التعليق على تفسير سورة الكهف 3

الدرس في التعليق على تفسير سورة الكهف 3، ألقاها

تفسير الآيات حول الكفر والشرك

يتناول المقطع تفسير الآيات الكريمة المتعلقة بالكفر والشرك وفرار المؤمنين، ويشرح معنى اتخاذ الآلهة من دون الله. كما يفسر قصة أصحاب الكهف واعتزالهم لقومهم.

تفاصيل حفظ الله لأهل الكهف وحمايتهم

يشرح كيف حفظ الله أصحاب الكهف من الشمس وأعد لهم بيئة صالحة، ويبين قدرة الله ورحمته. كما يشير إلى الهداية الحقيقية بيد الله وحده.

حكمة نوم أصحاب الكهف وتقلبهم وحماية الله للصحابة

يفسر الآيات المتعلقة بنوم أصحاب الكهف وتقلبهم وحمايتهم من الناس، ويشير إلى فضل مصاحبة الصالحين. كما يشرح حماية الله للصحابة بالرعب الذي نشره عليهم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله في تفسيره قول الله تعالى: ﴿ هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة لو لا يأتون عليهم بسلطان بين فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ﴾. قال: لما ذكروا ما من الله به عليهم من الإيمان والهدى والتقوى، التفتوا إلى ما كان عليه قومهم من اتخاذ الآلهة من دون الله، فمقتوهم، أي أبغضوا ما هم عليه من الكفر، وبينوا أنهم ليسوا على يقين من أمرهم، بل هم في غاية الجهل والضلال. فقالوا: «لو لا يأتون عليهم بسلطان بين»، أي بحجة وبرهان على ما هم عليه من الباطل، ولا يستطيعون سبيلا إلى ذلك، يعني إلى الاتيان بالحجة والبرهان على عبادتهم لهذه الآلهة دون الله جل وعلا. وهذا أنح قوله جل وعلا: ﴿ ومن يدعو مع الله إلها آخر لا برهان له به ﴾، فقوله جل وعلا: «لا برهان له به» هذه صفة كاشفة جئ بها للبيان والتوضيح، فلا مفهوم لها، أي فليس هناك برهان فيمن دعا غير الله سبحانه وتعالى، بل الواقع أنه لا برهان له في ذلك ولا حجة له في ذلك. قال: إنما ذلك افتراء منهم على الله وكذب عليه، وهذا أعظم الظلم، ولهذا قال: ﴿ فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ﴾. ثم قال في قوله جل وعلا: ﴿ وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيئ لكم من أمركم مرفقا ﴾، أي قال بعضهم لبعض: إذ حصل لكم اعتزال قومكم في أجسامكم وأديانكم، فلم يبق إلا النجاء من شرهم والتسبب بالأسباب المفضية لذلك، لأنه لا سبيل لهم إلى قتالهم، ولا إلى بقائهم بين أظهورهم. لا سبيل لهم إلى قتالهم لأنهم ضعفاء قلة، ليس عندهم قوة لأجل أن يقاتلوهم، ولا كذلك لهم سبيل بالبقاء بين أظهورهم فيكون ذلك فتنة لهم، قال: وهم على غير دينهم. «فأووا إلى الكهف»، أي انضموا إليه واختفوا فيه. ﴿ ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيئ لكم من أمركم مرفقا ﴾. وفيما تقدم أخبر أنهم دعوه بقولهم: «ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا»، فجمعوا بين التبري من حولهم وقوتهم والالتجاء إلى الله في صلاح أمرهم ودعائه بذلك، وبين الثقة بالله أنه سيفعل ذلك. لا جرم أن الله نشر لهم من رحمته وهيئ لهم من أمرهم مرفقا، فحفظ أديانهم وأبدانهم، وجعلهم من آياته على خلقه، ونشر لهم من الثناء الحسن ما هو من رحمته بهم، ويسر لهم كل سبب حتى المحل الذي ناموا فيه كان على غاية ما يمكن من الصيانة. ولهذا قال: ﴿ وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال وهم في فجوة منه ذلك من آيات الله من يهدي الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا وتحسبهم أيقاظا وهم رقود ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال وكلبهم باسط ذراعيه بالوسيد لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا ﴾، أي حفظهم الله من الشمس، فيسر لهم غارا إذا طلعت الشمس تميل عنه يمينا، وعند غروبها تميل عنه شمالا، فلا ينالهم حرها فتفسد أبدانهم بها، يعني لا تصيبهم الشمس في أثناء طلوعها، ويستمر ذلك حتى عند الغروب، فتفسد هذه الأجساد والأبدان، ولكنها إذا طلعت مالت إلى جهة اليمين، وإذا غربت مالت إلى جهة الشمال، فيحصل في دخول هذه الشمس ما يحصل من بقاء هذا الكهف، يعني متهويا تدخل إليه الشمس، فلا يطيب لهم شيء من الفساد بأبدانهم بسبب ذلك، وفي نفس الوقت لا تصيبهم الشمس في أبدانهم فتفسد وتذهب بسبب حر الشمس. قالوا: هم في فجوة من، أي من الكهف، في مكان متسع، وذلك ليطرقهم الهواء والنسيم، ويزول عنهم الوخم والتأذي بالمكان الضيق، خصوصا مع طول المكث، وذلك من آيات الله الدالة على قدرته ورحمته وإجابة دعائهم وهدايتهم حتى في هذه الأمور. ولهذا قال: ﴿ من يهدي الله فهو المهتد ﴾، أي لا سبيل إلى نيل الهداية إلا من الله، فهو الهادي المرشد لمصالح الدارين. والمراد بالهداية هنا هداية التوفيق، فهداية التوفيق لا يملكها إلا الله سبحانه وتعالى، فمن أراد الله عز وجل له الهداية وفقه لها، ومن منعه الله عز وجل الهداية فليس له من يهديه دون الله جل وعلا. قال: ﴿ ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا ﴾، أي لا تجد من يتولاه ويدبره على ما فيه صلاحه، ولا يرشده إلى الخير والفلاح، لأن الله قد حكم عليه بالضلال، ولا راد لحكمه. قال: ﴿ وتحسبهم أيقاظا وهم رقود ﴾، أي تحسبهم أيها الناظر إليهم كأنهم أيقاظ، يعني كأنهم مستيقظين ليسوا بنيام، والحال أنهم نيام. قال المفسرون: وذلك لأن أعينهم منفتحة لألا تفسد. فالناظر إليهم يحسبهم أيقاظا وهم رقود، يعني إذا نظر إليهم يظن أنهم مستيقظين متجمعين وليسوا بنائمين، لأن أعينهم كانت منفتحة، بخلاف معلى النائم أنه إذا نام فإن عينيه تنغلق. قال: ﴿ ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال ﴾، وهذا أيضا من حفظه لأبدانهم، لأن الأرض من طبيعتها أكل الأجسام المتصلة بها، يعني إذا اتصلت بها ومكثت فيها فإن الأرض وما فيها من الدواب تأكل جسد الإنسان. فلأجل ألا تفسد أبدانهم بطول مكثهم في الأرض جعل الله عز وجل لهم تقلبا ذات اليمين وذات الشمال، أي مرة تكئون على جهة اليمين ومرة على جهة الشمال، فتبقى أجسادهم متحركة فلا تأكل الأرض أبدانهم، وهذا من حفظ الله سبحانه وتعالى لهم. قال: ﴿ وكلبهم باسط ذراعيه بالوسيد ﴾، أي الكلب الذي كان مع أصحاب الكهف أصابه ما أصابهم من النوم وقت حراسته، فكان باسطا ذراعيه بالوسيد، أي الباب أو فنائه، يعني فناء الكهف. والفناء هي الأرض التي تكون أمام المنزل أو البيت، الساحة أو المساحة التي تكون أمام البيت. قال: هذا حفظهم من الأرض، وأما حفظهم من الآدميين فأخبر أنه حماهم بالرعب الذي نشره الله عليهم، وهذا كما قال أهل العلم: أن ملازمة أهل الصلاح فيها خير لصاحبه، ملازمة أهل الصلاح فيها خير، فيناله من الخير ما ربما ما لم يفعله معهم. من هذا الخير الذي وفقهم الله سبحانه وتعالى له. فانظروا إلى هذا الكلب الذي لازم هؤلاء الصالحين، كيف أن الله عز وجل ذكره في القرآن بسبب مصاحبته لهم، فكان له بذلك ذكر وشرف بسبب ملازمة ومصاحبة أهل الخير والصلاح. قال: فأخبر أنه حماهم بالرعب الذي نشره الله عليهم، فلو اطلع عليهم أحد لم تلأ قلبه رعبا وولى منهم فرارا، وهذا الذي أوجب أن يبقوا كل هذه المدة الطويلة وهم لم يعثر عليهم أحد، أي لم يقف أحد على حالهم وعلى موضعهم الذي هم فيه. قال: مع قربهم من المدينة جدا، والدليل على قربهم أنهم لما استيقظوا أرسلوا أحدهم يشتري لهم طعاما من المدينة، فبقوا في انتظاره، فدل ذلك على شدة قربهم منها. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

شاركنا على