الدرس في القواعد والأصول الجامعة 17، ألقاها
الشريعة الإسلامية تقوم على الإخلاص لله والمتابعة لرسوله، وهما شرطان لصحة الأعمال. الإخلاص يعني قصد وجه الله، والمتابعة تعني موافقة العمل لهدي رسول الله.
الجمع بين الإخلاص لله والمتابعة لرسوله هو سبيل أهل الإيمان لتحقيق أفضل الأعمال، مستنداً إلى الآيات القرآنية والأحاديث النبوية. يُميز بين الأعمال الصالحة التي تُقدم بإخلاص وتلك التي تُقدم للرياء.
النية وراء الأعمال تحدد قبولها، فمن كان قصده نصر الحق كان مخلصا، ومن كانت نيته غير ذلك لم يقبل عمله. العمل مرتبط بنية صاحبه، وهذا يشمل الجهاد وغيره من الأعمال.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال علام السعدي رحمه الله في كتابه الأصول والقواعد الجامعة: القاعدة الخامسة، الشريعة مبنية على أصلين: الإخلاص لله، والمتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم. هذه القاعدة وهي في بيان أن الشريعة مبنية على أصلين لا تصح الأعمال إلا بهما، وهما الإخلاص لله، والمتابعة لرسول الله عليه الصلاة والسلام. الشريعة هو هذا الدين، دين الإسلام، الذي شرعه الله عز وجل، وأمر العباد باعتناقه، وبالإيمان به، سواء ما جاء في كتابه جل وعلا، أو بسنة رسوله عليه الصلاة والسلام. وهذه الشريعة مبنية على أصلين، وأصل البناء وضع الشيء على الشيء على جهة الثبوت واللزوم. ومعلوم أن البناء إذا اختلت أحد أركانه فإنه يتزعزع ويتضعضع. وهكذا هذه الشريعة فإنها مبنية على هذين الأصلين، وهذا البناء بناء معنوي. الأصل الأول الإخلاص لله، والأصل الثاني المتابعة لرسول الله. الإخلاص لله يعني في العمل أن يقصد العبد بعمله وجه الله، وما عند الله سبحانه وتعالى. والمتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا العمل أن يكون موافقا لهدي رسول الله عليه الصلاة والسلام فيما شرعه الرسول عليه الصلاة والسلام. قال: هذان الأصلان شرط لكل عمل ديني، ظاهر كأقوال اللسان وأعمال الجوارح، أو باطن كأعمال القلوب. هذان الأصلان شرط، يعني شرط لصحة الأعمال، لكل عمل ديني. أخرج بذلك الأعمال الدنيوية، فالأعمال الدنيوية يعملها الإنسان بغير هذين الشرطين، لكن الأعمال التي يراد بها أن يتقرب إلى الله جل وعلا، يجب أن يوجد فيها هذان الشرطان. قال الله تعالى: ﴿ألا لله الدين الخالص﴾، وقال: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين﴾. فالله عز وجل يقول: ﴿ألا لله الدين الخالص﴾، أي أن الدين الخالص يجب أن يكون لله. وهذه الجملة قدم فيها الجار والمجرور لإفادة الحصر والاختصاص. قال: والدين الذي أمروا بإخلاصه هو الإسلام والإيمان والإحسان، كما فسره بذلك النبي صلى الله عليه وسلم في حديث جبريل. فجعل النبي صلى الله عليه وسلم هذه الأمور الثلاثة من الدين، وهي مراتب الدين: الإسلام، والإيمان، والإحسان، وكلها يجب فيها الإخلاص لله سبحانه وتعالى. قال: فهذه الأمور لا بد أن تكون خالصة لله، مرادا بها وجهه ورضوانه وثوابه. ولا بد أن تكون مأخوذة من الكتاب والسنة، حتى تكون العبادة صحيحة. وقال تعالى: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾، فأمر الله جل وعلا بالمتابعة لرسوله عليه الصلاة والسلام في سائر الأعمال. قال: وقال في الجمع بين الأصلين: ﴿ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن﴾، أي أخلص أعماله الظاهرة والباطنة لله، وهو في هذا محسن بأن يكون متبعا لرسول الله. فجمع بين هذين الأصلين، فهذا من أحسن الأعمال، أفضلها وأعظمها: الإخلاص والمتابعة. والناس مع هذين القسمين على أنواع: منهم من يخلص ولا يكون عنده متابعة، وهذا حال كثير من أهل البدع. وقوم يكون عندهم متابعة لكن ليس عندهم إخلاص، وهذا كحال المنافقين. وقوم لا إخلاص عندهم ولا متابعة، وهذا كحال الكفار والملحدين. وقوم عندهم إخلاص ومتابعة، وهذا حال أهل الإيمان الذين استجابوا لله ولرسوله، وهم أفضل هذه الأقسام. قالوا في عدة آيات: ﴿وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول﴾، يعني أن الله جل وعلا جمع بين هذين القسمين، وهو الإخلاص والمتابعة: الأمر بطاعة الله والإخلاص له، والأمر بمتابعة الرسول عليه الصلاة والسلام. قال: فالعمل الجامع للوصفين هو المقبول، وإذا فقدهما أو فقد أحدهما فهو مردود على صاحبه. العمل الجامع للوصفين بأن يكون خالصا لله وموافقا لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا هو العمل المقبول. قال: وقال تعالى في نفقات المخلصين: ﴿ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله وتثبيتا من أنفسهم كمثل جنة بربوة أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين فإن لم يصبها وابل فطل والله بما تعملون بصير﴾. مثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله، يريدون رضا الله سبحانه وتعالى. وقال في نفقات المرائين: ﴿والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ولا يؤمنون بالله واليوم الآخر ومن يكن الشيطان له قرينا فساء قرينا﴾. والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس، يعني ينفقون الأموال مراءاة للناس، حتى يرونهم ويثنون عليهم، ليس عندهم إخلاص في إنفاقهم. قال: وقال صلى الله عليه وسلم في الهجرة التي هي من أفضل الأعمال، وتفاوتها بتفاوت الإخلاص وعدمه: «من كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه». متفق عليه. فالهجرة من بلد الكفر إلى بلد الإسلام من أعظم الأعمال والقربات، لكن يتفاوت فيها العاملون بتفاوت النية والإخلاص في قلوبهم. وسئل عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل ليرى مكانه، أي ذلك في سبيل الله؟ فقال: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله». متفق عليه. فمن كان قصده في جهاده نصر الحق، فهو المخلص، ومن كان قصده وغرضه غير ذلك، فله ما نوى، وعمله غير مقبول. صلى الله عليه وسلم عن نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.