الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 9، ألقاها
يشرح هذا الفصل أحداث يوم أحد وفتح مكة، حيث قتل سبعون من الصحابة ومثلوا بهم، وكيف أن الأنصار أرادوا الانتقام ولكن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم بالكف عن قريش. كما يبين رد فعل الأنصار على معاملة قريش للمهاجرين ونزول آية العاقبة للصابرين.
يتناول هذا الفصل كيفية دخول النبي صلى الله عليه وسلم مكة وكيفية تعامل جيشه مع أهلها، حيث عفا عنهم رغم ما آذوه وأخرجوه، وأمر بقتل أربعة أشخاص فقط لجرائمهم. كما يشرح رد فعل النبي صلى الله عليه وسلم تجاه أهل مكة بعد الفتح.
يشرح هذا الفصل حديثا نبويا يتعلق بالأسرى في الحرب، حيث يبين أن الحديث يشير إلى عدم قتل الأسرى إلا في حالات محددة، ويذكر أن هناك أربعة أنواع من الناس لا يجب كف الأيدي عنهم. كما يبين أحكام التعامل مع الأسرى في الإسلام.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه بعد. قال شيخنا مقبل بن هادي الوادي رحمه الله: قال الإمام الترمذي رحمه الله تعالى: حدثنا أبو عمار الحسين بن حريث، وهو حافظ من حفاظ الحديث، قال: حدثنا الفضل بن موسى، وهو الفضل بن موسى السيناني، وهو أيضا ثقة أو فوق الثقة، قال: عن عيسى بن عبيد، وهو عيسى بن عبيد بن مالك الكندي، وهو ثقة، قال: عن الربيع بن أنس، وهو آل مدني، عن أبي العالية، وهو رفيع بن مهران أبو العالية الرياحي، قال: حدثني أبي بن كعب. وأبو العالية قد سمع من أبي وهو في المدينة. وأبو العالية يعتبر من المخضرمين ممن أدرك الجاهلية وأدرك الإسلام، أنه أسلم بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم، فأدرك كثيرا من الصحابة، والظاهر أنه أسلم في عهد عمر. قال: حدثني أبي بن كعب رضي الله عنه قال: لما كان يوم أحد أصيب من الأنصار أربعة وستون رجلا، ومن المهاجرين ستة، ففيهم حمزة، فمثلوا بهم. فقالت الأنصار: لئن أصبنا منهم يوما مثل هذا لنربين عليهم، لنربين معنى لنزيدن عليهم. قال: فلما كان يوم فتح مكة، فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾، فقال رجل: لا قريش بعد اليوم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كفوا عن القوم إلا أربعة. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من حديث أبي بن كعب، على حسن الظاهر، لأن في عيسى بن عبيد شيء من الكلام، وغريب لأنه جاء من هذه الطريق فقط، من طريق عيسى بن عبيد فرواه جماعة عنه. قال أبو عبد الرحمن: وهو حديث حسن. ولأن عيسى بن عبيد ثقة، لكنه قد تكلم في حفظه، فلهذا قال الشيخنا: حديث حسن. طيب هذا الحديث ذكر أبي رضي الله عنه أنه في يوم أحد أصيب من الأنصار أربعة وستون رجلا، ومن المهاجرين ستة، على سبعين رجلا. وقد ذكر الله عز وجل هذه المصيبة التي أصابت الإسلام في أحد، فذكرهم قبل ذلك أنهم قد أصابوا مثليها، أي أصابوا مثليها في بدر، فإنهم قتلوا سبعين وأسروا سبعين. وأما في أحد فقتلوا سبعين من الصحابة رضي الله عنهم، ولم يؤسروا أحدا، لأنهم هربوا أو خرجوا، وتحصل النبي صلى الله عليه وسلم في جبل أحد أو صعد الجبل. ثم أنهم رجعوا وأرسل النبي صلى الله عليه وسلم من يلاحقهم، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم من يلحق بهم، فلحقوا بهم حتى وصلوا إلى حمراء الأسد، ثم رجعوا ولم يدركوهم. وهؤلاء كانوا قد أثنى الله عز وجل عليهم. فهذا الحديث يبين أبي رضي الله عنه أنه لما قتلوا هؤلاء السبعون، ومنهم حمزة، فمثلوا بهم، فمثلوا بالمهاجرين. ومن إيمان الأنصار رضي الله عنهم، وكذلك حبهم للمهاجرين، فإنهم لم يستأثروا، ولم يقولوا: هذا من المهاجرين لا دخل لنا. لكن أصابهم الحنق، فلما رأوا ما عملوا به بالمهاجرين، قالت الأنصار: لأن أصبنا منهم يوما، أي أصبنا هزمناهم وغلبناهم مثل هذا لنربين عليهم، أو لنربين عليهم لنزيد عليهم في هذا التمثيل. هم الآن مثلوا بأصحابنا، فإن ظفر الله عز وجل بنا عليهم، فإننا لنزيد في هذا التمثيل. فأنزل الله عز وجل تلك الآية في فتح مكة، لأن الأنصار لما جاءوا في فتح مكة، جاء في سيرة ابن سحاق أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بعض الصحابة وأخذ يد في يد، وقال: «من قابلكم فأحصدوه معنا»، كل من قابلكم قاتلوه واقتلوه. ثم قال بعض الأنصار: قد أبيدت خضراء قريش. وقال بعضهم على بعض الأنصار الذين هم من صغار الأنصار أو من لا يعرفون من الكبار: قد أبيدت خضراء قريش. وقال بعضهم: لا قريش بعد اليوم. فالنبي صلى الله عليه وسلم سمع منهم هذه العبارات، وأنزل الله عز وجل هذه الآية: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «كفوا عن القوم إلا أربعة». بل أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أخرج سعد بن عبادة شيء من هذا الكلام، قام وأرسل سيدا بن حضير بدله. فلهذا أراد أن لا يكون مثل هذا الأمر. وفعلا لما دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة لم يلاق من يعارضه، لم يلاق من يعارضه في مكة. وإنما لقي المعارضة خالد بن الوليد، لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل خالدا ومن كان معه من المهاجرين والأنصار، جعلهم يخرجون من المسفلة أو يدخلون مكة من المسفلة على من اليمين. ودخل النبي صلى الله عليه وسلم من الثنية العليا من كدى. فلما دخل أو لما جاء خالد ومن كان معه، لقي عكرمة بن أبي جهل ومن كان معه من شباب قريش، أرادوا أن يقاتلوا، فكسرهم خالد وجنوده، فلم يستطيعوا أن يقفوا مع جيش المسلمين. فلهذا حصل خلاف بين العلماء هل مكة فتحت عنوة أو فتحت صلحا وسلم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما دخلها لم يلق حربا، دخلها واستسلم أهلها، وقال: «من دخل بيته فهو آمن». فالناس دخلوا بيوتهم وأمنهم نبي صلى الله عليه وسلم، وأمن الذين قاتلوا، فإنما قاتلوا في جهة من الجهات. فلهذا فمكة فتحت صلحا وعنوة. فمن قال صلحا نظر إلى جهة النبي صلى الله عليه وسلم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة إلى أن وصل إلى الكعبة لم يلق شيء. ولما أمر خالدا على الجيش قال: «أمروا من الأسفل ثم نلتقي عند البيت»، نلتقي عند البيت. فلما مر خالد من أسفل من كدي أسفل مكة، فإنه لقي أولئك المعارضون، فوقف معهم فترة، ثم بعد ذلك رجع أو كمل مشواره إلى أن وصل إلى بيت الله عز وجل الحرام وهو الكعبة. فالنبي صلى الله عليه وسلم من جهته لم يلاق حربا، لكن خالدا ومن كان معه لقي شيء من هذه الحرب. فلهذا فمن قال أنها صلحا نظر إلى ما فعل النبي صلى الله عليه وسلم، ومن قال أنها عنوة نظر إلى ما لاقى خالد ومن معه. لكن الظاهر أن أكثر أهل مكة استسلموا، وإنما بعض شباب أهل مكة كعكرمة وغيره جمعوا بعض الأوباش وأرادوا أن يقاتلوا المسلمين، لكن لما رأوا أنهم لم يقاوموا استسلموا وهرب بعضهم كعكرمة رضي الله عنه، ثم رجع وأسلم وحسن إسلامه رضي الله تعالى. طيب هنا يقول أبي رضي الله عنه أن بعض أهل الأنصار قالوا: فقال رجل، وجاء في بعض الروايات رجل لا يعرف، جاء في بعض هذه الروايات الحديث، فقال رجل لا يعرف، لا يعرف عند الناس، ليس هو من المشهورين، فقد يكون هو مثلا قال هذا لأجل أمر في نفسه. فقال رجل: لا قريش بعد اليوم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم لما سمع هذا: كفوه عن القوم إلا أربعة، أي من سماهم النبي صلى الله عليه وسلم وأمر بقتلهم لما دخل مكة. قال: «اقتلوهم ولو رأيتموهم متعلقا بأستار الكعبة». فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتل ثمانية، ستة رجال وامرأتان، فقتل منهم أربعة. وأما عبد الله بن سعد بن أبي سرح، فإنه جاء به عثمان رضي الله عنه وأسلم، أسلم عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وقبل النبي صلى الله عليه وسلم إسلامه، مع أنه قد أمر أن يقتل، قد أمر أمر النبي صلى الله عليه وسلم من وجده أن يقتله. فلما جاء به عثمان وهو ابن عمه، على أنه يؤمنه عند النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم من قتله، فسكت النبي صلى الله عليه وسلم. ثم لما رأى القوم لم يتحرك منهم أحد، فبعد ذلك عفى عنه وقبل إسلامه. لكن قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لما لم يقم أحد منكم فيقتله؟» قالوا: يا رسول الله، أمضيت لنا بأعيننا غمزتنا. فقال: «لم يكن نبيا له خائنة الأعين»، ليس هناك نبي له خائنة الأعين، أنهم يريدون أنه يشير إليهم بعينيه حتى لأجل أن يقتلوه، لكن الله عز وجل أراد ذلك. فبعد ذلك قبل نبي الله صلى الله عليه وسلم إسلام عبد الله بن سعد بن سرح. فخلاصة هذا الحديث يقال أن النبي صلى الله عليه وسلم عفى عن أهل مكة، مع أنهم آذوه وأخرجوه عليه الصلاة والسلام، بل حاربوه إلى المكان الذي هاجر إليه. فوق هذا إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم لما تمكن منهم لم يفعل بهم شيء، بل عفى وأصفح عليه الصلاة والسلام. وأما الرواية التي تذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم: «إذهبوا وأنتم الطلقاء»، فهي لم تثبت إسنادا، لم تثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم. لكن معناها هذا، معناها هذا أنه قال: «لا تكفوا عن القوم إلا أربعة»، أي لا تقتلوا أحدا إلا هؤلاء الأربعة. فهذا ما يذكر في هذا الحديث والله تعالى أعلم.