الدرس في التعليق على مقدمة سنن الدارمي 67، ألقاها
يُشدد على أهمية طلب العلم وفضل الرحلة في تحصيله، مستشهدا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم. يشير إلى عادة السلف الصالح في الرحلة لطلب العلم.
يُبين فضل العلم والعلماء، حيث تستغفر الملائكة لطالب العلم، ويشبه العالم بالقمر الذي يضيء للناس. يُوضح أن العلماء ورثة الأنبياء وأن العمل الصالح هو ما ينفع الإنسان.
يتناول عدة آثار حول فضل العلم والعلماء، ويشير إلى أن طلب العلم يعد من الأعمال الفاضلة. يُقارن بين درجات العالم والعابد في الآخرة، مبينا عظم فضل العالم.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام الدارمي رحمه الله في مقدمة سننه: أخبرنا نصر بن علي، قال: حدثنا عبد الله بن داود، عن عاصم بن رجاء بن حيوة، عن داود بن جميل، عن كثير بن قيس، قال: كنت جالسا مع أبي الدرداء في مسجد دمشق، فأتاه رجل، فقال: يا أبا الدرداء، إني أتيتك من المدينة، مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم، لحديث بلغني عنك أنك تحدثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فما جاء بك تجارة؟ قل: لا. قال: ولا جاء بك غيره؟ قال: لا. قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من سلك طريقا يلتمس به علما سهل الله به طريقا من طرق الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم، وإن طالب العلم ليستغفر له من في السماء والأرض، حتى الحيتان في الماء، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر النجوم، إن العلماء هم ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظه أو بحظ وافر». الحديث بهذا السند في شيء من الضعف، لكن الحديث صحيح بمجموع طرقه، وقد حسنه جماعة من أهل العلم. وفي هذا الأثر أن رجلا أتى أبا الدرداء رضي الله تعالى عنه، وهو في دمشق، ورحل له من المدينة، أي مدينة الرسول عليه الصلاة والسلام، حتى يسمع منه حديثا من حديث النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا فيه ما كان عليه السلف رحمهم الله من الرحلة في طلب العلم، فكانوا يرحلون ويسافرون المسافات الطويلة من أجل سماع حديث واحد، يقطع مسافة ربما يعني مسيرة الشهر بالإبل ونحوها من الرواحل، لأجل أن يسمع حديثا واحدا من حديث النبي عليه الصلاة والسلام، ويأخذه من الصحابي الذي سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم. وهكذا اعتنى السلف بالرحلة، ورغبوا فيها، وحثوا عليها، حتى أُلِّفت في ذلك المؤلفات الخاصة في ذكر الرحلة في طلب العلم، وهي من الأسباب التي يتحصل بها طالب العلم على العلم، خاصة إذا لم يكن في بلده من يعلم علوم الكتاب والسنة. فإن الرحلة في طلب العلم من السنة أن يرحل ويسافر لطلب العلم وتحصيل العلم النافع. ثم سأله عن حديث سمعه أبو الدرداء من النبي عليه الصلاة والسلام، ثم ذكر هذا الحديث، وهو قوله عليه الصلاة والسلام: «من سلك طريقا يلتمس به علما سهل الله به طريقا من طرق الجنة». وهذه القطعة من الحديث قد وردت في صحيح الإمام مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. وهذا أيضا فيه فضيلة من فضائل العلم، أن سلوك طلب العلم والذهاب لطلب العلم أو السفر، بل خروج الرجل من بيته إلى المسجد لطلب العلم، هذا من أسباب دخول الجنة. ومن سلك طريقا يلتمس به علما سهل الله به طريقا من طرق الجنة. وهذا أيضا دليل على أن طلب العلم عبادة وقربة يتقرب بها إلى الله سبحانه وتعالى، لأن ما كان طريقا إلى الجنة دليل على أنه مما يحبه الله سبحانه وتعالى ويرضاه. قال: «إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم»، يعني أن الملائكة تواضع وتخفض أجنحتها لطالب العلم حتى يجلس عليها، رضا بما يطلب من طلب العلم وتحصيل العلم النافع. «وإن طالب العلم يستغفر له من في السماء والأرض، حتى الحيتان في الماء»، تستغفر لطالب العلم، ولمعلم الناس العلم تستغفر له من في السماء والأرض. من هنا اسم موصول بمعنى الذي، أي الذي في السماء والأرض، فالملائكة تستغفر له، والجبال والأشجار والطيور والحيوانات، حتى الحيتان في الماء تستغفر لطالب العلم. وهذا لا شك أنه فضيلة عظيمة لا ينالها غيرهم من ذوي الشرف وذوي الجاه وذوي المال. قال: «وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر النجوم»، فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر النجوم، القمر أفضل الكواكب لأنه يضيء ويستنير الناس بضوءه ونوره، والنجوم فيها شيء من الإضاءة، لكنها إضاءة قاصرة على نفسها، لا ينتفع الناس من نور أو إضاءة النجوم، لكن هي تنفع نفسها، بخلاف القمر فإنه يضيء في ليالي البدر حتى يستنير الناس بنوره وينتفعون به. وهكذا حال العالم مع العابد، العابد حاله كحال النجوم التي فيها نور تنتفع بها لنفسها، وهكذا العابد عنده أعمال وطاعات وقربات ينتفع بها لنفسه، بخلاف العالم فهو كالقمر الذي يستنير الناس بعلمه، وكذلك أيضا يستضيؤون بنوره، فهو كالقمر للناس الذي يستنير الناس بضوءه. قال: «وإن العلماء هم ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، وإنما ورثوا العلم». إرث الأنبياء هو العلم، الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن معشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة». وإرث الأنبياء هو العلم، فمن أخذ بهذا العلم وتفقه وتعلم أخذ من إرث الأنبياء، وكلما ازداد من العلم ازداد من إرثهم. وهذا أيضا كذلك بفضيلة عظيمة لا ينالها إلا أهل العلم، أن يكونوا هم ورثة الأنبياء الذين هم أفضل الخلق وأحبهم إلى الله سبحانه وتعالى. قال رحمه الله: واخبرنا محمد بن عيينة، عن أبي إسحاق الفزاري، عن الأعمش، عن شمر بن عطية، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: «معلم الخير يستغفر له كل شيء حتى الحوت في البحر». وهذا الأثر حسن. قال: واخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس، قال: حدثنا زائدة، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من رجل يسلك طريقا يطلب فيه علما إلا سهل الله له به طريقا إلى الجنة، ومن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه». وهذا الحديث صحيح، رواه الإمام مسلم. وقوله: «ومن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه»، يعني أن النسب لا ينفع الإنسان إذا لم يكن عنده عمل صالح ينتفع به ويتقرب به إلى الله سبحانه وتعالى، فإذا أبطأ به العمل لم يسرع به النسب، يعني في نجاته من عذاب الله جل وعلا أو في رفع درجاته عند الله سبحانه وتعالى، وإنما الذي ينتفع به العبد هي أعماله. قال رحمه الله: أخبرنا إسماعيل بن أبان، عن يعقوب، هو القمي، عن هارون بن عنترة، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: «ما سلك رجل طريقا يبتغي فيه العلم إلا سهل الله به طريقا إلى الجنة، ومن يبطئ به عمله لم يسرع به نسبه». وهذا الأثر حسن. قال رحمه الله: أخبرنا محمد بن كثير، عن ابن شوذب، عن مطر، وهو الوراق، وقد ضعفه أبو حاتم ويحيى بن معين، خاصة في روايته عن عطاء، قال: ﴿ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر﴾، قال: هل من طالب خير فيعان عليه؟ ومحمد بن كثير ضعيف، وهذا الأثر فيه ضعف، لكن معناه صحيح. قال: واخبرنا مروان، عن ضمرة، قال: «طالب علم»، يعني هل من مدكر؟ أي هل من طالب علم؟ والأثر كما سمعنا فيه ضعف. قال: أخبرنا إسماعيل بن أبان، قال: حدثنا يعقوب، هو القمي، عن عامر بن إبراهيم، قال: كان أبو الدرداء إذا رأى طلبة العلم، قال: مرحبا بطلبة العلم. وكان يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصاكم. وعامر بن إبراهيم لم يدرك أبا الدرداء، فالأثر منقطع. قال: واخبرنا عبد الله بن يزيد، قال: حدثنا عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، أي الإفريقي، وهو ضعيف، عن عبد الرحمن بن رافع، وهو أيضا ضعيف، قال البخاري: روى أحاديث منكرة. قال: عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بمجلسين في مسجده، فقال: «كلاهما على خير، وأحدهما أفضل من صاحبه، أما هؤلاء فيدعون الله ويرغبون إليه، فإن شاء أعطاهم وإن شاء منعهم، وأما هؤلاء فيتعلمون الفقه أو العلم ويعلمون الجاهل، فهم أفضل». وإنما بعثتم معلما. قال: ثم جلس فيهم. والحديث ضعيف. قال: أخبرنا عبد الله بن يزيد، قال: حدثنا المسعودي، وهو عبد الرحمن بن عبد الله، وهو مختلط، عن عون بن عبد الله، عن مطرف بن عبد الله بن الشخير، أنه قال لابنه: يا بني، إن العلم خير من العمل. وهذا الأثر ضعيف. قال: أخبرنا عبد الله بن يزيد، قال: حدثنا حيوة، ومن شريح، قال: أخبرنا شرحبيل بن شريك، قال: أنه سمع أبا عبد الرحمن الحبلي يقول: «ليس هدية أفضل من كلمة حكمة تهديها لأخيك». وهذا الأثر حسن. ليس هدية أفضل من كلمة حكمة أو من كلمة حكمة تهديها لأخيك، يعني علما نافعا ينتفع به، ونصيحة نافعة، فهذه من أفضل الهدايا التي تهديها لأخيك، أفضل من هدايا الحسية من مال وغير ذلك من متاع الدنيا. قال رحمه الله: أخبرنا عبد الله بن عمران، قال: حدثنا يحيى بن يمان، ويحيى بن يمان فيه ضعف، ضعف الإمام أحمد وابن معين والنسائي، قال: حدثنا محمد بن عجلان، ومحمد بن عجلان ثقة، لكنه ذكر عنه مما حصل له من أمير المومنين العجائب، أنه مكث في بطن أمه ثلاث سنين، حتى قيل: أنه ولد وظهرت له أسنانه قد نبتت أسنانه، وفي رواية: أنه ولد بعد أربع سنين. وكان من علماء المدينة. قال: فيه ابن المبارك رحمه الله: كان أشبه بالياقوتة بين العلماء، يعني لفضله وعلمه. وكان يقول: كان من أبرز أهل العلم والفضل. قال: عن الزهري، قال: «فضل العالم على المجتهد مئة درجة، ما بين الدرجتين خمس مئة سنة، حضر الفرس المضمر السريع». والأثر كما سمعنا، يحيى بن يمان فيه ضعف، وإن كان الذهبي رحمه الله دافع عنه، وقال: إن الإمام مسلم رحمه الله أخرج له في صحيحه، والعلى الإمام مسلم انتقى من حديثه. وقول: «ما بين الدرجتين خمسمائة سنة، حضر الفرس المضمر السريع»، قطع مسافة الفرس المضمر السريع الذي أعد للسباق والسرعة، كأنه يقول: يقطع هذه المسافة في خمسمائة سنة الجواد المضمر السريع. والمعنى أن فضل العالم على العابد فضلا عظيما، فضله عظيم. صلى الله وسلم على أبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.