التعليق على مقدمة سنن الدارمي 11

الدرس في التعليق على مقدمة سنن الدارمي 11، ألقاها

بركة طعام النبي في غزوة الخندق

يذكر الإمام الدارمي في سننه بابا عن بركة طعام النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة الخندق، حيث كان طعامه القليل يكفي عددا كبيرا من الناس ببركة دعاءه. يروي جابر بن عبد الله قصة عن إطعام النبي صلى الله عليه وسلم عددا كبيرا من الصحابة من طعام قليل.

كرامات الصحابة في إطعام الجيش

يروي جابر بن عبد الله وأنس بن مالك كيف بارك الله في طعام قليل كان يكفي لعدد كبير من الناس أثناء غزوة الخندق. تمثلت البركة في كفاية الطعام للجميع رغم قلته بفضل دعاء النبي صلى الله عليه وسلم.

دلائل نبوة النبي من بركة طعامه

تكررت بركة الطعام مع النبي صلى الله عليه وسلم في مناسبات متعددة، حيث أكل هو وأهله وعدد كبير من الصحابة من طعام قليل. هذا يدل على كرامة النبي وبركة طعامه، ويشهد على نبوة النبي صلى الله عليه وسلم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام الدارمي رحمه الله في مقدمة سننه: باب ما أكرم به النبي صلى الله عليه وسلم في بركة طعامه. سيذكر في هذا الباب بعضا مما ورده عن النبي عليه الصلاة والسلام من البركة في تكثير الطعام، حيث إن الطعام القليل يكفي المئات من الناس. وهذا لا شك أنه شيء خارج عن المعتاد والمعروف أن طعام الخمسة أو العشرة لا يكفي فوق المئة أو المئة من الناس، لكن جرى هذا للنبي عليه الصلاة والسلام أن يدعو في الطعام فيكفي الفئة الكثيرة من الناس، وهذا من دلائل نبوته عليه الصلاة والسلام وصدق رسالته، أن جعل الله عز وجل البركة في طعامه. قال رحمه الله: أخبرنا عبد الله بن عمر بن أبان، قال: حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي وعبد الله بن محمد المحاربي -مدلس- قال عن عبد الواحد بن أيمن المكي عن أبيه، قال: قلت لجابر بن عبد الله: حدثني بحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعته منه أرويه عنك. فقال جابر: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الخندق نحفره، فلبثنا ثلاثة أيام لا نطعم طعاما ولا نقدر عليه -يعني لا نقدر على الطعام لعدم وجوده-. وكان ذلك عند حفر الخندق في غزوة الخندق، كان قبل الغزوة حين بلغ النبي عليه الصلاة والسلام أن الأحزاب من المشركين وأعوانهم يريدون غزوة المدينة، وهي المسمى بغزوة الأحزاب، فأشار سلمان الفارسي رضي الله عنه للنبي عليه الصلاة والسلام بحفر الخندق حتى يكون مانعا من وصولهم إلى المدينة، فحفروا الخندق وأصابهم -يعني مجاعة وقلة في الطعام- حتى إنهم لبثوا ثلاثة أيام لا يطعمون طعاما. قال: فعرضت في الخندق كدية -يعني صخرة صلبة موضع صلب- قال: فجئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، هذه كدية قد عرضت في الخندق. فرششن عليها الماء، فقام النبي صلى الله عليه وسلم وبطنه معصوب بحجر -النبي صلى الله عليه وسلم عصب بطنه بحجر من شدة الجوع، وهذا يفعلونه عند الجوع؛ لأنه يخفف شيئا ما من الجوع إذ يضيق على المعدة-. قال: فأخذ المعول أو المسحاة، ثم سمى ثلاثا، ثم ضرب، فعادت كثيبا أهيل -يعني عادت هذه الصخرة ترابا بضربة النبي عليه الصلاة والسلام ضربها ضربة واحدة- قال: فلما رأيت ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: يا رسول الله، إئذن لي. قال: فأذن لي، فجئت امرأتي. قلت: ثكلتك أمك -ومعنى ثكلتك أمك: فقذتك أمك، وهذه كلمة تقولها العرب ولا تريد معناها وحقيقتها، وإنما تقال -يعني من باب المعاتبة-. قال: قد رأيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا لا صبر لي عليه، فهل عندك من شيء؟ فقالت: عندي صاع من شعير وعناق -الصاع من شعير: الصاع من الشعير ملء أربعة أمداد من كفي الرجل المعتدل، الصاع أربعة أمداد، المد من كفي الرجل المعتدل أربعة مرات من الكف، صاع، وليس من بر، من شعير، وهو من أدنى -يعني أنواع الحبوب- الشعير، اليوم ما يأكل أحد من الناس إلا في النادر، الغالب أنه يعطى للأغنام والبهائم، وكانوا في السابق يأكلونه. وعناق: وهي البهيم الصغيرة، الغنمة الصغيرة. قالت: قال: فطحن الشعير وذبحن العناق وسلختها وجعلتها في البرمة وعجنت الشعير، ثم رجعت إلى النبي صلى الله عليه وسلم -البرمة: يعني الطسط الذي يوضع فيه اللحم- قال: ثم رجعت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فلبثت ساعة، ثم استأذنته الثانية فأذن لي، فجيت، فإذا العجين قد أمكن، فأمردها بالخبز وجعلت القدر على الأثافي. قال أبو عبد الرحمن: إنما هي الأثافي، ولكن هكذا قال -الأثافي: الحجر الثلاث التي توضع ويوضع عليها القدر، نحن نسميها الوقيد، الوقود، نسمي الوقيد، الوقيد إذا تفعل ثلاثة أحجار، ثم تضع الحطب من تحتها وتوضع القدر فوق هذه الثلاثة الأحجار-. قال: قال: ثم جيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: إن عندنا تعيما لنا -تعيم: تصغير طعام- قال: ذلك لأن الطعام قليل والمسلمون الذين يحفرون الخندق كثير. قال: فإن رأيت أن تقوم معي أنت ورجل أو رجلان معك. فقال: وكم هو؟ قلت: صاع من شعير وعناق. قال: ارجع إلى أهلك وقل لها: لا تنزع القدر من الأثافي -يعني تبقي القدر في محله في الوقيد-. قال: ولا تخرج الخبزة من التنور حتى آتي. قال: ثم قال للناس: قوموا إلى بيت جابر -يعني دعا النبي صلى الله عليه وسلم جميع من في الخندق- قال: فاستحييت حياء لا يعلمه إلا الله، لماذا؟ لأنه يعلم أن هذا الطعام ما يكفيهم في العادة، صاع من شعير وعناق -يعني غنم صغيرة- معسى أن تكفي هؤلاء الناس. قال: فقلت لمرأتي: ثكلتك أمك، قد جاءك رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحابه أجمعين. فقالت: أكان النبي صلى الله عليه وسلم سألك كم الطعام؟ قلت: نعم. فقالت: الله ورسول أعلم -وهذا من يعني فطنتها وذكائها وقوة إيمانها أنها تعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا سأل عن الطعام وهو يعلم أن الطعام بهذا القدر وهو قليل، ومع ذلك دعا الجميع، فلا شك أن الله عز وجل سيجعل البركة في هذا الطعام-. قال: قد أخبرته بما كان عندنا. قال: فذهب عني بعض ما كنت أجده -هذا كلام كلام زوجي أجابر، لما يعني أخبرته وسألته هل سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن قدر الطعام، فقال: نعم. فقالت: الله ورسول أعلم، أذهب عنه شيء من الخوف الذي كان في نفسه من أن الطعام لا يكفي جميع أهل الخندق-. قال: وقلت: لقد صدقتي. فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فدخل، ثم قال لأصحابه: لا تضاغطوا -يعني لا تزدحموا- ثم برك على التنور وعلى البرمة -بركة: أي دعا بالبركة، دعا بالبركة على التنور الذي يخبز فيه وعلى البرمة التي فيها اللحم-. قال: ثم جعلنا ناقذ من التنور الخبزة ونأخذ اللحم من البرمة فنثرد ونغريف لهم -والثريد هو الخبز مع اللحم، يعني يفت الخبز ثم يوضع عليه المرق واللحم ويوكل، ويعتبر الثريد من يعني أشهى الأكلات في ذلك الوقت، ولزال عند البدو يحبون هذه الأكلة، أكلة الثريد، وهي لذيذة، وهي أيضا لذيذة كما قد ذقناها-. فكان النبي عليه الصلاة والسلام ومن معه يثردون الخبز باللحم، ثم يقدمونه لأهل الخندق، ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم لما أراد أن يبين شيئا من فضل عائشة قال: فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام -كفضل الثريد على سائر الطعام؛ لأن الثريد يعتبر من أحسن الأطعمة-. قال: ثم قال: وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ليجلس على الصحفة سبعة أو ثمانية -يعني يتحلقون سبعة أو ثمانية في الحلقة- قال: فإذا أكلوا كشفنا عن التنور وكشفنا عن البرمة، فإذا هما أملأ ما كانا -يعني ما نقص منهم شيء، يطعمون السبعة أو الثمانية فينظرون، فإذا الطعام كأنه لم يأخذ منه شيء-. قال: فإذا أكلوا كشفنا عن التنور وكشفنا عن البرمة، فما إذا هما أملأ ما كانا، فلم نزل نفعل ذلك كلما فتحنا التنور وكشفنا عن البرمة وجدناهما أملأ ما كانا حتى شبع المسلمون كلهم. قالوا: بقي طائفة من الطعام -يعني أكل الجميع وزاد، وزاد بعض الطعام-. قال: وجدنا، وقال لنا: وبقي طائفة من الطعام، فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الناس إن الناس قد أصابتهم مخمصة، فكلوا وأطعموا. فلم نزل يومنا ذلك نأكل ونطعم. قال: وأخبرني أنهم كانوا ثمانمائة أو قال: ثلاثمائة -قال: أي من لا أدري أيهما-. قال: وهذا الحديث بهذا السند فيه ضعف، لكن أصله صحيح، وقد ورد نحوه أو أكثره في حديث جابر في صحيح الإمام مسلم، ورد في صحيح الإمام مسلم، فهو صحيح. وانظر إلى كثرة العدد، يعينوا هنا شك: هل هم ثمانمائة أو ثلاثمائة؟ وجاء في رواية في الصحيح بأنهم ثمانمائة، ثمانمائة شخص يأكلون صاعا من شعير وعناق، هذا في العادة ما يقع، ما يمكن أن يأكل ثلاثمائة أو ثمانمائة صاعا من شعير وغنم صغيرة، لكن ببركة دعاء النبي عليه الصلاة والسلام حين دعا للطعام أكل هؤلاء كلهم، بل وزاد، وزاد ما زاد من الطعام. قال: وأخبرنا زكريا بن عدي، قال: حدثنا عبيد الله وابن عمر عن عبد الملك بن عمير عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أنس بن مالك، قال: أمر أبو طلحة أم سليم -أبو طلحة اسمه زيد، وكان يحب الصيد، ويقول: أنا أبو طلحة واسمي زيد، كل يوم في شباكي صيد-. قال: أم سليم أن تجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم طعاما يأكل منه. قال: ثم بعثني أبو طلحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتيت، فقلت: بعثني إليك أبو طلحة، فقال للقوم: قوموا -أيضا هذا كان في الخندق عند حفر الخندق-. قال: فانطلق وانطلق القوم معه. قال أبو طلحة: يا رسول الله، إنما صنعت طعاما لنفسك خاصة -يعني صنعت طعام قليل يكفيك أنت- قال: قال: لا عليك -النبي صلى الله عليه وسلم يقول: يا أبي طلحة لا عليك، لا تهتم- انطلق. قال: فانطلق وانطلق القوم، فجيء بالطعام، فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده وسمى عليه -أي سمى على هذا الطعام، ذكر اسم الله عليه- ثم قال: إذن لعشرة. قال: فأذن لهم، فقال: كلوا بسم الله. قال: فأكلوا حتى شبعوا، ثم قاموا. قال: ثم وضع يده كما صنع في المرة الأولى وسمى عليه، ثم قال: إذن لعشرة، فأذن لهم، فقال: كلوا بسم الله، فأكلوا حتى شبعوا، ثم قاموا، حتى فعل ذلك بثمانين رجلا -يعني يدخل عشرة ويخرج عشرة حتى أكل ثمانون رجلا-. قال: فأكل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهلوا البيت، وتركوا سؤرا -سؤرا: يعني فضلا وزيادة- هذا طعام واحد، جابر يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: إنما صنعت لك طعاما للنبي صلى الله عليه وسلم، وربما يكفي اثنان أو ثلاثة، فأكل هؤلاء الثمانون كلهم من هذا الطعام القليل ببركة دعاء النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا الحديث في الصحيحين. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على نبينا محمد، آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على