الدرس في شرح كتاب لم الدر المنثور 46، ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري
يُبيّن المقطع أن أفضل أوقات الحفظ هي السحر والليل، وأفضل الأماكن هي العلوية البعيدة عن اللهو، مع تفضيل الجوع الخفيف على الشبع. ويؤكد أن ترك المعاصي هو أقوى سبب لتثبيت الحفظ والفهم لأن المعاصي تطفئ نور العلم بينما الطاعة تجلب التوفيق الإلهي.
يوضح أن اجتناب المعاصي والتوبة المستمرة يطهران القلب فيصير وعاءً للعلم النافع، لأن العلم نور لا يُهدى لعاصٍ. كما أن العمل العملي بالحديث النبوي يثبته في الصدر ويمنعه من النسيان، كما فعل الإمام أحمد حين احتجم وأعطى الحجام ديناراً اقتداءً بالحديث.
يسرد كيف اقتدى بشر بن الحارث بصفات الحيوانات: البكور، والصبر، والحرص، والتملق، والتضرع، ليستخلص أن طالب العلم يحتاج إلى الصبر، والتواضع، وحسن الأدب، وطول البال، وعدم اليأس، واستغلال أوقات صفو الشيخ لنيل العلم وحفظه.
يختتم المتحدث المجلس بالدعاء إلى الله أن يمنّ على الحاضرين بالفقه في الدين، ويصلي ويسلم على النبي محمد صلى الله عليه وسلم وآله وصحبه.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. قال المؤلف حفظه الله تعالى في الحث على الحفظ في الصغر والأسباب المساعدة لذلك. وقد ذكر في هذا الباب بعض الأسباب المساعدة على تقوية الحفظ ورسوخ الحفظ والعلم في الصدر مما أثر عن السلف الصالح رحمهم الله تعالى. فقد ذكر عن الخطيب البغدادي رحمه الله بعض الساعات التي تساعد، أو أفضل الساعات التي تكون للحفظ في الصدر، لها أهمية عظيمة. فمن يذكر لنا بعض هذه الساعات أو أفضلها؟ أفضل الساعات للحفظ كما ذكر الخطيب رحمه الله تعالى: أفضل وقت ما هو وقت السحر، ثم بعد ذلك أيضا وقت... الليل، يعني في عمومه الليل أفضل من النهار، وذلك لخلو القلب وعدم انشغاله بالأعمال. وأيضا من تلك الأوقات وقت الزوال وانتصاف النهار، وانتصاف النهار. وهكذا الغدوات أفضل من العشيات كما قال رحمه الله. وما هي أفضل أماكن الحفظ؟ أفضل أماكن الحفظ: ذكر الغرف، يعني الأماكن العلوية وليست السفلية، لأن الغرف العالية البعيدة عما يلهي هي أفضل من السفل. وما هو أفضل أوقات الحفظ أيضا بالنسبة لحالة الإنسان من الأكل وعدمه؟ الجوع هو أفضل من الشبع، أفضل من الشبع لأن الشبع يؤدي إلى الراحة والدعة والنوم والكسل وغير ذلك. ولا يعني ذلك أنه يكون جائعا جوعا شديدا حيث لا يستطيع معه الحفظ، ولكن يلهي نفسه بشيء من الأكل حتى يصبر نفسه على الحفظ. هذا ما ذكر السلف جملة في الأوقات والأماكن المساعدة على الحفظ. ومنها أيضا الصغر، وأن هذا عندما يكون الشخص شابا صغيرا أفضل مما يحفظ وهو كبير. ومن الأسباب أيضا التي سيذكر المؤلف هنا: قال يحيى بن يحيى رحمه الله، ويحيى بن يحيى هو من مشايخ الإمام مسلم النيسابوري: قال سأل رجل مالك بن أنس: يا أبا عبد الله، هل يصلح لهذا الحفظ شيء؟ قال: إن كان يصلح له شيء فترك المعاصي. أيضا مما يعين على الحفظ أن يترك الشخص المعاصي جملة وتفصيلا، يعني كبيرها وصغيرها يتجنبها، لأن المعاصي ظلمة في القلب، فلا يستطيع الإنسان أن يثبت حفظه إلا بترك المعاصي وطاعة الله سبحانه وتعالى. فالتقرب بالطاعات سبب في إعانة الله عز وجل للمسلم على أن يحفظ، وكذلك على أن يرسخ العلم في صدره، لأن العلم نور. وسيأتي من كلام وكيع رحمه الله تعالى وما أرشد به الإمام الشافعي رحمه الله تعالى بترك المعاصي. هذا من أفضل وأقوى الأسباب لإعانة الله سبحانه وتعالى على تثبيت العلم النافع في الصدر، وهو أنه يترك المعاصي، لأن المعاصي ظلمة. وقد أخبر نبينا صلى الله عليه وسلم أن العبد إذا أذنب نكتت في قلبه نكتة سوداء، فإن تاب واستغفر سقل قلبه، يعني ذهبت تلك النقطة السوداء، فإن عاد عادت حتى يعلو قلبه الران، وذلك قول الله عز وجل: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. فالذي جعلهم لا يفقهون ولا يعقلون هو سبب ذنوبهم ومعاصيهم وشركهم بالله سبحانه وتعالى. فارتكاب الذنوب الكبيرة سبب لذهاب العلم والنور، وأيضا سبب لعدم الفقه في دين الله عز وجل. كما أن الطاعات والتقرب إلى الله عز وجل بعبادته، سواء كانت الفرائض والنوافل، هي سبب للفقه في الدين. بهذا أيضا كان السلف رحمهم الله تعالى لهم حظ من العبادة مع توفر الدواعي لذلك، ما كانوا أيضا يتركون عبادة الله سبحانه وتعالى. فتراهم هم أهل الخشوع وأهل العبادة من صلاة وصيام ونحو ذلك مع انشغالهم بالعلم. فهذه أسباب معينة. فمالك بن أنس يقول لهذا الرجل: إن كان شيء يصلح للحفظ، فيقول له: اترك المعاصي، احذرها وابتعد عنها حتى يؤتيك الله سبحانه وتعالى من فضله ما شاء. قال علي بن خشرم: سألت وكيعا، قلت: يا أبا سفيان، أعلمني شيئا للحفظ. قال: أراك وافدا، يعني أنت شخص جديد جئت من بلد بعيدة، أراك من الوافدين علينا. ثم قال: ترك المعاصي عون على الحفظ. يقول الشافعي: سألت وكيعا عن هذا الأمر، وهو العلم والحفظ، فأرشدني إلى ماذا؟ إلى ترك المعاصي. فأرشدني إلى ترك المعاصي، وأخبرني بأن العلم نور، نور الله لا يهدى لعاصي. العلم نور من الله سبحانه وتعالى، فهو يتعارض مع المعاصي. القلب وعاء، القلب وعاء، فأنت تملؤه بما شئت، إما أن تملؤه بالنور وهو الكتاب والسنة وطاعة الله سبحانه وتعالى، وإما عكس ذلك. فالذي يزداد من الخير ويزداد من الطاعات والقربات والحفظ، يثبت ذلك في هذا الوعاء ويمتلئ به. وأما العكس والعياذ بالله، فلا يختلط الإنسان بين الحابل والنابل. القلوب تحتاج إلى صيانة، قلوب تحتاج إلى رعاية، تحتاج إلى غذاء، تحتاج إلى دواء. وغذاؤها ودواءها القرب من الله سبحانه وتعالى وطاعة الله سبحانه وتعالى. وهكذا أيضا العمل بالكتاب والسنة، هذا دواء القلوب وغذاؤها، لأن القلوب محط نظر الله سبحانه وتعالى: «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأجسامكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم». فينبغي للعبد أن يطهر قلبه ويطهره بالطاعة والقرب إلى الله سبحانه وتعالى، وهكذا يملؤه بالعلم النافع ويبتعد عن المعاصي، فإنها سبب لمحط العلم والنور الذي يهبه الله سبحانه وتعالى من يشاء من عباده. فيقول علي بن خشرم: سألت وكيعا، يا أبا سفيان، أعلمني شيئا للحفظ، ما هو الذي يقوي الحفظ في القلوب؟ قال له: ترك المعاصي عون، عون على الحفظ. كما أن فعل المعاصي كذلك من أسباب ذهاب الحفظ والعلم. فربما الشخص كان من حفاظ كتاب الله عز وجل أو من حفاظ الأحاديث، فإذا ارتكب المعاصي واستمر عليها يذهب هذا النور الذي معه والعياذ بالله. فينبغي علينا أن نحافظ ونداوم على الاستغفار والتوبة، استغفار والتوبة، كما أخبرنا نبينا صلى الله عليه وآله وسلم في أن الاستغفار والتوبة سبب لذهاب هذه، ذهاب الرائن الذي يأتي على القلوب بسبب المعاصي. فما يسلم الإنسان، ربما يرتكب شيئا من اللمم في يومه أو نهاره، فيستغفر الله ويتوب، ويداوم على ذكر الله سبحانه وتعالى، يعينه الله عز وجل. فإن هذه القلوب تحتاج منا إلى ذكر الله سبحانه وتعالى وتوبة وإنابة إلى الله سبحانه وتعالى. ثم قال وكيع رحمه الله: إذا أردت أن تحفظ الحديث فأعمل به. وهذا أيضا من الأسباب، إذن من الأسباب الأخرى المعينة على الحفظ وتقوية العلم في الصدر هو أن تعمل بالحديث. يعني إذا مر بك حديث فحاول أن تعمل به، إذا كان هذا الحديث فيه ترغيب في عمل من الأعمال الصالحة أو قربة تقربك إلى الله أو سبب من أسباب دخول الجنة، فلئن كانوا يعملون بهذا. يقول الإمام أحمد: مر بحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وأعطى الحجام دينارا، قال: فاحتجمت وأعطيت الحجام دينارا، يعني طبق هذا الحديث. فهذا الحديث لن ينسى لأنه عمل به. فأنت إذا مر بك حديث وعملت به فإنك لن تنسى. مثلا مر بك حديث في الصدقة فعملت به، فهذا الحديث لن تنسى لأنك عملت به. فكلما عمل العبد بسنة النبي عليه الصلاة والسلام ثبتت في قلبه، ما تنسى تلك الأحاديث. وهكذا كلام الله سبحانه وتعالى إذا طبقه العبد على نفسه وفي أهله فإنه لن ينسى. يقول وكيع: إذا أردت أن تحفظ الحديث فأعمل به. هذا من الأسباب المعينة على تقوية العلم وحفظ حديث النبي صلى الله عليه وسلم. ثم قال: قال بشر بن الحارث (بزر جمهر) إنما أدركت ما أدركت من العلم ببكور كَبكور الغراب، وصبر كصبر الحمار، وحرص كحرص الخنزير. وزاد في أخرى: وتملق كتملق الكلب، وتضرع كتضرع السنور. يعني كان من الحكماء ويشار إليه في الحكمة والعلم، يقول بماذا أدرك هذا؟ أنه كان يبكر كبكور الغراب، يعني في الصباح الباكر حيث يذهب لطلب الرزق، وهو كذلك يذهب أيضا يبكر ويذهب إلى المشايخ والعلماء لأجل أن يأخذ منهم. وأيضا يحتاج هذا إلى صبر، ومن أصبر الحيوانات هو الحمار حيث يحمل عليه ويمشي المسافات، فيقول: صبر كصبر الحمار، يعني أخذ ذلك من الحيوانات تأسيا بها. وحرص كحرص الخنزير، يعني الخنزير هذا الحيوان يحرص على نفسه تغذيتها وطعامها ويحرص على بنيه، فعنده حرص شديد. فلذلك أدرك هذا ما أدرك بسبب أنه رأى بعض الحيوانات في معاشها تفعل هذا، فهو في أخراه يفعل هذا. يعني المسلم الحريص على أخراه يداوم على الأعمال الصالحة، ويداوم كذلك على ما ينفعه في الدار الآخرة. ولا شك أن العلم النافع مما ينفع الإنسان في دنياه وآخرته، فهو أدرك ما أدرك حتى صار ممن يشار إليه بالعلم والحكمة، أنه تأسى ببعض الحيوانات في معاشها. وقال: وتملق كتملق الكلب، يعني الكلب إذا أراد شيئا من صاحبه فإنه يأتي إليه ويتودد إليه، وترى ربما يتقلب تحته من أجل أن يحصل على قطعة خبز أو نحو ذلك، فتراه مثل المسكين، هذا الكلب هادئ ويفعل هذا ليطلب من صاحبه ذلك، لكن بطريقته حتى يعطيه صاحبه. فأنت كذلك إذا أردت أن تصير عالما، تصير مبرزا، فعليك أن تطلبه بجد، وأيضا أن يكون عندك حرص على الفوائد من هذا الشيخ الذي تطلب العلم عنده، وأيضا يكون عندك حسن أدب، ويكون عندك حسن طلب. فأنت تعين نفسك على أن تأخذ العلم من هذا، لا تكون عندك سوء أدب، لأن بعضهم يريد أن يحصل على العلم من المشايخ لكن ما يحسن كيف يأخذ منهم، يأخذه بالأدب، حسن الأدب، السؤال، وكل شيء في وقته. أحيانا يكون الشيخ متعبا ويكون منشغلا، فربما لا يعطيك تلك الفائدة، فأنت تستغل الأوقات التي يكون فيها الشيخ على راحة بال وعدم انشغال وصفاء نفس، فربما لا يكون كذلك في بعض الأوقات فتحرم العلم، تحرم العلم. وهكذا تضرع كتضرع السنور، وهو القط أو الهر، هكذا يتضرع في البيت ويبقى جالسا هادئا متضرعا حتى يعطى شيئا من الطعام. فهذه الحيوانات في معاشها تفعل ذلك مع أصحابها. فأنت كذلك إذا أردت العلم النافع يقول عليك أن تتأسى بمثل هذه الحيوانات، تستغل الفرص. فأنت يكون عندك تواضع، عندك حسن أدب، عندك صبر، عندك كذلك طول بال، عندك عدم يأس. إن بعضهم يغلبه يأس من الشيخ، لا، لا تيأس، فربما اليوم ما أعطاك فائدة، وربما اليوم ما استفدت منه، لكن إن شاء الله ستستفيد غدا بصبرك. فتصبر على الشيخ وتصبر على تعلم العلم النافع في المكان الذي ذهبت إليه حتى يؤتيك الله سبحانه وتعالى من فضله. فذكر أسبابا معينة على الحفظ بالجملة هي: أن نصبر، وأن نتواضع، وأن نحسن الطلب من معلمينا ومن مشايخنا، حتى ننال ما نصبو إليه، حتى ننال ما نصبو إليه. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يفقهنا في ديننا، إنه ولي ذلك وهو القادر عليه. صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.