الدرس في التعليق على مذكرة أحكام الصيام 34، ألقاها
يناقش المقطع توزيع الناس في رمضان بين الطاعات والمعاصي، حيث قسم الناس إلى أربعة أصناف مختلفة. يُظهر تنوع استغلال الناس لشهر رمضان بين الطاعات والمعاصي.
يعدد الكاتب أصنافًا من الناس يسيئون استغلال شهر رمضان، مثل من يجعلونه موسما لمضغ القات أو للتسول أو للإسراف في الأكل. هؤلاء الأصناف محرومون من الخير والأجر في هذا الشهر المبارك.
يتحدث المقطع عن أصناف من الناس في رمضان الذين يستغلون الشهر لنشر الحزبيات والبدع. هؤلاء الأصناف يعتبرون محرومين من الخير وقد يفسدون في دين الله.
أشرف أقسام الناس في رمضان هم من اتخذوه موسما للعبادة والطاعة. ختام الحديث بالصلاة على النبي وآله وصحبه.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال مؤلف -رحمه الله-: الدرس الحادي والعشرون: أقسام الناس في شهر رمضان، قال: أحد عشر قسما. القسم الأول: من يتخذ شهر رمضان موسما للعبادة، يتقرب فيه إلى الله بشتى أنواع الطاعات، فتراه سباقا إلى فعل الخيرات، واغتنام اللحظات، والتعرض للنفحات، قلبه شاكر، ولسانه ذاكر، وجوارحه مشغولة بالطاعة تلو الطاعة. فهذا الصنف جعل الدنيا وراء ظهره، وأقبل على مرضات ربه، يرجو رحمته، ويخشى عذابه. فإذا ذكر عنده رمضان، تذكر الصيام والقيام، وقراءة القرآن، والدعاء والأذكار، والبر والإحسان، وسائر الطاعات، فهبى لاغتنامها -يعني أسرع وسارع لاستغلالها بكل ما يملك-. نسأل الله تعالى أن يجعلنا من هذا القسم. فهذا الصنف أشرف الأصناف، وأفضلها، وأزكاها عند الله، وأرفعها. وهذا قسم من أراد فعل الخير، والإقبال على طاعة الله، واغتنام هذا الشهر بما يقربه إلى الله جل وعلا من أنواع الطاعات والقربات، وهو من فعل أهل الإيمان السباقين، والمسارعين إلى فعل الخير، والمتنافسين في طاعة الله سبحانه وتعالى. قال: القسم الثاني: من اتخذ شهر رمضان موسما للتجارة الدنيوية، فهو ينتظر رمضان بفارغ الصبر، لتنمو تجارته، ويعظم رصيده، وتكثر أمواله، فقد فتح أبواب تجارته على مصراعيها، فرمضان عنده فرصة ذهبية لجمع الدينار والدرهم. فإذا ذكر عنده رمضان، ذكر حصاد الأموال، وجمع الحطام الفاني، وربما لم يبالي بصلاة التراويح، ولا بصلاة التهجد، وربما انسلخ شهر رمضان، ولم يقرأ من القرآن شيئا، فضيع أنفس أوقاته، وأغلى أيامه ولياليه. فنسأل الله العافية والسلامة. هذا القسم الثاني من يتخذ رمضان موسما من مواسم التجارة، وربح الأموال، مع عدم النظر إلى استغلال هذا الشهر بطاعة الله جل وعلا، والإقبال على مرضاة الله سبحانه وتعالى. قال: القسم الثالث: من اتخذ شهر رمضان موسما لمتابعة الجديد المعروف على الدش والتلفاز والسينما، والجديد في عالم الأفلام والمسرحيات والتمثيليات والمسابقات، فتراه يتنقل من برنامج إلى آخر، ومن فيلم إلى آخر، ومن مسلسل إلى آخر، ومن مسرحية إلى أخرى، وهكذا تضيع ساعاته وأوقاته. وهذا الصنف إذا ذكر رمضان، تذكر الشاشات والفضائيات التي تقضي على الأوقات والساعات، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وهذا الصنف أيضا محروم من الخير، ومن إدراك فضيلة هذا الشهر، بل يحمل نفسه أوزارا وآثاما بسبب ما يرى وما يسمع من الأمور المحرمة. قال: القسم الرابع: من اتخذ شهر رمضان موسماً للعب الكرة -قدم وطائرة وسلة- والضمنة والكيرام والشطرنج والباصرة والتنس والنرد. فهذا الصنف إذا ذكر رمضان عنده، تذكر هذه الألعاب. قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «من لعب بالنردشير، فكأنما صبغ يده في لحم خنزير ودمه». والحديث رواه الإمام مسلم في صحيحه عن بريدة -رضي الله تعالى عنه-. والنردشير هي لعبة تلعب في الطاولة، ولها زهرتان ترمى فيها -يعني أعداد- ويلعب مثلها في بعض الأماكن، ويوجد عندنا مثلها من يلعب بها، ربما في بعض المطاهي، لكن لها اسم آخر. فالنبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: «من لعب بالنردشير، فكأنما صبغ يده في لحم خنزير ودمه». وهذا يعني إشارة إلى قبح هذا الفعل، كقبح من يضع يده في لحم الخنزير ودمه، مع نجاسته وخبثه، فيدل هذا على حرمة هذه اللعبة، وما كان مثلها مما يلعب على طاولة. وهكذا أيضا ما يلعب من اللعب واللهو الذي لا نفع فيه، لا في دين ولا في دنيا، فإنه يأخذ حكم التحريم. قال: القسم الخامس: من اتخذ شهر رمضان موسما لمضغ القات، وشرب الدخان، وشرب التنباك والجراك، ومضغ القورة، وتنبل. فقد أعد المال لشرائها، وهيأ المكان لمضغها وتدخينها، لا يقوم من مجلسه إلا عند السحر، فلا تراويح صلاها، ولا أمواله حفظها، ولا أوقاته استغلها، ولا صحته حافظ عليها. فهذا الصنف إذا ذكر عنده رمضان، تذكر السهرات والسمرات، وأوراق القات، وضيع تلك الليالي الفاضلات، فاللهم غفرانك. وهذا الصنف أيضا محروم محروم من الخير، وربما فعل ذلك في بيوت مختلفة، كل يوم عند شخص يتحمل -يعني ما سيستعمله الضيوف من قات ودخان ورشبه- إلى آخر ذلك، وهكذا اليوم الثاني عند آخر، وربما كان عند شخص واحد كل يوم يأتيه جلساء الذين يذهبون بوقته، ويضيعون ماله، من أول الليل إلى وقت السحر، وهم في مضغ للقات، وشرب للدخان، وربما في أنواع مختلفة من المعاصي والذنوب، من غيبة وكذب وغير ذلك، فضيعوا على أنفسهم خيرا عظيما، وحملوا ظهورهم أوزارا كبيرة، نسأل الله عز وجل السلامة. القسم السادس: من يتخذ شهر رمضان موسما للتسول والشحاتة، فهو يسأل الناس بكل جرأة، ويتنقل من شخص إلى آخر، ومن مكان إلى آخر، وربما لم يبالي بصلاة التراويح، وصلاة القيام. فهذا الصنف إذا ذكر عنده رمضان، تذكر جمع الأموال عن طريق الشحاتة والتسول، والله المستعان. فيتخذ رمضان شهرا للشحاتة والتسول، من محل إلى آخر، ومن تاجر إلى آخر، لجمع الأموال والتكثر بها. وهذا أمر محرم، والنبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «من سأل الناس تكثرا، فإنما يسأل جمرا، فليستقل أو ليستكثر». قال: القسم السابع: من اتخذ شهر رمضان موسما للمعاكسات، وتتبع النساء في الأسواق والمحلات والطرقات. فهذا الصنف إذا ذكر عنده رمضان، تذكر هذه الأفعال القبيحة، والخطوات الشنيعة، نسأل الله العافية والسلامة. فتجد أمثال هؤلاء في الأسواق في ليالي رمضان، وهم يسكعون في المحلات، وبين النساء، عياذا بالله. فهؤلاء أيضا محرومون من الخير. قال: القسم الثامن: من يتخذ شهر رمضان موسما للمآكل والمشارب، فهو يذهب إلى الأسواق ليجمع ما لذ وطاب، ويهيئ الموائد والأطباق، فيأكل في ليله، ويشرب بشراهة، حتى يمتلئ بطنه، ويكثر حشاؤه، ويطول شبعه. فهذا الصنف إذا ذكر عنده رمضان، تذكر الوجبات الدسمة، وصنوف الأشربة والأطعمة، اللهم إنا نسألك الهدى والتقى، والعفاف والغنى. وهذا أيضا صنف آخر من أصناف الناس في شهر رمضان، من يجعل شهر رمضان شهرا للأكل والشرب، والتنوع في ذلك، ويجعل هذا هو الأصل والأساس في هذا الشهر. وهذا أيضا صنف خاطئ، ومحروم من الأجر والثواب الذي يتحصر عليه المسلم في مثل هذا الشهر المبارك. إلا أنه إذا اتخذ ما يحتاج له، ويحتاج له أهله من طعام وشراب، من غير إسراف ولا تبذير، فهذا أمر مطلوب، والله عز وجل يقول: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾، لكن المذموم أن يتغالى في ذلك، أو يتباهى، أو يزاد عن قصد القدر الحاجة، ويجعل شهر رمضان المقصود منه هو هذا الأكل والشرب، وتنويع أنواع الأطعمة، ثم لا تجد -يعني- للطاعة إقبالا، ولا للعبادة مسابقة ومسارعة، بل تثبط وتكاسل وخمول، فهذا خلاف المقصود. قال: القسم التاسع: من يتخذ شهر رمضان موسماً للبطالة والنوم والكسل، فهو كثير النوم في ليله ونهاره. فهذا الصنف إذا ذكر عنده رمضان، تذكر النوم، فيعطيه جل أوقاته وساعاته -يعني يجعل شهر رمضان شهر النوم والكسل- ربما ما عنده عمل في رمضان، بل عنده راحة من العمل، فيجعل شهر رمضان للنوم، تجده في النهار نائم، وفي الليل ربما كذلك نائم، فلا ذكر وطاعة في نهار رمضان، ولا عبادة وصلاة في ليله، هذا أيضا محروم من الخير. قال: القسم العاشر: من يتخذ شهر رمضان موسماً لنشر الحزبيات في أوساط المسلمين، قد اتخذوا إفطار الصائم والاعتكاف ستارا لذلك، وجندوا له الشباب والصبيان، وجمعوا من أجلها المطاعم والأموال. فهذا الصنف إذا ذكر عنده رمضان، تذكر الأنشطة الحزبية، ونشرها بين الفتيان، والله المستعان. نعم، هذا أيضا من أصناف الناس في شهر رمضان، من يتخذ شهر رمضان موسماً لاستقطاب الشباب، وبث الأفكار الحزبية، والأفكار الهدامة التي تخالف الكتاب والسنة، بين شباب المسلمين، عن طريق إفطار الصائم، أو الاعتكاف، فيجمعون الشباب، ثم -يعني- يبثون فيهم الأفكار المنحرفة، كأفكار الخوارج، من تكفير الحكام، وتكفير المسلمين بالكبائر، والخروج على أولاة الأمر، وإظهار أن المجتمعات مجتمعات كفرية، وأنها بعيدة عن الإسلام، ونحو ذلك من هذه الأفكار، فما ينتهي رمضان إلا وخرج من كان معتكفا، يرى أن جميع من في المجتمع كافر، وأنه ليس هناك من المسلمين إلا من كان على شاكلته، ومن كان مثله، فما ترى إلا أياما يسيرة، وإذ به ينخرط في تلك المناهج المنحرفة، والتكفيرية، التي تكفر المسلمين، وتستحل دماءهم، أو ربما حمل بعض الأفكار الحزبية التي -يعني- تخالف منهج أهل السنة والجماعة، بسبب ما قد بث في أذنيه، وما سمعه في خلال اعتكافه في هذا الشهر المبارك. قال: القسم الحادي عشر: من اتخذ شهر رمضان موسماً لنشر البدع والخرافات والضلالات، فهم يرفعون أصواتهم بالصياح، والأذكار الجماعية، والدعاء الجماعي، ولا يتخذون بدليل، نسأل الله أن يرزقنا اتباع السنة في الأقوال والأعمال. فهذا الصنف إذا ذكر عنده رمضان، تذكر نشر البدع، والصياح بالأذكار الجماعية، والأدعية الجماعية، وتوزيع السبح، والاحتفال بالموالد، إلى غير ذلك من البدع والمخالفات، فيجعلون شهر رمضان شهر البدع والمحدثات، إما بكثرة ما قال -رحمه الله- برفع الأصوات في الأذكار، سواء كان ذلك بعد الصلوات، أو كان ذلك قبل الصلوات، وبعد الأذان، أو كان بما يفعل ما يسمى بالختاميات التي تفعل في العشر الأواخر من رمضان، تجدهم يطبلون، ويصفقون، ويرخصون في بيوت الله جل وعلا، كل هذه الأعمال أعمال قبيحة، وبدع محدثة، ليست من دين الله جل وعلا في شيء. قال: فهذان القسمان الأخيران من أخبث الأقسام، لماذا؟ لأن البدع أخبث، وأشد ضررا وإفسادا من المعاصي، البدع أشد ماذا ضررا من المعصية؟ صاحب المعصية يعلم أنه على باطل، وأنه على خطأ، إذا ذكرته يقول: صح، أنا على -يعني- أمر محرم، أسأل الله أن يهديني، ونحو ذلك، لكن صاحب البدع يعتقد أنه على صواب، وأنه على دين، وأنه على هدى، فهو يفسد في دين الله جل وعلا، ويميت السنن، ويحيي البدع، باسم أنها من الدين، فشره أعظم، فشره أعظم، وفساده أكبر، فلذلك كان شر صاحب البدع أشد من صاحب المعصية. قال: نسأل الله العافية والسلامة. فهذه إحدى عشر قسما من أقسام الناس في شهر رمضان، وأشرف هذه الأقسام -كما سمعنا- من اتخذ شهر رمضان موسما للعبادة والطاعة، والتزود من فعل الخير، والإقبال على طاعة الله جل وعلا، نسأل الله عز وجل اجعلنا وإياكم منهم. إلى هنا. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.