الدرس في التعليق على العقيدة الطحاوية 78، ألقاها
أهل السنة يرون عدم جواز الخروج على الأئمة وإن جاروا، وطاعتهم من طاعة الله عز وجل. يربطون مسألة السيف بالخروج على الأئمة سواء بالفعل أو القول.
الخوارج يعتبرون من يرى السيف ويخرج على الحاكم خارجيًا. السلف يحذرون من مذهب الخوارج المتفق عليه في اعتبار ذلك خروجًا.
النبي حذر من الخوارج ووصفهم بشر قتلى تحت أديم السماء وأمر بقتلهم. أئمة الإسلام قرروا عدم جواز الخروج على الحكام الظالمين.
يختتم الشيخ الدرس ويشير إلى استكمال باقي الفقرة في درس قادم بإذن الله تعالى. يؤكد أن الله تعالى هو الأعلم.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى: «ولا نرى السيف على أحد من أمة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلا من وجب عليه السيف، ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا وإن جاروا، ولا ندعو عليهم، ولا ننزع يدا من طاعتهم، ونرى طاعتهم من طاعة الله عز وجل فريضة ما لم يأمروا بمعصية، وندعو لهم بالصلاح والمعافاة». فهذه الفقرة التي ذكرها المؤلف رحمه الله تعالى الإمام الطحاوي في مسألة الخروج على الأئمة، وذكر أن أهل السنة لا يرون السيف على أحد. قال: «ولا نرى السيف على أحد من أمة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلا من وجب عليه السيف». وهذه العبارة المراد بها أن الإمام الطحاوي يقول إن أهل السنة لا يقتلون أحدا ولا يخرجون عليه بالسيف إذا كان إماما، بل إذا وجب ذلك، أي وجب قتله مثلا، يكون إنسان قتل إنسانا متعمدا، فهذا وجب قتله. وهذا يرجع أيضا إلى الإمام، فإن تدخل إنسان وقتله، فمعنى ذلك أيضا خروج على إمامة المسلمين. ولهذا مسألة السيف هذه كان الأئمة يقولون في الرجل كان يرى السيف، فهم يطلقون على أمرين: على من يخرج على الأئمة بكلامه وفعله، فيقولون: يرى السيف، ولو كان لم يخرج مثلا بسيفه ولم يقاتل، لكنه يتكلم ويهيج الناس، فهذا معنى أنه يرى السيف. حتى القعدية من الخوارج يقال لهم أهل السيف، كما قال الإمام أبو قلابة الجرمي رحمه الله: «أهل البدع اختلفوا في الأقوال واتفقوا في السيف». اختلفوا في الأقوال واتفقوا في السيف، حيث إن كلهم يرون الخروج، والخروج كما قلنا السيف، ولو بالكلمة، ولو بالكلمة، لا يشترط أنه يخرج ويقتل، بل تهييجه وكلامه على الأئمة يعتبر خروجا. والأمر الثاني الذي ذكروه أيضا في إطلاق هذه الكلمة، من يكون يقتل الناس أو يقطع طريقهم، معنى يكون قاطع طريق أو محارب، فهذا أيضا يقولون: يرى السيف، أي يرى المحاربة، فيقتل أناس من دون الرجوع إلى الأئمة، وكذلك أيضا يحارب أناس دون أن يرجع إلى الأئمة، هذا كله يعتبر من الخروج، ويطلق عليه السلف أنه يرى السيف. فلهذا كان السلف يحذره رحمه الله من هذا المذهب، وهو مذهب الخوارج جميعا. فالخوارج جميعا يتفقون في السيف، فمنهم من يرى الخروج بالقتل، ومنهم من يرى الخروج بالكلام، فأدناهم الذي يخرج بالكلمة، فتجده يهيج الناس ويتكلم على أئمة المسلمين. وهذا هو أول ما يبدأ به الخوارج، هو الطعن في الأئمة، كما قال مقدمهم الأول عبد الله بن سبأ اليهودي، كان يقول للمصريين الذين جاءوا لقتل عثمان رضي الله عنه: «ابدأوا أولا بالطعن في أئمتكم»، أي إذا طعنتم في أئمتكم وعبتموهم عند الناس قام الناس معكم. وهذا هو الحاصل في كثير من المجتمعات إلى الآن، تجد أنه مهما فعل هذا الإمام أو هذا الحاكم ومهما عدل، فتجد هناك أناس يتربصون به الدوائر، فيهيجون الناس عليه ويظهرون العيوب، يظهرون عيوب هذا الإمام أو هذا الحاكم، وينسون محاسنه، ولو أنه أنقذهم من ويل عظيم وأنقذهم من هلاك، هذا كله ينسى، لكن السيئة تبقى، فيذكرون سيئات الأئمة حتى يهيج الناس. فلهذا كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يذكر هؤلاء بالذم ويحذر منهم، وقد جاءت الأحاديث في عدثته بسعيد أنه قال عليه الصلاة والسلام: «تخرج مارقة من المسلمين، وتحضرون صلاتكم عند صلاتهم، وصيامكم عند صيامهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية». وقال أيضا عليه الصلاة والسلام: «من قاتلهم أو من قتله فهو شهيد». وقال عليه الصلاة والسلام أيضا: «لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد وإرم». وقال عليه الصلاة والسلام: «خير الناس من قتلهم»، أي الذي يقتل هؤلاء هو من خير الناس، أي إذا قاتلهم لأجل أن يصد ما هم عليه ويقمع بدعتهم، فإن قتله فهو من خير الناس. وأيضا قتلاهم شر قتلى تحت أديم السماء، هم قتلى الخوارج، لأنهم يدعون الإسلام ويقولون كما قال النبي صلى الله عليه وسلم من قول خير البرية، فهم يظهرون للناس الخير وفي باطنهم الشر. وكذلك في أمرهم الشر، وغالب هؤلاء يكونون من الجهلة، غالب هؤلاء يكونون من جهلة المسلمين، ليسوا هم أهل علم ولا شيء. ولهذا لم يكن في صف الخوارج من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لم يكن أحد مع الخوارج من أئمة المسلمين، أيضا كذلك في زمن التابعين لم يكن أحد مع الخوارج، إلا أنه حصلت شبهة لبعض الناس في زمن الحجاج، فخرج محمد بن الأشعث، وكان رجلا فقيها، فنزع الطاعة عن الحجاج وأيده بعض الفقهاء، لكن حصلت فتنة عظيمة ندم جميع من كان معه، وخاصة من الفقهاء، حتى أنه ذكر عن رجل وهو يقال له أبو مسلم، كان فقيها من فقهاء البصرة، فكان جالسا عند ابن سيرين، فذكر ابن سيرين رحمه الله ما حصل في فتنة ابن الأشعث، وقال: إن الناس قد خرجوا وسالت دماء المسلمين، فقال أبو مسلم: الحمد لله أني لم أضرب رجلا بسيفي. فقال له محمد بن سيرين: ألم يقولوا فلان معنا؟ ألم يقولوا فلان معنا؟ قال، فبكى أبو مسلم حتى لم يسكت من بكائه، لأنه تندم ندما عظيما أنهم خرجوا وسالت دماء المسلمين، وقتل كثير من الفقهاء في تلك الفتنة. فلهذا قرر أئمة الإسلام أن الخروج لا يجوز على أئمة الظلمة. ولهذا سطره العلماء بعد ذلك، كالإمام أحمد، وكذلك الإمام أبو حاتم، أبو زرعة، وغيرهم من أئمة المسلمين، سطروا ذلك في عقائدهم التي كتبوها، وهو عدم الخروج على أئمة الظلمة. فإن شاء الله تعالى في درس قادم نكمل ما تبقى من هذه الفقرة، فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.