وهذا يحسن إلى ذاك، فيصبح المجتمع كأنه أسرة واحدة متكاتفة ومجتمعة، يعطف بعضها على بعض، ويحسن بعضها إلى بعض. كذلك أيضًا أن إخراج الزكاة فيه تمام إسلام العبد؛ لأنها ركن من أركان الإسلام، ركن من أركان الإسلام، فإخراجها من تمام إسلام العبد. وكذلك أيضًا إخراج الزكاة يدل على صدق صاحبها وكمال إيمانه، ولذلك سميت الصدقة صدقة، والزكاة تطلق على الصدقة الواجبة والصدقة المستحبة، وسميت صدقة؛ لأنها تدل على صدق صاحبها، وذلك أن المال محبوب للإنسان، الإنسان يحب المال، وتحبون المال حبًا جمًا، فإذا أخرجه دل ذلك على صدقه؛ لأنه لا يخرجه إلا لمحبوب هو أعظم عنده من حبه للمال، فيدل على صدق إيمان صاحبها. كذلك أيضًا أنها سبب لانشراح الصدر، طمأنينة القلب. وهي أيضًا من أسباب دخول الجنة، إخراج الزكاة من أسباب دخول الجنة. وأيضًا من حكمها أنها تمنع وقوع الجرائم كالسرقة والنهب ونحوها؛ إذا كان الفقير الذي ليس عنده شيء سيجد من الزكاة ما يغنيه، فإنه لا ينظر إلى ما في أيدي الناس، ولا يطمع في الحصول على المال بالطرق المحرمة. والله عز وجل له في شرعه جل وعلا، وما حكم به حكم عظيمة، وهو الحكيم العليم. قال: المسألة الثانية: حكم الزكاة ودليل ذلك. قال: الزكاة فريضة من فرائض الإسلام، وركن من أركانه الخمسة، وهي أهم أركانه بعد الصلاة؛ لقوله تعالى: ﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾، وقوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها﴾. الزكاة فريضة من فرائض الإسلام، وركن من أركانه الخمسة؛ بني الإسلام على خمس، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان»، فهو أحد أركان الإسلام، وبانيه العظام التي لا يكمل بإسلام العبد إلا بها. وهي أهم الأركان بعد الصلاة، أهم الأركان أركان الإسلام بعد الصلاة الزكاة؛ ولهذا قرنت مع الصلاة في مواضع كثيرة في القرآن، وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة، في آيات متعددة فيها الأمر بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وهذا يدل على أهميتها، والعظيم منزلتها في الإسلام. قال: ولقوله صلى الله عليه وسلم: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان». والحديث متفق عليه من حديث ابن عمر. قال: وقوله صلى الله عليه وسلم في وصيته لمعاذ بن جبل -رضي الله عنه- لما بعثه إلى اليمن: «أدعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، فإنهم أطاعوك لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإنهم أطاعوك لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم، تؤخذ من أغنيائهم، وترد على فقرائهم». والحديث في الصحيحين من حديث ابن عباس. فالنبي عليه الصلاة والسلام لما بعث معاذًا إلى اليمن أمره أول ما أمره به أن يدعوهم إلى توحيد الله، إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، فإن أذعنوا بذلك وأطاعوا انتقل إلى الأمر بالصلاة، قال: «فاعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة»، قال: «فإنهم أطاعوك لذلك، فاعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم، تؤخذ من أغنيائهم، وترد على فقرائهم». وهذا هو الشاهد، دل الحديث على وجوب الزكاة، وأن الله جل وعلا افترض زكاة في مال الغني، وهو الذي تجب الزكاة في ماله. وقوله: «افترض عليهم صدقة في أموالهم» فيه دليل على إطلاق لفظ الصدقة على الزكاة الواجبة، على الزكاة الواجبة. ومثل أيضًا قوله جل وعلا: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها﴾، والمراد بها الصدقة الواجبة. فالزكاة تطلق، أو الصدقة تطلق على الزكاة الواجبة، وعلى الصدقة المستحبة. وقوله: «تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم»، تؤخذ من أغنيائهم، أي من أغنياء المسلمين، وترد على فقرائهم، أي فقراء المسلمين. واستدل به أهل العلم على أن الزكاة تؤخذ من أغنياء أهل البلد، وتعطى لفقراء أهل البلد، هذا هو الأصل. وإن كان هناك فقير من خارج البلد وهو أحوج، فلا بأس أن يعطى من الزكاة، ولو لم يكن من أهل البلد. قالوا: قد أجمع المسلمون في جميع الأمصار على وجوبها، واتفق الصحابة على قتال مانعيها. اتفق الصحابة على قتال مانعي الزكاة؛ لما توفي النبي عليه الصلاة والسلام، وارتد من ارتد من العرب، ومنع من منع الزكاة، قتلهم أبو بكر، ووافقه عمر -رضي الله عنهما-، جميع الصحابة على قتالهم، وافقوه على قتالهم. دل ذلك على أن من امتنع عن أدائها فإنهم يقاتلون، كما سيأتي ذكر ذلك في موضعه. لكن شاهد أن قتالهم على منعها دل على وجوبها. قال: فثبت بذلك فرضية الزكاة بالكتاب، والسنة، والإجماع. قال: مسألة الثالثة: حكم من أنكرها. قال: من أنكر وجوب الزكاة جهلًا بها، وكان ممن يجهل مثله ذلك، إما لحداثة عهده بالإسلام، يعني إنسان أسلم قريبًا لا يعرف أن الزكاة واجبة، فأنكر وجوب الزكاة، قيل له: عليك الزكاة في مالك، قال: لا، ما علي زكاة، أنكر؛ لأنه أسلم قريبًا لا يعرف أن الزكاة واجبة، هذا يعذر لكونه جاهل، والجاهل عذر من عذار التكفير. قال: إما لحداثة عهده بالإسلام، وإما لكونه نشأ ببادية بعيدة عن الأمصار، يعني عن المدن، فهذا أيضًا يعذر، إنسان نشأ في بادية بعيدة عن المدينة ما يعرف ما قد سمع أن هناك زكاة، فأنكر وجوبها، هذا يعذر، لكنه يعرف. قال: عرف وجوبها، يقال له: هناك زكاة أوجبها الله في المال، يبين له. ولم يحكم بكفره؛ لأنه معذور، لا يحكم بكفره؛ لأنه معذور. فإذا بلغته الحجة وعلم أنها واجبة، ثم أصر على الإنكار، هنا يكفر. قال: وإن كان منكرها مسلمًا ناشئًا ببلاد الإسلام، وبين أهل العلم، فهو مرتد، تجري عليه أحكام الردة، ويستتاب ثلاثًا، فإن تاب وإلا قتل. إنسان يعيش بين أوساط المسلمين، يأتي ويقول: الزكاة غير واجبة، ما في زكاة، هذا يعتبر مرتدًا؛ لأنه أنكر شيئًا معلومًا من الدين بالضرورة، وليس هو بجاهل، هو يعيش بأوساط المسلمين، ويعلم ويسمع بوجوب الزكاة، ثم ينكر وجوبها، هذا يعتبر مرتدًا، يعامل معاملة أهل الردة، فيستتاب ثلاثًا، يعني ثلاثة أيام، فإن تاب وإلا قتله. والاستتابة ترجع إلى الإمام، إلى اجتهاد الإمام، إن رأى في استتابته مصلحة استتابه، وإن رأى أن يقتل مباشرة إذا عرض على السيف، وقيل له: تب، قتله. وإن رأى المصلحة أن يستتاب، كان يكون مثلًا كبيرًا في قومه وعشيرته، نحو ذلك، استتابه. قال: فإن تاب وإلا قتل؛ لأن أدلة وجوب الزكاة ظاهرة في الكتاب والسنة وإجماع الأمة، فلا تكاد تخفى على من هذا حاله، يعني من يعيش في أوساط المسلمين. قال: فإذا جحدها لا يكون إلا لتكذيبه الكتاب والسنة، وكفره بهما. وسيأتي ما يتعلق بحكم من منعها بخلًا. ولا يشترط في بلوغ الحجة الإقرار، يعني ما يشترط أن يقر إذا بلغته وعلم أن زكاة واجبة، سواء أقر أم لم يقر، إذا أنكر فإنه يعتبر كافرًا. مثل فرعون، فرعون علم بصحة نبوة موسى وما جاء به، لكن ما أقر به، ما أقر به، فكان بذلك كافرًا. فإذا قامت الحجة، سواء أقر أم لم يقر، فلا حجة له. بخلًا ما لم تقم عليه الحجة لجهله، كما سمعنا، أو لكونه نشأ في بادية بعيدة ما سمع بوجوب الزكاة، فهذا يعذر. أما من قد علم وقامت عليه الحجة، فلا حجة له، ولا عذر له. نكتفي بهذا القدر، له ناصر الله وسلم على أبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.