الدرس في كتاب الحج 16، ألقاها
العقيقة هي الذبيحة التي تقدم للمولود يوم سابعه عند حلق شعره، وهي سنة مؤكدة كما دلت على ذلك الأحاديث النبوية. جمهور أهل العلم استحبوا العقيقة لما ورد في الأحاديث النبوية من الأمر بها.
يستحب أن يعق عن المولود في اليوم السابع من ولادته، ويجوز حتى بلوغه مع جواز التعجيل أو التأجيل إذا فات اليوم السابع. هناك أحكام خاصة للمولود الذي يسقط قبل أو بعد نفخ الروح.
يُسن ذبح شاتين عن الغلام وشاة عن الجارية، وهو قول الجمهور، بينما يرى الإمام مالك الاكتفاء بشاة واحدة لكل منهما. يُستحب تكافؤ الشاتين في السن والحجم والسمن.
إذا لم يتيسر للشخص إلا شاة واحدة عن الغلام، فيجوز ذبحها وتجزئ، ويُستحب الاقتصاد في الأضحية إذا لم تتوفر الإمكانات للذبح عن كل فرد.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، وصلنا إلى كتاب الفقه الميسر، أو انتهينا من آخر درس من كتاب الحج. الآن نبدأ في الباب السابع في العقيقة. قال المؤلف -فقهه الله- الباب السابع في العقيقة، وفيه مسائل. المسألة الأولى: تعريف العقيقة وحكمها ووقتها. قال: أولا تعريف العقيقة، العقيقة لغة مشتقة من العق وهو القطع. وهي تطلق في الأصل على الشعر الذي يكون على رأس المولود حين الولادة. تطلق العقيقة في الأصل على الشعر الذي يكون على رأس المولود. قال: وشرعا ما يذبح للمولود يوم سابعه عند حلق شعره. ما يذبح للمولود يوم سابعه عند حلق شعره، لأنه سيأتي معنا أنه يستحب حلق شعر المولود في اليوم السابع من ولادته، وكذلك أيضا يستحب أن يعق عنه في اليوم السابع. قال: وهي من حق الولد على والده، يعني أن يعق عنه. أن يعق الوالد عن ولده بأن يذبح في اليوم السابع من ولادته شاتين للذكر، وشاة عن الأنثى. قال: ثانيا حكم العقيقة، قال: العقيقة سنة مؤكدة، لحديث سلمان بن عامر الضبي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «مع الغلام عقيقته، فأهريقوا عنه دمًا، وأميطوا عنه الأذى». والحديث أخرجه البخاري. أهريقوا عنه دمًا يعني اذبحوا عنده ولادته، وأميطوا عنه الأذى يعني حلق رأسه. قال: ولحديث سمرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كل غلام رهينة بعقيقته، تذبح عنه يوم سابعه، ويسمى، ويحلق رأسه». الحديث رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وغيرهم، وصححه الألباني رحمه الله. وهو من طريق الحسن عن سمرة، وهو الحديث الذي يعبر عنه المحدثون بقولهم سمع الحسن من سمرة حديث العقيقة. وهذا الحديث وبعض أهل العلم يرى أن الحسن لم يسمع من سمرة إلا هذا الحديث. وقوله عليه الصلاة والسلام: «كل غلام رهينة بعقيقته». قال بعض أهل العلم: معنى رهينة في عقيقته أن العقيقة لازمة، لابد منها، فشبه في لزومها وعدم فكاكها بالرهن في يد المرتهن. شبه لزومها بالرهن في يد المرتهن. فقال: «كل غلام رهينة بعقيقته». والإمام أحمد رحمه الله يقول: المراد بقوله: «رهينة بعقيقته» يعني فيما يتعلق بأمر الشفاعة، فإنه إذا مات أي المولود ولم يعق عنه والده وكان طفلا لم يشفع في والديه. قال الخطابي رحمه الله: وهذا أجود ما قيل، يعني في معنى هذا الحديث، أن كل غلام رهينة بعقيقته، أنه رهين ومحبوس عن الشفاعة لوالديه إلا إذا عق عنه. قال: ولحديث عبد الله بن عمر بن العاص رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من ولد له ولد فأحب أن ينسك عنه فلينسك». ومعنى ينسك يذبح. والحديث رواه أبو داود، والنسائي، وأحمد، وصححه الألباني رحمه الله. هذه الأحاديث استدل بها جمهور أهل العلم على استحباب العقيقة وأنها مستحبة وسنة مؤكدة. جاء فيها الأمر، لكن هذا الأمر على جهة الاستحباب، لقوله عليه الصلاة والسلام: «من ولد له ولد فأحب أن ينسك فلينسك»، فعلق أن نسك عنه برغبة الوالد وإرادته ومحبته لذلك. وهذا كما سمعنا قول جمهور أهل العلم. بل قال ابن بطال رحمه الله: لا أعلم أحدا من الأئمة أو فقهاء الأمة إلا الحسن البصري فمنهم من ذهب إلى الوجوب. وجمهور العلماء على الاستحباب. وهناك قول أبي حنيفة: أنها بدعة، وهذا قول لا شك أنه بعيد عن الصواب، والصواب أنها مستحبة. ومن تيسر له يعني العق عن ولده فينبغي أن يحرص على ذلك. قال: ثالثا وقت العقيقة، قال: يدخل وقت جواز ذبح العقيقة بانفصال جميع المولود من بطن أمه، ويستمر وقت الاستحباب إلى البلوغ، إلا أنه يسن أن يعق عنه يوم السابع من ولادته، لحديث سمرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الغلام مرتهن بعقيقته، تذبح عنه يوم السابع، ويسمى، ويحلق رأسه». يقول: وقت الجواز بانفصال جميع المولود من بطن أمه، يعني إذا خرج المولود خروجا كاملا وانفصل من أمه، هنا يجوز أن يعق عنه ولو في أول يوم. لو أراد مثلا أن يعق عنه في أول يوم يجوز. وهذا الوقت وقت جواز العقيقة مستمر إلى البلوغ، إلى قبل البلوغ. لكن المستحب أن يعق عنه في اليوم السابع. المستحب أن يعق عنه في اليوم السابع لحديث سمرة، قال: «تذبح عنه يوم سابعه، ويسمى، ويحلق رأسه». تذبح عنه يوم سابعه هذا يدل على استحباب الذبح عنه في اليوم السابع من ولادته، هذا هو المستحب. واليوم الذي يولد فيه محسوب. اليوم الذي يولد فيه يحسب من ضمن الأيام السبعة. فإذا ولد مثلا يوم السبت فإنه يعق عنه في يوم الجمعة. يعق عنه في يوم الجمعة. وإذا ولد يوم الخميس فيعق عنه يوم الأربعاء وهكذا. وذكر بعض العلماء حكمة من استحباب العقيقة عنه في اليوم السابع، قالوا: لأن السبع الأيام تختم به أيام السنة. تختم به أيام السنة. فمرور أيام السنة يتفاءل أن يبقى ويطول عمره. يتفاءل أن يطول عمره. طيب هذا على جهة الاستحباب، وسمعنا أنه يجوز إلى قبل البلوغ. فمثلا إنسان ورد له مولود فما تيسر أن يعق عنه في اليوم السابع، فلا يؤخرها حتى إذا تيسر له ذلك عق عنه ولو كان ذلك بعد أشهر أو سنين من ولادته. طيب وإذا بلغ، إذا بلغ هنا سقطت العقيقة عن الوالد. إذا بلغ فانتهى وقت جواز العقيقة. لكن كما ذكر العلماء أنه إذا أراد أن يعق عن نفسه فله أن يفعل ذلك. له أن يفعل ذلك. يعني إذا بلغ وعلم أن والده لم يعق عنه وأراد أن يعق عن نفسه فلا بأس أن يفعل ذلك كما هو في مذهب الإمام أحمد والشافعي. وجاء في حديث بريدة عند البيهقي أنه إذا فات الذبح عنه في اليوم السابع فإنه يذبح عنه في اليوم الرابع عشر، يعني على دور الأسبوع. فإن فاته في اليوم الرابع عشر ففي اليوم الحادي والعشرين. لكن هذا الحديث فيه ضعف. وهذا الأمر فيه واسع، متى ما تيسر عق عنه. طيب إذا خرج المولود قبل نفخ الروح، إذا خرج قبل نفخ الروح يعني سقط. سقط قبل أن ينفخ فيه الروح، فهذا لا يعق عنه. وإذا خرج بعد نفخ الروح يعني بعد مئة وعشرين يوما، الشهر مثلا الخامس أو السادس أو السابع خرج، فهل يعق عنه أم لا؟ فإذا خرج ففيه قولان لأهل العلم بعد نفخ الروح فيه قولان لأهل العلم. إذا خرج حيا، إذا خرج حيا ومات قبل اليوم السابع. خرج حيا ومات قبل اليوم السابع، يعني في اليوم الأول أو الثاني أو الثالث قبل اليوم السابع، هذا أيضا فيه قولان لأهل العلم. القول الأول بأنه يعق عنه، والقول الثاني بأنه لا يعق عنه. والقول بأنه يعق عنه أقوى. مادام أنه خرج حيا وعاش يعني أياما فإنه يعق عنه. طيب وإذا بقي إلى اليوم السابع، عاش إلى أن بلغ اليوم السابع ثم مات في اليوم الثامن، مات في اليوم الثامن فهذا يعق عنه قولا واحدا. يعني بلا خلاف، إذا عاش إلى اليوم السابع فهذا يعق عنه. الخلاف إذا مات قبل اليوم السابع هل يعق عنه أو لا؟ قولان لأهل العلم، والقول بالعق أقوى. إذا خرج ميتا لا يعق عنه. إذا خرج ميتا لا يعق عنه بعد نفخ الروح، لكن خرج ميتا الصحيح أنه لا يعق عنه. فيه قولان لأهل العلم، لكن إذا خرج حيا ومات قبل السابع هذا يعق عنه. أما إذا خرج مباشرة ميتا فهذا لا يعق عنه. قال: المسألة الثانية: مقدار ما يذبح في العقيقة، قال: يسن أن يذبح عن الغلام شاتان، وعن الجارية شاة، لحديث أم كرز الكعبية رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «عن الغلام شاتان متكافئتان، وعن الجارية شاة». الحديث رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وصححه الألباني رحمه الله في صحيح النسائي. عن الغلام شاتان متكافئتان، ومعنى متكافئتان يعني متقاربتان في السن، وفي الحجم، وفي الشبه، وفي السمن. وأشياء في اللغة وفي الشرع تطلق على الذكر والأنثى. تطلق على الذكر والأنثى. طيب ليست يعني كاستعمالها في العرف أنها تستعمل في الأنثى من المعز. فاللغة أعم من العرف، فسواء كانت ذكرا أو كانت أنثى فإنه يجزئ. ويستحب أن تكون متكافئة يعني كما سمعنا متقاربة في السن، وفي السمن، وفي الحجم. فعن الغلام يعني الذكر المولود الذكر يذبح عنه شاتان. وإذا كانت أنثى وهي الجارية تطلق على الأنثى الصغيرة يذبح عنها شاة يعني واحدة. فإذا لم يجد إلا واحدة عن الغلام ذبحها عنه. إذا لم يجد إلا واحدة ذبحها عنه، لأن الله عز وجل يقول: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾. فإذا كان هذا الذي يتيسر عنده الذي يستطيعه فيذبحها. طيب هذا القول بأن على الغلام شاتين وعن الجارية شاة هو قول الجمهور، لما في هذا الحديث فهو صريح بأن الذكر يذبح عنه شاتان والجارية تذبح عنها شاة. وقال الإمام مالك رحمه الله: تذبح شاة واحدة عن الغلام وعن الجارية. يعني على الغلام شاة وعلى الجارية شاة. واستدل بحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وفيه ذكر الشاة أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر شاة ولم يذكر شاتين. وأيضا بحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم عق عن الحسن والحسين كبشا كبشا. فاستدلوا به على أنه يذبح عنه شاة وعلى الجارية شاة. لكن الصحيح كما سمعنا وهو قول الجمهور أنه على الغلام شاتان وعلى الجارية شاة. وحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم ذبح عن الحسن والحسين كبشا كبشا، فالمراد أنه ذبح عنهما كبشين أو ربما ذبح عن كل واحد كبشا وكان ذلك المتيسر. وهذا فعل. وحديث أم كرز الكعبية هو قول وهو صريح في التفريق بين الجارية والغلام بأن على الغلام شاتين وعلى الجارية شاة. طيب هذا هو الصحيح. وذكر الشاة لا ينفي ذكر الشاتين، يعني ابن عباس كونه ذكر شاة لا ينفي أنه يذبح عن الغلام شاتين كما هو مصرح به في هذا الحديث. فالخلاصة أن الصحيح وقول الجمهور لدلالة هذا الحديث على التفريق بين الغلام والجارية. فإن لم يتيسر للإنسان إلا شاة واحدة عن الغلام ذبح عنه وأجزأت. طيب نكتفي بهذا القدر إلى هنا. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.