التعليق على مقدمة سنن الدارمي 37

الدرس في التعليق على مقدمة سنن الدارمي 37، ألقاها

خطورة الفتيا بدون علم وتأهيل

يتناول هذا الفصل خطورة الفتيا بدون علم وتأهيل، حيث يحذر من أن يفتي الشخص بدون علم، ويبين أن المفتي يحلل ويحرم، ويجب أن يكون عنده علم بذلك. الفتيا بغير علم تعتبر كبيرة من كبائر الذنوب وهي القول على الله بلا علم.

تحذير المفتي من الفتيا بغير علم وتثبت ومسؤوليته

يناقش هذا الفصل خطورة الفتيا بغير علم وتثبت، ويستدل بآثار وحديث نبوي على أن المفتي بغير علم يكون آثمًا. كما يبين أن من أفتى بغير تثبت يكون سببًا في ضلال الآخرين ووقوعهم في المحرمات، ويجب على المفتي أن يتثبت قبل الإجابة.

مسؤولية السائل والمفتي في الفتيا واستشارة الصحابة

يجب على السائل أن يتحرى فيمن يسأل عن الفتيا، فلا يسأل إلا من هو أهل لذلك، وإلا شارك المفتي في الإثم إذا أجاب بغير علم. كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يستشير الصحابة في القضايا الغير واضحة الدليل لاتخاذ القرار المناسب بناءً على الأدلة والعمومات المتاحة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام الدارمي رحمه الله في مقدمة سننه: باب الفتيا وما فيه من الشدة. قال رحمه الله: أخبرنا إبراهيم بن موسى، قال: حدثنا ابن المبارك وعبد الله عن سعيد بن أبي أيوب عن عبيد الله بن أبي جعفر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أجرأكم على الفتيا أجرأكم على النار». هذا الباب ترجمه رحمه الله بقوله: باب الفتيا وما فيه من الشدة، يعني ما ورد في التشديد فيها، وبيان عظيم خطرها، وأنه لا ينبغي أن يتصدر المرء للفتيا إلا إذا كان أهلا لذلك، وذلك بتزكية أهل العلم له، أو كذلك أيضا إذا طلب العلم وتأهل لذلك، واحتاج الناس إلى سؤاله، ورأى عنده من العلم ما يؤهله لذلك، فلا بأس أن يفتي بما يعلم من كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، وخاصة إذا لم يكن في البلد غيره، قد يتعين عليه أن يجيب الناس على حسب علمه، على حسب ما أتاه الله جل وعلا من علم. أما إذا كان ما عنده أهلية، ويعرف ضعفه في العلوم الشرعية، فلا يجيب، وإن سأله أحد، أحال إلى من هو أعلم منه. ولا يوقع نفسه في باب الفتيا وهو ليس مؤهلا لذلك، فالأمر خطير؛ إذ أن المفتي بفتياه يحلل ويحرم، عندما يقول: هذا حلال، وهذا حرام، لا بد أن يكون عنده علم بذلك، وإلا ربما أحل ما حرم الله، وحرم ما أحل الله، ويكون قائلا على الله بلا علم، وهذه كبيرة من كبائر الذنوب، وأن تقول على الله ما لا تعلمون. وهكذا أيضا يقول الله جل وعلا: ﴿قل إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون﴾، فيكون بذلك مفتريا على الله الكذب، بأن الله أحل هذا، وأن الله حرم هذا، والأمر على خلاف ذلك، فالأمر خطير. ذكر رحمه الله في هذا الباب بعض الأحاديث، وعدة آثار، ذكر في أولها هذا الحديث: «أجرأكم على الفتيا أجرأكم على النار». وهذا الحديث ضعيف، بل هو معضل، كما قال الشيخ الألباني رحمه الله في «الضعيفة»، فعبيد الله بن أبي جعفر هذا من أتباع التابعين، وهو يروي هنا عن النبي عليه الصلاة والسلام، وبينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم اثنان أو أكثر، فلا يصح هذا الحديث. قال رحمه الله: أخبرنا أبو المغيرة، قال: حدثنا الأوزاعي - وهو عبد الرحمن بن عمرو - عن عبدة بن أبي لبابة - وهو أبو القاسم الأسدي، أحد الأئمة - عن ابن عباس، قال: «من أحدث رأيا ليس في كتاب الله، ولم تمض به سنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يدري على ما هو منه إذا لقي الله عز وجل». الأثر صحيح إلى عبدة بن أبي لبابة، يعني السند صحيح إلى عبدة، لكن الذين ترجموا لعبدة بن أبي لبابة ما ذكروا له رواية عن ابن عباس، وإنما ذكروا له رواية عن ابن عمر، ثم عن جملة من التابعين وأتباع التابعين، فيتوقف صحة هذا الأثر على سماع عبدة من ابن عباس، لكن معنى الأثر صحيح. من أحدث رأيا ليس في كتاب الله، ولم تمض به سنة رسول الله، لم يدع ما هو منه، يعني إذا أحدث رأيا، وقال قولا لم يدل عليه دليل في كتاب الله، ولا في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، فهذا القول إذا لقي الله سبحانه وتعالى، لم يدرع ما هو منه، يعني ماذا سيكون مآله، وماذا سيكون مصيره بهذا القول الذي قاله، وليس له مستند من كتاب أو سنة. قال: أخبرنا عبد الله بن يزيد، قال: حدثنا سعيد بن أبي أيوب، قال: حدثني بكر بن عمر المعافري، عن أبي عثمان مسلم بن يسار، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «من أفتي بفتيا من غير ثبت، فإنما إثمه على من أفتاه». هذا الحديث رواه كذلك الإمام البخاري في «الأدب المفرد»، وفيه ضعف، ورواه أبو داود من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وهو حسن، قد حسن العلامة الألباني رحمه الله في «صحيح الجامع»، وأيضا في «صحيح سنن أبي داود». قال: «من أفتاه بفتيا من غير ثبت، فإنما إثمه على من أفتاه». من غير ثبت، يعني من غير تثبت، من غير تثبت أفتى، أو غير متأكد من الجواب، أو ما عنده علم بما أفتى به، قال: «إنما إثمه على من أفتاه»، يعني هذا المفتي الذي أفتى بلا علم، غير تثبت، آثم على ما أفتى به، فإنما إثمه على من أفتاه، فهذا دليل على أن من أفتى بغير تثبت، بغير علم، فهو آثم. لماذا آثم؟ لأنه أولا تقول على الله بلا علم، قال على الله بلا علم، قال: هذا حلال، أو هذا حرام، أو هذا جائز، أو هذا ممنوع، وليس عنده في هذا علم. الأمر الثاني: أنه بهذه الفتيا سيعمل هذا المفتي، أو السائل بفتياه سيعمل بما قال له، وربما فعل حراما، أو ترك واجبا، والسبب هو هذا المفتي، فهو سبب في ضلاله، وفي وقوعه في هذا المحرم، فيكون له نصيب من الإثم؛ لأنه تسبب في ذلك. وهكذا أيضا تجرؤه على الفتيا بلا دليل من كتاب أو سنة، وعدم تثبت في ذلك، فكل هذا من أسباب وقوعه في الإثم. وبالنسبة للسائل: هل السائل له نصيب من الإثم، أو أنه لا إثم عليه مطلقا؟ الجواب: إن كان الذي سأله، وطلب منه الفتيا ممن يعلم، يعني أنه أهل لذلك، يسأله الناس، وعرف بالعلم، ونحو ذلك، فليس عليه شيء، إذا سأله وأجاب المفتي بغير علم وبغير تثبت، فالسائل هذا ليس عليه شيء. وأما إن كان يعلم أنه ليس بأهل للفتيا، فسأله لعله يجد عنده رخصة، أو شيء من ذلك، فهو كذلك مشارك له في الإثم، فهو مشارك له في الإثم؛ إذ أن السائل ينبغي أن يتحرى في دينه، يتحرى في دينه، وينظر من هو الأعلم والأورع، الذي هو أهل أن يسأل، فيسأله، أما أن يسأل من هب ودب، يسأل من هب ودب، فهذا تفريط منه، فيكون له نصيب من الإثم. قال رحمه الله: وأخبرنا محمد بن أحمد، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن أبي سنان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: «من أفتى بفتيا يعمي عليها، فإثمها عليه». وهذا الأثر فيه ضعف، لكن له شواهد، أثر ابن عباس صحيح. نعم، قال: «من أفتى بفتيا يعمي عليها، فإثمها عليه». وهذا أيضا فيه معنى الحديث المتقدم: «من أفتى بفتيا من غير ثبت، فإنما إثمه على من أفتاه». يعني أفتى بفتيا وهو لا علم له فيها، ما عنده علم بهذه الفتيا، فإثمها عليه، أي على المفتي، إثمها على المفتي، وهي على نحو التفصيل المذكور في الحديث الذي قبله. قال رحمه الله: أخبرنا محمد بن الصلت، قال: حدثنا زهير، عن جعفر بن برقان، قال: حدثنا ميمون بن مهران، قال: كان أبو بكر إذا ورد عليه الخصم، نظر في كتاب الله، فإن وجد فيه ما يقضي بينهم، قضى به، وإن لم يكن في الكتاب، وعلم من رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك الأمر سنة، قضى به، فإن أعياه، خرج فسأل المسلمين، فقال: أتاني كذا وكذا، فهل علمتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في ذلك بقضاء؟ فربما اجتمع إليه النفر كلهم، يذكروا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه قضاء، فيقول أبو بكر: الحمد لله الذي جعل فينا من يحفظ على نبينا صلى الله عليه وسلم. فإن أعياه أن يجد فيه سنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، جمع رؤوس الناس وخيارهم، فاستشارهم، فإن أجمع رأيهم على أمر، قضى به. هذا الأثر يرويه ميمون بن مهران عن أبي بكر، وميمون بن مهران لم يدرك أبا بكر، وإن كان معنى الأثر صحيح، فقد ورد في بعض الآثار هذا المعنى: أن أبا بكر حين سئل في بعض المسائل، ولم يكن عنده جواب، سأل الصحابة، جمع الصحابة، وتشاورهم، وسألهم عن هذه المسألة الواردة عليه. وهذا فيه بيان عظيم تورعه رضي الله عنه أن يجيب بشيء ليس فيه دليل من كتاب أو سنة. فإذا وردت عليه القضية والمسألة، ليس فيها دليل واضح ونصريح في القرآن، ولا كذلك أيضا في السنة، جمع الصحابة رضي الله عنهم، واستشارهم في هذه القضية، ثم يرون ما هو المناسب، وكذلك أيضا ما تدل عليه أدلة أو عمومات الكتاب والسنة، فيقضون به. طيب الله ثراه، صلى الله عليه وسلم عن أبينا محمد، آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على