التعليق على مقدمة سنن الدارمي 72

الدرس في التعليق على مقدمة سنن الدارمي 72، ألقاها

صفات طالب العلم النافع وغاياته

يؤكد على أهمية اجتماع العقل والنسك في طالب العلم، ويحذر من طلب العلم لغايات دنيوية. يناقش أهمية الإخلاص في طلب العلم ويحذر من طلب العلم للتباهي أو الرياء.

التحذير من طلب العلم للرياء والتباهي وتوضيح الآثار النبوية في ذلك

يناقش المقطع أهمية الإخلاص في طلب العلم ويحذر من طلب العلم للتباهي أو الرياء، ويستشهد بآثار وأحاديث نبوية وأقوال السلف الصالح في هذا السياق.

أحكام نشر العلم وتعليمه وتحذير من كتمانه

يتناول أهمية وضع العلم في أهله وتحذير من كتمان العلم أو إعطائه لمن لا يستحقه، ويشدد على ضرورة تعليم العلم لمن ينتفع به والعمل به.

تحذير من مخالطة من لا يذكرون الله

يحذر من الجلوس مع من لا يذكرون الله، حيث قد يؤثر ذلك سلبا على الجالس معهم، ويشير إلى أن الجلوس معهم قد يعرض المرء لسخط الله.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام الدارمي رحمه الله في مقدمة سننه، في باب التوبيخ لمن يطلب العلم لغير الله: قال أخبرنا سعيد بن عامر، قال أخبرنا به حميد بن الأسود عن عيسى، قال: سمعت الشعبي يقول، وهو عامر بن شراحيل، إمام من الأئمة من أتباع التابعين، قال: يقول: «إنما كان يطلب هذا العلم من اجتمعت فيه خصلتان: العقل والنسك»، والنسك يعني العبادة. قال: فإن كان ناسكا ولم يكن عاقلا، قال: هذا أمر لا يناله إلا العقلاء، فلم يطلبه، وإن كان عاقلا ولم يكن ناسكا، قال: هذا أمر لا يناله إلا النساك، فلم يطلبه. فقال الشعبي: ولقد رهبت أن يكون يطلبه اليوم من ليست فيه واحدة منهما، لا عقل ولا نسك. وهذا الأثر صحيح إلى الشعبي، والشاهد منه قوله رحمه الله: «إنما كان يطلب هذا العلم من اجتمعت فيه خصلتان: العقل والنسك»، يعني من كان عنده عقل وفهم، ومن كان عنده عبادة وطاعة وخوف من الله جل وعلا، فكان من يطلب العلم في تلك الأزمنة من كان على هذا الوصف، عنده عقل وفهم، وعنده كذلك عبادة وخوف من الله سبحانه وتعالى. وإذا اجتمع هذان الأمران، لا شك أنه يكمل لطالب العلم تحصيل العلم. قال رحمه الله: أخبرنا أبو عاصم، قال: زعم لي سفيان، قال: كان الرجل لا يطلب العلم حتى يتعبد قبل ذلك أربعين سنة. وهذا الأثر صحيح إلى سفيان، أي الثوري. قال: كان الرجل لا يطلب العلم حتى يتعبد قبل ذلك أربعين سنة. والمراد إما قوله قبل ذلك، أي في أثناء الطلب، وليس المرصود قبل ذلك قبل طلب العلم، يعني لا يطلب العلم إلا في الأربعين من عمره. فمن نظر في حال كثير من السلف، فإنهم طلبوا العلم وهم صغار، لكن المقصود أنهم في أثناء الطلب، وفي أثناء التعلم، كانوا يحرصون على العبادة والتقرب إلى الله جل وعلا بأنواع الطاعات، بل كانوا يستعينون بالعبادة على طلب العلم، يستعينون بالصلاة والصيام على طلب العلم وتحصيله. قال رحمه الله: أخبرنا محمد بن يوسف عن سفيان، عن بريد بن سنان أبي العلا، عن مكحول، قال: «من طلب العلم ليماري به السفهاء، وليباهي به العلماء، أو ليصرف به وجوه الناس إليه، فهو في نار جهنم». وهذا الأثر صحيح مقطوع من قول مكحول، وقد صح مرفوعا من قول النبي عليه الصلاة والسلام، وقد مر التنبيه على ذلك فيما مضى من دروس الماضية، وسيأتي أيضا ذكر هذا الأثر كذلك مرفوعا. قال: أخبرنا يحيى بن بُسْتام، عن يحيى بن حمزة، حدثني النعمان عن مكحول، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من طلب العلم ليماهي به العلماء، أو ليماري به السفهاء، أو يريد أن يصرف وجوه الناس إليه، أدخله الله جهنم». وهذا الأثر معضل أو مرسل، فمكحول لم يلق النبي عليه الصلاة والسلام، وبينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم صحابي، فبهذا السند لا يصح، لكن صح كما ذكرنا في الطرق الأخرى قول النبي عليه الصلاة والسلام: «من طلب العلم ليباهي به العلماء، أو ليماري به السفهاء، أو ليصرف وجوه الناس إليه، فالنار، النار». ومر معنى، وتنبيه على معنى هذا الحديث، وما فيه من الوعيد الشديد لمن طلب العلم غير الله. قال رحمه الله: أخبرنا إسماعيل بن أبان، قال: حدثنا يحيى بن اليمان، عن المنهال بن خليفة، عن مطر الوراق، عن شهر بن حوشب، عن ابن عباس، قال: «إنما يحفظ حديث الرجل على قدر نيته». وهذا الأثر ضعيف، شهر بن حوشب ضعيف. وقوله: «إنما يحفظ حديث الرجل على قدر نيته»، يعني بقدر ما عنده من الإخلاص والصدق في طلب الحديث وطلب العلم، يكون له حفظ له العلم وينتفع به. قال رحمه الله: أخبرنا يعلى، قال: حدثنا المسعودي، عن القاسم، قال: قال عبد الله: «إني لأحسب الرجل ينسى العلم الذي كان يعلمه للخطيئة التي كان يعملها». وهذا الأثر منقطع، فالقاسم لم يدرك عبد الله بن مسعود أو لم يسمع منه. وإن كان معنى هذا الأثر صحيح، أن الرجل قد ينسى شيئا من العلم بسبب الخطيئة والذنب الذي يقع فيه، فالذنوب سبب لنسيان العلم وذهاب العلم وحرمان العلم. وفي تلك الأبيات المشهورة التي تنسب إلى الإمام الشافعي رحمه الله في قوله: شكوت إلى وكيع سوء حفظي... فأرشدني إلى ترك المعاصي، وأخبرني بأن العلم نور... ونور الله لا يهديه عاصي. فالمعاصي والذنوب سبب عظيم لحرمان العلم والانتفاع به. قال رحمه الله: أخبرنا الحكم بن نافع، قال: أخبرنا شعيب بن أبي حمزة، عن ابن أبي حسين، عن شهر بن حوشب، قال: بلغني أن لقمان الحكيم كان يقول لابنه: «يا بني، لا تعلم العلم لتباهي به العلماء، أو لتماري به السفهاء، أو ترائي به في المجالس، ولا تترك العلم زهدا فيه، ورغبة في الجهالة. يا بني، اختر المجالس على عينك، وإذا رأيت قوما يذكرون الله فاجلس معهم، فإنك إن تكن عالما ينفعك علمك، وإن تكن جاهلا يعلموك، ولعل الله أن يطلع عليهم برحمته فيصيبك بها معهم. وإذا رأيت قوما لا يذكرون الله فلا تجلس معهم، فإنك إن تكن عالما لا ينفعك علمك، وإن تكن جاهلا زادوك غيا، ولعل الله أن يطلع عليهم بعذاب فيصيبك معهم». وهذا الأثر شهر بن حوشب كما نعلم ضعيف، وقول: «بلغني أن لقمان الحكيم»، هذا من البلاغات، فهي من الأحاديث والآثار المنقطعة، فكم بين شهر بن حوشب وبين لقمان الحكيم؟ أما معنى ما في هذه الكلمات فهي معاني صحيحة. قال رحمه الله: وأخبرنا يوسف بن موسى، قال: حدثنا إسحاق بن سليمان، قال: حدثنا حريز، عن سلمان بن سمير، عن كثير بن مرة، قال: «لا تحدث الباطل الحكماء فيمقتوك، ولا تحدث الحكمة للسفهاء فيكذبوك، ولا تمنع العلم أهله فتأثم، ولا تضعه في غير أهله فتجهل. إن عليك في علمك حقا كما أن عليك في مالك حقا». هذا الأثر محتمل للتحسين. وقوله: «لا تحدث الباطل الحكماء فيمقتوك»، يعني لا تذكر الشيء الباطل أو ما فيه ذم، أو مثل ذكر حديث ضعيفة أو شيء من ذلك، أو الغرائب والعجائب، وغالبها أنها مكذوبة، فتحدث بها الحكماء أهل العلم والفضل فيمقتوك، يعني يبغضوك بسبب ذلك. «ولا تحدث الحكمة للسفهاء فيكذبوك»، قوام السفهاء يعني لا يعطون للعلم قيمة ولا شرفا ولا منزلة، فتحدثهم بالعلم فيكذبوك. «ولا تمنع العلم أهله فتأثم»، يعني من يريد أن يتعلم من أهل العلم من طلبة العلم وأهل الحديث، فتمنعهم إياه وهم أهلا لأخذ هذا العلم، فتقع في الإثم من كتمان العلم، عدم بثه ونشره. «ولا تضعه في غير أهله فتجهل»، يعني تضع العلم في غير من ينتفع به، ومن غير من يهتم بطلبه وحفظه والعمل به، فتجهل، أي ترمى بالجهل لأنك وضعت العلم في غير أهله. ثم قال: «إن عليك في علمك حقا كما أن عليك في مالك حق». والمراد بذلك هذا الحق بث هذا العلم وتعليمه للناس، والعمل به، والعمل به، كما أن عليك في مالك حق، وهو إخراج ما يجب فيه من الزكاة وإعطاؤها لمستحقيها، كذلك أيضا هذا العلم عليك فيه حق، وهو أن تخرجه وتضعه عند أهله، تعلم العلم لمن ينتفع به ومن يحرص على تعلمه والعمل به. قال رحمه الله: وأخبرنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني معاوية، أن أبا فروة حدثه أن عيسى بن مريم كان يقول: «لا تمنعوا العلم من أهله فتأثموا، ولا تنشروه عند غير أهله فتجهلوا، وكونوا أطباء رفقاء، يضع دواؤه حيث يعلم أنه ينفع». وهذا الأثر كما نرى أن بين أبي فروة وبين عيسى بن مريم قرون. قال: وأخبرنا أبو النعمان، قال: حدثنا مهدي، عن غيلان، عن مطرف، قال: «لا تطعم طعامك من لا يشتهيه». وهذا صحيح. «لا تطعم طعامك من لا يشتهيه»، أي من لا يريده، إذا أعطيت طعامك من لا يريده سيذمه، سيذمه ولا يجعل لهذا الطعام قيمة. وهكذا معنى كلامه: لا تضع العلم عند من لا يريد العلم، فلا يرفع للعلم منزلة ولا قيمة، بل ويذم وربما استحقر ما أعطيته من العلم، فلا بد أن تضع العلم عند أهله وعند من يعظم العلم ويعرف قيمته ومنزلته. قال: وأخبرنا محمد بن أحمد، قال: حدثنا سفيان، عن داود بن الشابور، قال: إنه سمع شهر بن حوشب يقول: قال لقمان لابنه: «يا بني، لا تعلم العلم لتباهي به العلماء، أو تماري به السفهاء، وترائي به في المجالس، ولا تترك العلم زهدا فيه ورغبة في الجهالة. وإذا رأيت قوما يذكرون الله فاجلس معهم، إن تكن عالما ينفعك علمك، وإن تكن جاهلا علموك، ولعل الله أن يطلع عليهم برحمته فيصيبك بها معهم. وإذا رأيت قوما لا يذكرون الله فلا تجلس معهم، إن تكن عالما لم ينفعك علمك، وإن تكن جاهلا زادوك غيا أو عيا، ولعل الله أن يطلع عليهم بسخط فيصيبك به معهم». وهذا أيضا كالأثر الذي مر، معناه صحيح، وضعيف شهر بن حوشب الضعيف، وبينه وبين لقمان قرون. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.

شاركنا على