الدرس في مختصر فقه الأسماء الحسنى 15، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يتناول المقطع معنى اسم الله "السميع" الوارد في نحو خمسين موضعاً بالقرآن، مبيناً أنه يدل على إثبات صفة السمع الكاملة لله التي تليق بجلاله. ويستشهد المحاضر بقصة المرأة المجادلة التي أنزل الله فيها سورة المجادلة، وبقول عائشة رضي الله عنها: "الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات".
يسرد المقطع قصة خولة بنت ثعلبة التي اشتكت إلى النبي صلى الله عليه وسلم من ظاهر زوجها، فنزل القرآن مصدقاً لقولها ومبيناً أن الله سمع تحاورهما وهو السميع البصير. ويوضح أثر الإيمان باسم الله السميع في مراقبة اللسان والسريرة، مستدلاً بحديث أبي ذر على أن الله يسمع دعاء الخلائق أجمعين لو اجتمعوا في صعيد واحد دون التباس.
أمر النبي ﷺ الصحابة بخفض أصواتهم في الدعاء لأن الله سميع بصير، وساق قصة المشركين الذين أنكروا علم الله بالسرائر فنزلت آيات سورة فصلت تكذيباً لهم. ويبين أن فساد الاعتقاد في صفات الله يجر إلى فساد العمل والخسران.
يختتم المتحدث بالتأكيد على أن الاعتقاد السليم لا يوجد إلا لدى أهل السنة والجماعة، ثم يعلن عن استراحة لخمس دقائق لتجديد الوضوء قبل إقامة الصلاة. ويشير إلى أن الترجمة مقدمة من نانسي قنقوة.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فأظن وقفنا عند "بسم الله الوهاب"، انتهينا منه، صح؟ الآن ننتقل إلى اسم الله "الفتاح". أخذنا "الفتاح"، لا، آخر شيء "الوهاب"، "الفتاح"، أخذناه. إذاً اسم الله "السميع". قال: وهو اسم تكرر وروده في القرآن فيما يقرب من خمسين موضعاً، يعني ذكر كثيراً في القرآن. منها قوله تعالى: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾. "السميع"، وهذا فيه إثبات لصفة السمع لله عز وجل، لأن القاعدة كما تقدم: كل اسم متضمن للصفة. وهذا فيه رد على نفاة الصفات، فالله عز وجل نفى عن نفسه المثيل، وأثبت لنفسه السمع والبصر، لكنه سمع وبصر يليقان بجلاله سبحانه وتعالى. وقال: وقوله تعالى: ﴿ وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾. "السميع". وأدلة هذا كثيرة كما ذكر رحمه وحفظه الله. فما معنى اسم الله "السميع"؟ قال: والسميع هو الذي يسمع جميع الأصوات على اختلاف اللغات وتفنن الحاجات. ومعنى "تفنن الحاجات" يعني اختلاف طلب السائلين، فهذا يسأل عن كذا، أو هذا يسأل ربه مثلاً الصحة، وذاك المال، وذاك العلم، وذاك المغفرة، فهذا معنى تفنن الحاجات. قال: وقد استوى في سمعه سر القول وجهره، بمعنى أن الله عز وجل يسمع ما جهر به السائل أو المتكلم، وما أسر به، وما أسر به. كما قال الله عز وجل وهو ينكر على المشركين ظنهم أن الله لا يسمع السر والنجوى، فقال سبحانه وتعالى رداً عليهم: ﴿ أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ ﴾. ليس الأمر كما قالوا وظنوا، بلى نسمع السر والنجوى. قال: ﴿ سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ ﴾. يعني سواء كان في ظلمة الليل أو في ضوء النهار، فالله عز وجل يعلمه ويسمعه سبحانه وتعالى. قال: وسع سمعه الأصوات، وسع سمعه الأصوات كلها. عندكم هنا خطأ عندكم: مكسورة أو مفتوحة؟ مكسورة صواب، لنجمع مؤنث سالم. قال: وسع سمعه الأصوات كلها، فلا تختلف عليه الأصوات، ولا تشتبه، ولا يشغله منها سمع عن سمع، ولا يغلطه تنوع المسائل، ولا يبرمه كثرة السائلين. فالله عز وجل ليس كمثله شيء، فسمعه وسع الأصوات كلها وإن اختلفت: هذا صوت رجل، وهذا صوت امرأة، هذا صوت صبي، وهكذا. هذا يتكلم باللغة العربية، وذاك يتكلم بغيرها من اللغة العجمية، لا تشتبه عليه الأصوات، ولا تختلف، ولا يشغله منها سمع عن سمع، فهو يسمعها في آن واحد سبحانه وتعالى، ولا يغلطه تنوع المسائل، هذا يسأل عن أمر يختلف عن الآخر، فالله سبحانه وتعالى يسمع جميع الأصوات سبحانه وتعالى. قال: وروى الإمام أحمد وغيره عن عائشة رضي الله عنها قالت: الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، وسع سمعه الأصوات، يعني يسمع جميع الأصوات سواء كانت جهرة أو خفية. وما الذي دفع عائشة رضي الله تعالى عنها إلى أن تقول ذلك؟ قالت: لقد جاءت المجادلة إلى النبي صلى الله عليه وسلم تكلمه، وما ورد في سورة المجادلة: ﴿ قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ ﴾. قال: "أنت عليّ ظهر أمي"، فجاءت تشتكي إلى النبي عليه الصلاة والسلام قول هذا الزوج. فتقول عائشة: لقد جاءت المجادلة إلى النبي صلى الله عليه وسلم تكلمه، وأنا في ناحية من البيت ما أسمع ما تقول. يعني كانت هذه المرأة تسر للنبي عليه الصلاة والسلام، ما جعلت عائشة وهي في نفس البيت في ناحية منه في طرف، والمرأة في مكان قريب منها، ومع هذا ما سمعت عائشة قول هذه المجادلة. فأنزل الله عز وجل خبر شكواها في هذه الآية: ﴿ قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ﴾. وهذا الاسمان مناسبان لأول الآية، أي أن الله عز وجل سمع قول هذه المرأة وقد أسرت بهذا القول، فالله عز وجل سمع كلامها، وعلم كذلك بحالها مع رسول الله عليه الصلاة والسلام: ﴿ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ﴾. وفي رواية قالت: تبارك الذي وسع سمعه كل شيء، أي أنه يسمع جميع الأصوات سبحانه وتعالى. وهذا لا شك أنه يؤثر في المؤمن، فيعلم أن كل قول فإن الله عز وجل يسمعه، فيكون على وجل، يكون على مراقبة. إن قلت قولاً وهذا القول كذباً وزوراً، ومشى على الناس، الناس ما يعلمون أنه كذب وزور، لكن أين تذهب من الله عز وجل وهو يسمع هذا القول ويعلم أنك كاذب؟ وهكذا مهما أسررت لأحد بقول لا تريد الخلق أن يسمعه، فاعلم أن الله يسمعه. وهذا من آثار الإيمان بهذا الاسم، بهذا الاسم، وسيأتي من كلام المؤلف رحمه وحفظه الله. ثم قال: بل لو قام الجن والإنس كلهم من أولهم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها في صعيد واحد، يعني في مكان واحد، وسألوا الله جميعاً في لحظة واحدة، في نفس اللحظة، كل واحد من الخلق منذ أن أوجدوا أو وجدوا في هذه الأرض إلى أن يرث الله هذه الأرض ومن عليها، وكلهم اجتمعوا في مكان واحد في صعيد واحد في لحظة واحدة، وكل عرض حاجته، وكل تحدث بلهجته ولغته، لسمعهم أجمعين دون أن يختلط عليه صوت بصوت، أو لغة بلغة، أو حاجة بحاجة. وهذا ورد في حديث أبي ذر رضي الله تعالى عنه في مسلم، حديث الطويل، وفيه: «يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا إلى صعيد واحد فسألوني، فأعطيت كل إنسان مسألته، ما نقص ذلك من ملكي شيئاً إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر». فهذا دليل على أن الله عز وجل يسمعهم، ويعلم حاجة كل واحد منهم، ويعطي كل واحد سؤله، لأنه قال في هذا الحديث: «فسألوني»، كلهم سألوه في هذا الصعيد الواحد في هذه اللحظة، وأعطيت كل إنسان مسألته، ولا يكون هذا العطاء إلا بعد سمعه سبحانه وتعالى لحاجاتهم. وكذلك جاء في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه قال: كنا مع النبي عليه الصلاة والسلام في سفر، فكنا إذا علونا كبرنا. وهذه من السنة: إذا صعد الإنسان في مرتفع في سفره، في سيارته، السنة أن يكبر: "الله أكبر". أما إذا نزل إلى منخفض فإنه يسبح: "سبحان الله". هذا من السنة. فيقول هنا أبو موسى: كنا مع النبي عليه الصلاة والسلام في سفر، وكنا إذا علونا كبروا، وكانوا يرفعون أصواتهم بهذا التكبير، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: «أربعوا على أنفسكم»، يعني هونوا على أنفسكم بعدم رفع أصواتكم، «فإنكم لا تدعون أصم ولا غائب، ولكن تدعون سميعاً بصيراً، ولكن تدعون سميعاً بصيراً». وقد أنكر. وكذلك جاء في الصحيحين عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: اجتمع عند البيت قرشيان وثقفي، أو ثقفيان وقرشي، يعني من المشركين، قال: كثيرة شحم بطونهم، يعني بطونهم كبيرة مليئة بالشحم، قليلة فقه قلوبهم، ما عندهم فهم ولا فقه. فقال أحدهم: أترون أن الله يسمع ما نقول؟ أترون أن الله يسمع ما نقول؟ وقال الآخر: يسمع إن جهرنا، ولا يسمع إن أخفينا. قال: إن جهرنا سمع، وإن أخفينا ما يسمع. وقال الآخر: إذا كان يسمع إذا جهرنا، فإنه يسمع إن أخفينا. كل واحد أتى بقول، فأنزل الله، وسيأتي معنا في سبب النزول: ﴿ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَثِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ ﴾. هذا في سورة ماذا؟ فصلت، في سورة فصلت، صح؟ قال: ربنا. قال: فأنزل الله: ﴿ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَثِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾. فأصبحتم من الخاسرين. فالله عز وجل بيّن أن هذا من سوء ظنهم بالله، ذاك الذي قال: أن الله لا يسمع، أن الله لا يسمع، "ترون أن الله يسمع ما نقول"، وذاك الذي قال: إن الله يسمع إن جهرنا ولا يسمع إن أخفينا. فأبطل الله عز وجل ظنهم ذلك. وهذا يدل على أن فساد الاعتقاد فيما يتعلق بصفات الرب سبحانه وتعالى يترتب عليه فساد الأعمال، يترتب عليه فساد الأعمال والوقوع في الهلاك والخسران، لأن الله عز وجل قال: ﴿ وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾. فهؤلاء الذين نفوا صفات الله عز وجل، لما فسد اعتقادهم، فسدت أعمالهم. الذي ينفي سمع الله وبصر الله، أن له أن يراقب الله، فتجده لا يخاف الله، ولا يمنع عينيه من النظر إلى ما حرم الله، ولا يمنع سمعه من السماع إلى ما حرم الله، لأنه أصلاً ما يؤمن بهذه الأسماء أو بتلك الصفات. فسوء الاعتقاد سبب لسوء الأعمال. وهذا ليس في باب الأسماء والصفات حتى في باب الألوهية والربوبية، فمن فسد اعتقاده فسدت أعماله. لا يغرك من يقول: إن غير أهل السنة عندهم عبادة وعندهم زهد، لا والله، لو نظرت إلى أعمالهم لوجدتهم غارقين في المعاصي، غارقين في الشهوات. ذاك مبتلى بمصاحبة المردان، وذاك مبتلى بالدخول على النساء الأجانب، وذاك مبتلى بأكل أموال الناس، لأن عقائدهم فسدت ففسدت أعمالهم. ما تجدهم أهل استقامة وأهل خوف، يسمعون الأغاني، ويحلقون اللحاء، ويغنون، ويسمعون الغنى، ويطبلون في المساجد. لا تستغرب من هذه الأعمال، لماذا؟ لأن الاعتقاد قد فسد، فلابد أن يفسد العمل. فهذه قاعدة عند أهل العلم: فساد الاعتقاد سبب لفساد الأعمال، فساد الاعتقاد سبب لفساد الأعمال. فلا تجد أحداً فسد اعتقاده وهو على استقامة، وهو على كذلك بعد عن الشبه الشهوات، أبداً ما تجد ذلك. فلا تجد ذلك إلا في من سلم اعتقاده من أهل السنة والجماعة. طيب، نكتفي بهذا، ونترك خمس دقائق لمن أراد أن يجدد وضوءاً، ثم إن شاء الله نقيم الصلاة. ترجمة نانسي قنقوة ترجمة نانسي قنقوة