كتاب النكاح والطلاق 15

الدرس في كتاب النكاح والطلاق 15، ألقاها

تعريف الإيلاء وأحكامه الأساسية

الإيلاء هو حلف الزوج على ترك وطء زوجته أكثر من أربعة أشهر، ودليله قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾. إذا آل الزوج أكثر من أربعة أشهر، يحبس ويعطى فترة أربعة أشهر.

شروط الإيلاء وحكمه وتطبيقاته العملية

يشترط في الإيلاء أن يكون الزوج قادرا على الوطء وأن يحلف بالله أو صفة من صفاته، وإذا لم يرجع الزوج إلى زوجته بعد مضي أربعة أشهر، يلزمه الرجوع أو الطلاق، ويكون للحاكم دور في إلزامه بأحدهما.

أثر الإيلاء على الزوجين وآراء العلماء

الإيلاء يلزم الزوج بالرجوع أو الطلاق بعد أربعة أشهر، واختلف العلماء في المدة التي يجوز للزوج الغياب فيها عن زوجته، فمنهم من قال أربعة أشهر ومنهم من قال ستة أشهر، ويرى الجمهور أن الطلاق لا يقع بمجرد مضي المدة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف: وقع الله الباب الخامس في الإيلاء. قال: تعريف الإيلاء ودليله. قال: تعريف الإيلاء: الإيلاء لغة مأخوذ من الألية، بمعنى اليمين. يقال: آل فلان يولي إيلاء وألية، أي أقسم. إذا الإيلاء هو القسم. الإيلاء هو القسم. قال: وشرعا: أن يحلف زوج بالله أو بصفة من صفاته، وهو قادر على الوطء، على ترك وطء زوجته في قبولها أبدا أو أكثر من أربعة أشهر. هذا معنى الإيلاء في الشرع: أن يحلف زوج. إذا الإيلاء لابد أن يكون من زوج، لابد أن يكون من زوج. فلا يقع الإيلاء من غير زوج. لا يقع الإيلاء من غير زوج. فلو آل على هذا رجل من امرأة، ثم تزوجها، هل يصح هذا الإيلاء؟ الجواب: لا يصح، لأنه حين آله لم تكن زوجة له، لم تكن زوجة له. وهكذا أيضا قوله: أن يحلف زوج، كذلك يخرج به الأمة، يخرج به الأمة، لأن الأمة ليست بزوجة، وإنما هي ملك يمين، إنما هي ملك يمين. فلو آل الرجل السيد من أمته، فإنه لا يعتبر هذا إيلاء، وإنما يقع الإيلاء من الزوج على زوجته، كما سيأتي في الآية. قال: أن يحلف زوج، وهذا الزوج يعني سواء كان كبيرا أو كان صغيرا، ولو كان مميزا، فإنه يقع إيلاءه، يقع إيلاءه، لعموم الآية: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾، فيصح كذلك من الصغير المميز. قال: أن يحلف زوج بالله أو بصفة من صفاته، لأن الحلف لا يجوز إلا بالله أو صفة من صفاته جل وعلا. فإذا حلف الإنسان، فإنه لا يحلف إلا بالله. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت». والحلف بغير الله لا يجوز، الحلف بغير الله لا يجوز. فإذا حلف بالله، قال: «والله لا أقربك شهرا أو سنة أو أطلق: والله لا أقربك أبدا»، أو حلف بصفة من صفات الله، قال: «وقدرة الله ما أقربك، وعزة الله لا أنام معك على فراش»، أو نحو ذلك. قال: وهو قادر على الوطء، يعني يحلف بالله جل وعلا أو صفة من صفاته، وهو قادر على الوطء. فيخرج بذلك إذا كان عاجزا، إذا كان عاجزا عجزا مستمرا، فإنه لا يصح إيلاؤه، كان يكون مشلولا، عنده شلل فلا يستطيع معه الوطء، فمثل هذا لا يصح إيلاؤه، أو يكون مجبوبا، هذا أيضا لا يصح إيلاؤه. قال: على ترك وطء زوجته في قبولها أبدا، على ترك وطء زوجته في قبولها أبدا. لماذا قال: في قبوله؟ لأنه إذا حلف مثلا على أن لا يطأها في الدبر، هذا لا يصح، لأن الدبر ليس موضع الوطء، بل هو يعني فعل محرم، كما سيأتي. وإنما موضع الوطء هو القبول، الذي هو موضع الحرث. والله عز وجل يقول: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾. قال: أو أكثر من أربعة أشهر، يعني يحلف أنه ما يقربها أبدا، «والله ما أقربك أبدا»، أو أكثر من أربعة أشهر، كان يقول: «والله لا أقربك سنة أو لا أقربك ستة أشهر». فهذا يكون قد وقع في الإيلاء. طيب إذا كان أقل من أربعة أشهر، هل يعتبر إيلاء؟ الجواب: نعم يعتبر إيلاء. لو قال: «والله لا أقربك شهرا»، هنا أن حلف أنه ما يقربها، إذن يلزمه ألا يقربها. وإذا كان الحلف دون أربعة أشهر، فعلى المرأة أن تصبر، على المرأة أن تصبر، وليس لها أن تطالبه بالفيء، يعني بأن يأتيها، خلال هذه المدة، ما دام أن أقل من أربعة أشهر. فإذا انتهت، فإنه فإنها تصبر حتى تمر أربعة أشهر، فبعد ذلك إن لم يأتي لها، أن تطالب، لها أن تطالب بالرجوع، أن يأتيها، وإلا لها الحق بالمطالبة بالفسخ. لكن إذا كان الإيلاء إذا آل أكثر من أربعة أشهر، فإنه حينئذ يحبس، ويصبر أربعة أشهر، يعطى له فترة، مدة أربعة أشهر. لو قال: «والله ما أقربك سنة»، نقول: نتربص، نعطيه أربعة أشهر. بعد الأربعة أشهر نقول: تعال، إما أن تفيء وترجع إلى زوجتك وتطأها، وإما أن تطلق، وإما أن تطلق. فإن أبى، طلق عنه الحاكم. واضح. لكن في إذا كان الإيلاء أقل من أربعة أشهر، هنا تصبر، ليس لها حق في المطالبة بالرجوع، يعني لو قال مثلا: «والله ما أقربك ثلاث أشهر»، تصبر، ما معها إلا الصبر، لأن الفترة التي لها حق المطالبة أربعة أشهر. والنبي صلى الله عليه وسلم آل من نساء شهرا، آل من نساء شهرا، وبعد أن مضى الشهر، وكان تسعة وعشرين، خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى نساء. قال: دليله قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾، للذين، الذين اسم موصول، والأسماء الموصولة من ألفاظ العموم، فيشمل ذلك كل من آل من امرأته، كما ذكرنا، سواء كان كبيرا أو صغيرا، بل سواء كان مسلما أو كافرا، حتى الكافراء، كذلك يصح إيلاؤه. وهكذا أيضا إذا كان هذا المولي في حال غضب، فإنه يصح منه الإيلاء، إذا كان لم يصل إلى حد لا يدري ما يقول. فإن كان يدري ويعقل ما يقول، وهو في حالة غضب، فيصح إيلاؤه، لأنه مولي. وقوله جل وعلا: ﴿مِنْ نِسَائِهِمْ﴾، يخرج الإيلاء من غير الزوجة، كما مر. فإن كان الإيلاء في غير زوجة، ثم تزوجها بعد ذلك، فلا يصح هذا الإيلاء، أو كان من السيد لأمته، فلا يصح، لأن الأمة ليست بزوجة. قال: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾، يعني ينتظر أربعة أشهر. ﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾، أي بعد الأربعة أشهر، إذا جاءت الأربعة أشهر ومضت، فينظر، ينظر. إن فاء، أي هذا الزوج، ورجع، رجع إلى امرأته، وأتاها. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ الرَّحِيمُ﴾، يغفر الله عز وجل له ما قد حصل من هذه اليمين التي أراد الامتناع منها عن اتيان زوجته. وهل في قوله جل وعلا: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ الرَّحِيمُ﴾، سقوط الكفارة؟ قال بهذا بعض أهل العلم. والصحيح أنه لا بد أن يكفر، وهذا قول جمهور أهل العلم. فقوله جل وعلا: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ الرَّحِيمُ﴾، ليس معناه سقوط الكفارة. فالكفارة لا بد أن يؤديها، لكن يغفر الله عز وجل له ما حصل منه من هذا الحلف، امتناعه عن اتيان أهله. ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، يعني إذا لم يفئ، إذن يأتي هنا الطلاق، إذا أبى، يأتي امرأته، فيقال له: طلق، فارقها، لا تضر بها. ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. هنا مسألة يذكرها أهل العلم، وهي: هل الطلاق يقع بمجرد مضي الأربعة أشهر وترك الفيء، أو أنه لابد أن تطالب المرأة بالطلاق؟ يعني الآن آل من امرأته، مضت الأربعة أشهر. قيل له: وإرجع، هل تفيء إلى زوجتك وترجع؟ قال: لا. هل بمجرد أن يمتنع من الفيء يقع الطلاق، أو أنه لابد أن تطالب به المرأة؟ فإن قالت المرأة مثلا: أنا أصبر، أعطيه زيادة على الأربعة أشهر وأصبر عليه، هل لها حق بذلك أم أنه ليس لها حق بذلك؟ الصحيح: أن ليس لها حق بذلك، وأن وجوب الطلاق عليه، من أجلها، من أجل رفع الضرر عنها. فإذا هي وافقت على الزيادة والصبر عليه بعد مضي أربعة الأشهر، فلها ذلك، ولا يلزم حينئذ أن يطلق، لا يلزم حينئذ بالطلاق. لكن إذا طالبت، قالت: إذا لم يرجع، أريد الطلاق، يلزم، يلزم بالطلاق. فإن أبى أن يطلق، وهنا يطلق عنه الحاكم. قال: ثانيا: شروط الإيلاء. الآن وضحت سورة الإيلاء: أن يحلف الزوج بالله أو بصفة من صفاته، أنه ما يقرب زوجته أبدا أو مدة أكثر من أربعة أشهر، أو مدة أكثر من أربعة أشهر. فإذا فعل ذلك، فإنه يصبر عنه أربعة أشهر، ثم يطالَب بعد ذلك بالفيء والرجوع، فإن أبى، طُلّب بالطلاق. قال: شروط الإيلاء: أولا: أن يكون من زوج يمكنه الوطء، فلا يصح من عاجز عن الوطء لمرض لا يرجى برؤه، أو شلل، أو جَبْ كامل، جَبْ يعني يكون مقطوع العضو، هذا ما يمكن معه الوطء. فكيف يقع منه الإيلاء؟ إذن لا بد أن يكون الإيلاء من زوج يمكنه الوطء، فيخرج بذلك العاجز عجزا مستمرا. قال: أن يحلف بالله أو صفة من صفاته، لا بطلاق أو عتق أو نذر، يعني أن يكون هذا الحلف بالله أو صفة من صفاته. فإن كان بغير ذلك، كالحلف بالطلاق، كالحلف بالطلاق، مثلا يقول: «علي الطلاق أن لا أقربك أبدا»، أو بالنذر لله: «علي أن لا أقربك أبدا»، فهنا، فهنا يقول: لا بطلاق أو عتق أو نذر، يعني لا يقع الإيلاء إذا حلف بالطلاق، أو حلف بالنذر، أو بالعتق. كان يقول مثلا: «عبدي حر إن قربتك في أقل من ستة أشهر»، مثلا، وهي مسألة خلافية: هل يقع الطلاق في مثل هذه الحالة؟ وإن كان هذا الحلف لا يجوز، الحلف بغير الله، وفي صفة من صفاته لا يجوز، لا يجوز الحلف بالطلاق، ولا بالعتق، ولا بغيره. لكن لو حصل، فيرى بعض أهل العلم أنه يقع، أنه يقع. ولأن حكمه هو حكم اليمين، فحينئذ يقع الإيلاء به. وهذا ما رجحه أعلام عثيمين رحمه الله. قال: أن يحلف على ترك الوطء أكثر من أربعة أشهر، أن يحلف على ترك الوطء أكثر من أربعة أشهر، ستة أشهر، سنة، سنتين، أبدا، يقول: «ما أقربك أبدا»، هنا يكون وقع في الإيلاء، كما سمعنا للآية: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾. فإذا كان أقل من أربعة أشهر، فما يقال في حقه؟ يتربص أربعة أشهر، لكن مع ذلك يكون حكم حكم الإيلاء، من حيث الامتناع، أنه يمتنع من إتيان زوجته، إلا أن الزوجة في هذه الفترة التي هي دون أربعة أشهر، عليها أن تصبر، ولا تطالب بالفيء، بخلاف إذا آل أكثر من أربعة أشهر، فإن لها المطالبة بعد مضي أربعة أشهر. قال: أن يحلف على ترك الوطء في القبل، أي الفرج. فلو حلف على ترك الوطء في الدبر، لم يكن موليا، لأنه لم يترك الوطء الواجب، لأن الوطء الواجب في القبل، هذا هو الواجب والمباح. وأما الوطء في الدبر، فهو محرم، فهو محرم، ولا يحصل به كمال الاستمتاع. فإذا كان الإيلاء على ذلك، لم يصح. وإنما يصح إذا كان الحلف على ترك وطئها في القبل. قال: أن تكون الزوجة ممن يمكن وطؤها، أما المرأة المتعذر وطؤها، كالرتقاء والقرناء، فلا يصح الإيلاء منها. الرتقاء التي انضم فرجها، والتصق، فلا يمكن جماعها. من الرتق، وهو ضد الفتق. ومعنى الضيق. قال: والقرناء، قال: هذه المرأة التي في فرجها مانع يمنع من ولوج الذكر فيه، إما غدة غليظة، أو لحمة منصوبة، أو عظم. وهذا عيب، هذان عيبان من العيوب التي يفسخ بها النكاح، إذا كانت في المرأة. لكن إذا كانت هذه المرأة عند الزوج، رضي بذلك، فأراد أن يولي منها، فلا يصح الإيلاء، لأن مثل هذه لا يمكن وطؤها. والإيلاء هو حلف على ترك الوطء، إذا لا يصح هذا الإيلاء بمثل من كانت هذه حالها. قال: حكمه. قال: حكمه: الإيلاء محرم في الإسلام، لأنه يمين على ترك واجب، محرم لأنه يمين على ترك واجب، لأن إتيان الرجل أهله واجب، من الواجبات التي هي من حقوق الزوجة على زوجها. وبعض أهل العلم يقول: أن الواجب من الوطء مرة كل أربعة أشهر، يعني في السنة ثلاث مرات. واستدلوا بهذه الآية، آية الإيلاء. قالوا: أن الله عز وجل جعل للمولي أربعة أشهر، ثم وجب عليه أن يرجع، أن يأتي امرأته. قالوا: إذن هذه الفترة هي الواجب، التي يجب فيها الوطء، فيجب بكل أربعة أشهر مرة، فيكون في السنة ثلاث مرات. لكن هذا خلاف الصواب. والصواب: أن الجماع يكون على حسب الحاجة، على حسب الحاجة، ويختلف ذلك باختلاف الأحوال. قال: فإذا أقسم الزوج على عدم جماع زوجته أبدا أو أكثر من أربعة أشهر، فهو مولي. فإن حصل منه وطء لها، وتكفير عن يمينه، قبل انتهاء الأربعة أشهر، فقد فاء، أي رجع إلى فعل ما تركه. والله يغفر له ما حصل منه، يعني لو قال: «والله ما أقربك سنة»، بعد شهر أتاها، هنا حصل الرجوع، حصل الرجوع. ﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾، أي رجع عما قالوا، وأتوا نساءهم. فإن كان هذا الرجوع قبل الأربعة أشهر، قبل الأربعة أشهر، صح هذا الرجوع، وعليه كفارة يمين على الحلف الذي حلفه. ويغفر الله جل وعلا له ما حصل منه من هذا الحلف، ومن الحنث في هذه اليمين. قال: وإن أبى أن يطأ بعد مضي المدة، أي بعد مضي أربعة أشهر، وطلبت المرأة ذلك منه، يعني طلبت منه الرجوع والفيء، فإن الحاكم يأمره بأحد أمرين. وقوله: وطلبت المرأة ذلك، مفهوم المخالفة: أن إن لم تطلب ذلك، لم يجب عليه، لم يجب عليه. فلو أن المرأة قالت: أنا أصبر، إذن ما يلزم حينئذ بالطلاق. لكن إذا طالبت، لأن هذا حق لها، وطالبت به، فهنا يأمره الحاكم بأحد أمرين: الأول: الرجوع عن يمينه، ووطء زوجته، ويكفر عن اليمين، يطالبه بالرجوع عن يمينه، وأن يأتي امرأته، ويكفر عن يمينه، كفارة يمين، لأنه حلف، وهو الآن سيحنث، وحلف أنه ما يقربها، ثم أتاها مثلا بعد أربعة أشهر، هنا حنث في يمينه، فيلزمه الكفارة. وهذا قول جمهور أهل العلم، قول جمهور أهل العلم: أنه إذا أتى امرأته بعد مضي المدة، فإنه يلزمه الكفارة. قال: أو الطلاق، إن أبى إلا التمسك بيمينه، إن قال: لا، أنا ما أرجع، ما أتيها، وتمسك بيمينه، فيقال له: طلق، فارقها، إما أن ترجع، وإما أن تطلق. وهذا القول: بأنه يلزمه الحاكم بهذه الأمرين، إما أن يرجع، وإما أن يطلق، وأنه لا يقع الطلاق بمجرد مضي المدة، كما قلنا، هذا قول جمهور أهل العلم، هذا قول جمهور أهل العلم. وصح عن بعض الصحابة رضي الله عنهم، كابن عمر، كما في موطأ الإمام مالك: أنه قال بذلك. وفي البخاري كذلك عنه: أنه قال: «المولي يوقف بعد الأربعة أشهر، إما أن يفيء، وإما أن يطلق». وأخرج الشافعي بسنده، قال: «أخبرنا سفيان بن عيينة، عن يحيى بن السعيد، عن سليمان بن يسار، قال: أدركت بضعة عشر صحابيا، أو بضعة عشر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، كلهم يوقف المولي، كلهم يوقف المولي»، يعني من وقع في الإيلاء، إما أن يرجع، وإما أن يطلق. قال الشافعي: وأقل ذلك ثلاثة عشر، يعني أقل البضعة عشر ثلاثة عشر، يعني من الصحابة رضي الله عنهم، من يقول بذلك، من يوقف المولي، إما أن يطلق، إما أن يرجع، وإما أن يطلق. قال: فإن رفض الأمرين السابقين، إن قال: لا، أنا ما أرجع، ولا أطلق، قال: فإن القاضي يطلق عليه، يعني يطلق بدله، فيطلق هذه المرأة، زوجته. قال: أو يفسخ، لأنه يقوم مقام المولي عند امتناعه، يعني يفسخ النكاح، يقول: هذا النكاح ماذا؟ باطل، أو منفسخ، ويفرق بينهما. لماذا؟ لأن هذا فيه ضرر على الزوجة، فيه ضرر على الزوجة. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا ضرر ولا ضرار». وربنا جل وعلا يقول: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾. قال: والطلاق تدخله النيابة، يعني إذا أبى أن يطلق، وطلق عنه الحاكم، صح طلاقه، لأن الطلاق تدخله النيابة، يعني يجوز للإنسان أن ينيب غيره بالطلاق، يقول: يا فلان، أوكلك في طلاق امرأة فلانة، فيقول: يا فلان، أنت طالق، أنت طالق من فلان، أنت طالق من فلان، فيقع الطلاق. فمثله الحاكم، إذا امتنع هذا المولي من الطلاق، فيطلق الحاكم بدله، ويقوم مقامه في الطلاق. قال: فإن انقضت مدة الإيلاء، وبأحد الزوجين عذر يمنع الجماع، أمر الزوج أن يفيء بلسانه، فيقول: متى قدرت جامعتك، لأن القصد بالفيئة ترك ما قصده من الإضرار بها. يعني مضت الأربعة الأشهر، وعند الرجوع، في أحد الزوجين عذر، مثلا الزوج مريض، مرضا، مرضا ما يستطيع معه الجماع، فيقول: إذا كان لا يستطيع بالفعل، فيرجع بالقول، يقول: أنا رجعت، أو متى قدرت على جماعك جامعتك، أو كذلك إذا كان العذر منها، إذا كان العذر منها، فكذلك يقول: متى عوفيت، مثلا، أو قدرت أن أجامعك جامعتك. قال: أن القصد بالفيئة ترك ما قصده من الإضرار بها، يعني الامتناع من إتيانها، فيه ضرر عليها. فإذا حصل الرجوع له باللسان، حصل المقصود من رفع هذا الامتناع الذي يحصل به الضرر. قال: وألحق الفقهاء بالمولي في هذه الأحكام من ترك وطء زوجته إضرارا بها، بلا يمين، أكثر من أربعة أشهر، وهو غير معذور، يعني من غير أن يحلف، ترك جماع امرأته أربعة أشهر، فيقال له: تعال، بعد الأربعة أشهر، هل تريد امرأتك هذه؟ إن قال: نعم، يقال له: جامعها. وإن قال: لا، ما سأجامع، يطالب بالفراق، يطالب بفراقها، مثل المولي. لماذا؟ لأنه ضرر بها، لأن هذا فيه ضرر. والله عز وجل يقول: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾. فالأوجب رفع الضرر عنها، يطالب بالرجوع أو الطلاق، كالمولي، يطالب بالرجوع أو الطلاق. قال: رابعا: من أحكام الإيلاء. هنا انظر. قال: وهو غير معذور. لكن لو كان معذورا في عدم إتيانها، كأن يكون مسافرا بطلب الرزق، أو عنده شيء من المرض الذي طرأ عليه، فمنعه من الجماع، هنا يصبر عنه. قال: من أحكام الإيلاء: ينعقد الإيلاء من كل زوج يصح طلاقه، مسلما كان أم كافرا، كل من يصح طلاقه، يصح إيلاؤه، فيصح طلاق الصبي المميز، كما مر معنا في الكلام على الطلاق، فكذلك أيضا يصح إيلاؤه، لو آل هذا الصبي المميز من امرأته، صح هذا الإيلاء. قال: مسلما كان أم كافرا، يعني حتى لو كان كافر فآل من امرأته، صح هذا الإيلاء، يعني أنا رجل مثلا، كافر، وامرأته كافرة، قال: «والله ما أقربك سنة»، ثم أسلما، ثم أسلما. قيل له: عليك أن ترجع بعد أربعة أشهر، إلى مضي أربعة أشهر، لزِمك الرجوع، ثم تكفر عن يمينك. قال: حرا أم عبدا، يعني كذلك لو كان هذا الزوج حر، وهذا ظاهر، أو كان عبدا، ومتزوج، وآل من امرأته، صح هذا الإيلاء، لعموم قول الله: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾. والذين اسم موصول، يدل على العموم، كل من آل، فإنه يصح إيلاؤه. قال: ومن الغضبان والمريض أيضا، من الغضبان إذا كان غضبان، لكن غضب يشعر بما يقول، ويدري ما يقول، فهذا يصح إيلاؤه. أما إذا غضب غضبا لا يدري ما يخرج من رأسه، فهذا لا يصح، ولا يقع إيلاؤه، كما مر في الطلاق، كما أنه إذا غضب غضبا لا يشعر بما يقول، ويتلفظ به، فلا يقع طلاقه، كذلك أيضا لا يقع إيلاؤه. إذا وصل به الغضب إلى أنه لا يشعر بما يخرج من فمه، فلا يقع إيلاؤه. هناك حال وسط بين الحالتين، وهو أنه أصابه الغضب، وشعر بما يقول، لكن من شدة الغضب، أصبح لا يمتلك نفسه، أصبح لا يملك نفسه، فهذا فيه خلاف. والصحيح: أنه يلحق بمن سدد به غضبه، حتى لا يدري ما يقول. قال: والمريض، يعني كذلك يصح الإيلاء من المريض، إذا كان هذا المرض مما يرجى برؤه، يعني مرض غير مستمر، لا يعجز معه على الوطء، لكن بهذه الحالة التي آل فيها، كان مريضا، فهنا يصح الإيلاء. قال: ومن الزوجة التي لم يدخل بها، لعموم الآية، يعني عقد على المرأة، وقبل الدخول، قال: «والله ما أقربك سنة»، قبل أن يدخل بها، آلا قال: «والله ما أقربك سنة». وهنا يصح هذا الإيلاء، ويعطى أربعة أشهر، وبعد الأربعة أشهر، يؤمر بالفيء والرجوع. لماذا؟ لأن الغير مدخول بها، هي زوجة، أصبحت زوجة، إذا عقد عليها، صار زوجته، وإن لم يدخل بها، وصارت من نسائه. والله يقول: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾، هذه من نسائه، وإن لم يدخل بها، فيصح وقوع الإيلاء عليها. وهذا قول جمهور أهل العلم. قال: في هذا التشريع الحكيم من الله سبحانه، بأمر المولي بالوطء أو الطلاق، إزالة للظلم والضرر عن المرأة، وإبطال لما كان عليه في الجاهلية من إطالة مدة الإيلاء، يعني كان الواحد يحلف أن ما يتمتع بامرأة، وتطول المدة، أكثر من أربعة أشهر، فيحصل بذلك ضرر على المرأة. فجاء الشرع، وحدد أربعة أشهر، وحدد أربعة أشهر. وسدد بذلك بعض أهل العلم على أن هذه الفترة، يعني أكثر ما تصبر بها المرأة عن زوجها. وفي موطأ الإمام مالك، عن عبد الله المديني: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، كان يطوف في بعض الليالي، بين البيوت، تفقد الرعية، فسمع امرأة تقول: «تطاول هذا الليل، وسود جانبه، وأرهقني ألا خليل ألاعبه، والله لول الله ربا أراقبه، لحرك من هذا السرير جوانبه». فلما أصبح عمر، سأل عن هذه المرأة، فأخبر أن زوجها ممن خرج في القتال للجيش، ثم رجع إلى إمائه حفصة، فسألها: كم تصبر أكثر ما تصبر المرأة على زوجها؟ قالت: ستة أشهر، أو أربعة أشهر. فأمر عمر رضي الله عنه: أن لا يتأخر أحد في الجيش أكثر من ذلك، أكثر من هذه الفترة. ولهذا بعض العلم يقول: هذه فترة أربعة الأشهر، هي التي يجوز فيها أن يغيب الرجل عن امرأته، هذا إذا كان يعني برضاها، وطالبت بحقها، إذا طالبت بعد الأربعة أشهر، وأمكنه الرجوع والإتيان إليها، واجب عليه ذلك. وأما إن كان لا يستطيع أن يكون مسافرا في بلد بعيد، لطلب العلم، أو لطلب الرزق، ولم يكن يعني على المرأة ضرر في ذلك، فتصبر، تصبر حتى يرجع. ولها المطالبة بالفسخ، إذا تضررت، وطالبت زوجها بالرجوع، فأبى، ورأت أن عليها ضرر في ذلك، لها أن تطالب بالفسخ، لها أن تطالب بالفسخ. والحنابلة يقولون: ستة أشهر تصبر، ستة أشهر، فإن لم يأت إليها، ورأت أنه ضرر عليها، فحينئذ لها أن تطالب بالفسخ. أما إذا صبرت، وكانت راضية بغيابه، فحينئذ لا بأس، ولو زادت، يعني هذه الفترة على ستة أشهر، ولو تأخر سنة، وهي راضية، حينئذ لها ذلك. لكن إذا كانت غير راضية، ورأت أنه ضرر عليها، لها أن تطالب الزوج بالرجوع، فإن أبى، فلها المطالبة بالفسخ. قال: لا ينعقد الإيلاء من مجنون، ومغمى عليه، لعدم تصورهما ما يقولان، فالقصد معدوم منهما. لا ينعقد الإيلاء من مجنون، لو قال مجنون لامرأة: «أنت أنا، والله ما أقربك سنة»، ما صح إيلاؤه، لأنه لا عقل له، وهو لا يدرك ماذا يقول، وما معنى الإيلاء، فلا يصح منه. وهكذا المغمى عليه، لأغمي على إنسان، وآل، وهو في حالة الإغماء، وهو في غيبوبة، قال: «والله يا فلان ما أقربك سنة»، هنا ما صح، لأنه في حالة يقول ذلك، وليس بعقله، وليس بحالة عقل، فحينئذ لا يصح منه الإيلاء. طيب إلى هنا، صلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على