الدرس في كتاب الصيام 17، ألقاها
الاعتكاف هو لزوم المسجد لطاعة الله، وهو سنة وقربة. يصح من المميز في المساجد.
يشترط أن يكون المعتكف مسلما عاقلا مميزا. يصح من الصبي المميز والأنثى.
يصح الاعتكاف في أي مسجد تقام فيه الصلاة مع النية. قول الجمهور في ذلك هو الراجح.
الاعتكاف في المساجد الثلاثة أفضل، لكنه يجوز في غيرها. الحديث يدل على تفضيل المساجد الثلاثة.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف -فقه الله- الباب الخامس في الاعتكاف، وفيه مسائل. المسألة الأولى: تعريف الاعتكاف وحكمه. قال: أولا تعريفه. الاعتكاف في اللغة لزوم الشيء وحبس النفس عليه، لزوم الشيء وحبس النفس عليه، كما في قوله جل وعلا: ﴿ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون﴾ يعني ملازمون لها، الجلوس عندها، وحبستم أنفسكم عندها. وهكذا يظن في قوله جل وعلا: ﴿أن يعكفون على أصنام لهم﴾ يعني يلازمون الجلوس عندها. في حديث أبي واقد الليثي «أن النبي عليه الصلاة والسلام واصحابه مروا على قوم لهم سدرة يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم» يعكفون عندها أن يلتزمون الجلوس عندها ويحبسون أنفسهم عندها لطلب البركة منها. فالاعتكاف لغة: لزوم الشيء وحبس النفس فيه. قالوا: في الشرع لزوم المسلم المميز مسجدا لطاعة الله عز وجل. الاعتكاف في الشرع: لزوم المسلم المميز. فقولنا: لزوم المسلم خرج به الكافر، فالكافر لا يصح منه الاعتكاف بسبب كفره. وقولنا: المميز خرج به غير المميز، من كان دون سن التمييز، هذا لا يصح منه الاعتكاف، من كان دون سن التمييز، من كان أقل من سبع سنين، هذا لا يعرف معنى الاعتكاف ولا يصح منه، كما أنه لا تصح منه سائر العبادات إلا ما استثناه الدليل كالحج إذا حج مع أهله. وإن كان مميزا صح الاعتكاف، فلا يشترط في الاعتكاف البلوغ، أن يكون المعتكف بالغا، يصح إن كان مميزا أن يعتكف. وقوله: مسجدا، يدل على أن الاعتكاف يكون في المساجد، يكون في المساجد، كما قال الله عز وجل: ﴿وأنتم عاكفون في المساجد﴾. قال: لطاعة الله عز وجل، هذا هو المقصود من الاعتكاف، هو لزوم المسجد لطاعة الله، للصلاة، وتلاوة القرآن، وذكر الله جل وعلا. قال: ثانيا حكمه. قال: وهو سنة، وقربة إلى الله تعالى، لقوله عز وجل: ﴿أن طهر بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود﴾. وهذه الآية دليل على مشروعيته حتى في الأمم السابقة. وقوله تعالى: ﴿ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد﴾. فقوله جل وعلا: ﴿أن طهر بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود﴾ يدل على أن الاعتكاف مشروع في الأمم السابقة؛ لأن هذه الآية خطاب من الله جل وعلا إلى إبراهيم وإسماعيل، فدل ذلك على مشروعية الاعتكاف قبل هذه الأمة. وقوله جل وعلا: ﴿ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد﴾ سيأتي الكلام على هذه المسألة، وأن المعتكف لا يجوز له أن يباشر أهله. الشاهد من الآية قوله: ﴿وأنتم عاكفون في المساجد﴾، ﴿وأنتم عاكفون في المساجد﴾ يعني ملازمون للمساجد لطاعة الله جل وعلا. وهذه الجملة: ﴿وأنتم عاكفون في المساجد﴾ جملة حالية، أي حال كونكم عاكفين في المساجد، حال كونكم عاكفون في المساجد، فلا يجوز لكم أن تقربوا النساء في مثل هذه الحالة. ودلت الآية على مشروعية الاعتكاف. وعن عائشة رضي الله عنها «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله». والحديث في الصحيحين «كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله» يعني وهو ملازم للاعتكاف. وكان في أول الأمر اعتكف في العشر الأوائل، ثم اعتكف في العشر الأوسط، ثم لما أخبر أن ليلة القدر في العشر الأواخر اعتكف فيها، واستمر اعتكافه عليه الصلاة والسلام في العشر الأواخر حتى توفاه الله جل وعلا. قالوا: أجمع المسلمون على مشروعيته، وأنه سنة، أن الاعتكاف سنة ومستحب، لا يجب على المرء، إلا أن يوجبه على نفسه، كأن ينذره، يعني إذا نذر الإنسان أن يعتكف وجب عليه، إذا نذر، فقال: لله علي أن أعتكف في هذا المسجد ثلاثة أيام أو عشرة أيام، صار النذر بحقه واجبا، صار الاعتكاف في حقه واجبا بالنذر، بقول النبي عليه الصلاة والسلام: «من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصه فلا يعصه». قال: فثبتت سنية الاعتكاف ومشروعيته بالكتاب والسنة والإجماع. قال: المسألة الثانية: شروط الاعتكاف. قال: أولا: أن يكون المعتكف مسلما مميزا عاقلا، فلا يصح الاعتكاف من الكافر، ولا المجنون، ولا الصبي غير المميز. أما البلوغ والذكورية فلا يشترطان، فيصح الاعتكاف من غير البالغ إذا كان مميزا، وكذلك من الأنثى. يشترط في الاعتكاف أن يكون المعتكف مسلما، وذلك ما قلنا: أن الكافر لا يصح منه العمل والعبادة والطاعة حتى يسلم: ﴿ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون﴾. وأن يكون عاقلا، فلا يصح الاعتكاف من مجنون، ولو كان مسلما، لكنه مجنون لا عقل له، لا يصح منه الاعتكاف، كما أنه لا يصح منه سائر العبادات بسبب عدم العقل، فهو غير مكلف. وهذا أيضا: أن يكون مميزا، فإذا كان دون سن التمييز فإنه لا يصح منه الاعتكاف، كما أنه لا يصح منه فعل العبادة. وإذا كان مميزا فيصح منه الاعتكاف، يعني أراد مثلا الصبي أن يعتكف في سن العاشر أو الثاني عشر أو الثالث عشر ودون سن البلوغ، يجوز أن يعتكف. قال: أما البلوغ، الذكورية، فلا يشترطان، يعني لا يشترط في المعتكف أن يكون بالغا، لعدم وجود دليل يدل على اشتراط ذلك. وكذلك الذكورية، لا يشترط في المعتكف أن يكون ذكرا، بل الأنثى كذلك يجوز لها أن تعتكف، إذا كان هناك مسجد خاص بالنساء وأرادت أن تعتكف فيه فيجوز. «فأزواج النبي عليه الصلاة والسلام اعتكفنا حتى توفاه الله، ثم اعتكف أزواجه من بعده». ثم اعتكف أزواجه من بعده. قال: ثانيا: النية، لقوله صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات». فينوي المعتكف لزوم معتكفه قربة وتعبدا لله عز وجل. النية: يعني الاعتكاف «إنما الأعمال بالنيات». قد يجلس الإنسان في المسجد، لكن ما ينوي الاعتكاف، قد يريد أن يجلس ليستغل وقته ويحفظ صيامه، كما كان يفعل السلف رضوان الله عليهم، كما صح عن أبي هريرة رضي الله عنه «أنهم كانوا يجلسون في المسجد حفاظا على صيامهم». هل يكون بذلك معتكفا؟ لا، ما يكون معتكفا إلا إذا نوى في قلبه الاعتكاف، فينوي أن يعتكف بهذا المسجد قربة وطاعة لله جل وعلا. قال: الثالث: أن يكون الاعتكاف في مسجد، أن يكون الاعتكاف في مسجد، لقوله تعالى: ﴿وأنتم عاكفون في المساجد﴾، ولفعله صلى الله عليه وسلم حيث كان يعتكف في المسجد، ولم ينقل عنه أنه اعتكف في غيره، يعني لم يعتكف في غير المسجد، ما اعتكف في بيته ولا في مكان آخر، إنما كان يعتكف في المسجد. فيشترط لصحة الاعتكاف أن يكون في مسجد. وهل يشترط في هذا المسجد أن يكون أحد المساجد الثلاثة؟ بعض أهل العلم اشترط ذلك، واستدل بحديث حذيفة في قوله: «لا اعتكاف إلا في ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد المدينة، والمسجد الأقصى». فقالوا: لا يصح الاعتكاف إلا في أحد هذه الثلاثة المساجد. وذهب جماعة من أهل العلم، وهو أنه يجوز الاعتكاف في غير المساجد الثلاثة، يجوز الاعتكاف في غير المساجد الثلاثة، لقول الله جل وعلا: ﴿وأنتم عاكفون في المساجد﴾، وفي المساجد للعهد، أي المساجد المعهودة للصلاة، المساجد المعهودة للصلاة، فهذا يشمل كل مسجد تقام فيه الصلاة، فيجوز أن يعتكف فيه. وهذا القول هو الصحيح، أنه يجوز الاعتكاف في أي مسجد تقام فيه الصلاة. وقول حذيفة في هذا الحديث: «الاعتكاف إلا في المساجد الثلاثة»، هذا الحديث رواه البيهقي والطحاوي في مشكلة الآثار، وبعض أهل العلم تكلم فيه. وابن مسعود رضي الله عنه كان يقول لحذيفة: «لعلك أخطأت وأصاب أو ذكره ونسيت»، كأنه يهون من ذكره لهذا الحديث. وعلى كل، لو صح هذا الحديث، فيحمل على أنه لاعتكاف أكمل وأفضل إلا في المساجد الثلاثة، لاعتكاف أكمل وأفضل. ولا شك أنه لاعتكاف أكمل وأفضل إلا في المساجد الثلاثة؛ لفضل الصلاة فيها، ومضاعفة الأجور في الصلاة فيها، فلا شك أن الاعتكاف فيها سيكون أفضل؛ لمضاعفة أجور الصلاة فيها. وعلى هذا يحمل هذا الحديث: «الاعتكاف إلا في المساجد الثلاثة»، أي الاعتكاف أفضل وأكمل. وأما هل يجوز أن يعتكف في غير المساجد الثلاثة؟ فالجواب: نعم، يجوز أن يعتكف في غير المساجد الثلاثة. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.