يناقش حكم الشرع في وصف الأمراض بالمعدية وتفسير حديث 'لا عدوى' للرسول صلى الله عليه وسلم، حيث اختلف العلماء في تفسيره بين نفي العدوى تماما واعتبارها تنتقل بقدر الله.
يتناول حكمة وجود الأمراض المعدية والأوبئة، مبينا أن وراء وجودها حكم عظيمة منها زيادة إيمان العبد بربه والإيمان بالقضاء والقدر.
يشرح أهمية الإيمان بالقضاء والقدر في مواجهة الأوبئة، مبينا أن كل ما يحدث بإذن الله، مما يزيد الإيمان ويهدئ البال.
يتحدث عن كتاب الأمراض المعدية لمؤلفه الشيخ أبو هاشم جمال بن سرورة، ويذكر الجهة التي يدرس بها والشخص الذي قام بالترجمة.
قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا، هو مولانا، وعلى الله فليتوكل المؤمنون. الأمراض المعدية مسائل وأحكام، للشيخ الفاضل أبي هاشم جمال بن سرورة، المدرس بدار الحديث بالشيخ. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، المستمعون الأكارم، فهذه الحلقة الثانية من هذه السلسلة، والمعنية بذكر بعض مسائل وأحكام الأمراض المعدية. وأقول: ينقسم المرض من جهة انتقاله وعدمه إلى قسمين اثنين: إلى مرض لازم، وهو الذي يستقر في جسد صاحبه ولا ينتقل إلى غيره، وإلى مرض متعد، وهو الذي ينتقل إلى غيره، وهذا الذي نحن بصدد الحديث عنه بذكر مسائله وأحكامه. وقد أشرنا في الحلقة السابقة إلى الأسباب التي أدت إلى اختيار هذا الموضوع، وبالله التوفيق. المستمعون الأكارم، أود أن أتحدث عن حكم الشرع في مثل هذا الوصف، وهو قولنا: أمراض معدية. فكيف نسميها معدية والرسول صلى الله عليه وسلم قال: «لا عدوى»، كما جاء ذلك في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن جمع من الصحابة؟ فهذا الخطاب صريح من نبينا صلى الله عليه وسلم بأنه لا عدوى، وها نحن نقول: الأمراض المعدية. فالجواب في رفع هذا الإشكال نقول: وبالله التوفيق، العلماء في هذه المسألة قد تباينت أقوالهم. فمن أهل العلم من لا يرى أن هناك عدوى موجودة، وأنه ليس باستطاعة المرض أن ينتقل من جسد لآخر. وهذا قد قال به جماعة من السلف. فعند هؤلاء لا بأس بالصحيح السليم أن يدخل ويزور، بل ويلامس من عنده مرض معدي. وأنه لو وجد من زار مريضا مثلا فأصيب الزائر بمرض، فيقولون: بأن الله إنما ابتلاه في تلك الساعة بالمرض، لأن المرض انتقل إليه عبر المريض. وذلك تمسكا منهم بظاهر الحديث «لا عدوى»، فهم لا يرون للعدوى وجودا. ولكن الصواب في هذا الباب ما ذهب إليه المحققون من أهل العلم، وأن حديث «لا عدوى» هو نفي من رسول الله صلى الله عليه وسلم لما كان يعتقده أهل الجاهلية في العدوى، حيث كانوا يعتقدون أن العدوى تنتقل من جسد إلى جسد بنفسها، لا بتقدير الله. ما هنالك أحد يسيرها، ولا يتحكم بها. وهذا إنه منبثق مما هم عليه من الكفر والشرك. فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بهدم هذه العقيدة الجاهلية بقوله: «لا عدوى»، أي لا عدوى على غرار عقيدة أهل الجاهلية. هكذا يفهم هذا الحديث على ما سمعتموه: «لا عدوى»، أي لا عدوى على غرار عقيدة أهل الجاهلية. ولكن هل معنى ذلك أن نلغي مفهوم العدوى مطلقا؟ الجواب: لا. فالعدوى موجودة، دل على وجودها الحس والشرع. أما الحس، فها نحن نرى فردا من أفراد الأسرة يصاب بمرض، ثم هو بالمخالطة يصيب غيره بمرضه. وهكذا ما دلت عليه التجارب العلمية والفحوصات الطبية من إمكانية انتقال المرض من جسد لآخر. فأدلة الحس تثبت وجود العدوى. وهكذا الشرع، فالشرع يثبت العدوى، كما قال عليه الصلاة والسلام: «فر من المجذوم فرارك من الأسد»، وفي لفظه: «كما تفر من الأسد». وقد قال العلماء: بأن الجذام مرض معدي، أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدم مخالطة صاحبه، حتى لا يصل مرضه إلينا. لكن في هذه المسألة علينا أن نعتقد أن العدوى لا تنتقل بنفسها، كما كان يعتقده أهل الجاهلية، وإنما هي تنتقل بأمر من ربنا، فهو سبحانه إن شاء سلب قوة العدوى فلا تؤثر في أحد، وهو سبحانه إن شاء أبقاها فأثرت. ولهذا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدم مخالطة المجذوم من باب الأخذ بالأسباب. وقد ذكر الإمام النووي رحمه الله تعالى أن هذا الجمع المذكور، والذي قد سمعتموه آنفا، هو قول جمهور العلماء. وهناك أقوال أخرى في المسألة، لكن ما ذكرته لكم هو الأقرب للجواب، والله أعلم بالصواب. وإن شاء الله بعد هذا الفاصل سنواصل الحديث عن الأمراض المعدية مسائل وأحكام. ومن المسائل المهمة التي ينبغي أن نقف عندها ونحن نتحدث عن الأمراض المعدية مبحث مهم، وهو: ما هي الحكمة من وجود هذا النوع من الأوبئة التي تنتقل إلى الغير؟ أليس الله جل في علاه بقادر على جعل الخلق أصحاء لا يتلبسون بشيء من الأمراض؟ الجواب: بلى، فإن الله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير. ويدل على ذلك بأن الله سبحانه وتعالى إن أسكن أهل الجنة في الجنة، فإن من نعيمهم أنه لا يمسهم فيها نصب ولا تعب ولا سقم ولا مرض ولا آفة ولا عهى، يسلمهم الله ويبرئهم الله من الأمراض. فإذا كان هذا في قدرة الله، فهنا ينجلي في الأذهان هذا الإشكال، ويرد هذا السؤال: فما الحكمة من وجود الأمراض والأوبئة في الأمة؟ الجواب: من خلال فهمنا للبحث السابق حول ما ينبغي أن نعتقده في العدوى، وأنها موجودة ولكنها تنتقل بأمر من الله جل وعلا. من خلال هذا المبحث، وفهمه لنا ستظهر لنا، المستمعون الكرام، حكم كثيرة عظيمة ينبغي أن نتأمل فيها، وأن نعتبر بما فيها. ومن أعظمها، أي من أعظم الحكم المرادة من وجود هذه الأمراض والأوبئة بين أبناء الأمة، ما يكون من زيادة إيمان العبد بربه، وخاصة الإيمان بالقضاء والقدر، والذي هو أصل أصيل وركن ركين من أركان الإيمان. فلا يصح إيمان أحد منا إلا بعد أن يؤمن بالقدر خيره وشره، كما جاء ذلك في أحاديث كثيرة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام. وتظهر حقيقة الإيمان بالقضاء والقدر في زمن الأمراض المعدية من عدة أوجه. الوجه الأول: أن تعلم أنه ما يقع في الكون من شيء من خير أو شر إلا بإذن الله. فما وجد هذا الوباء أو نزل إلا بإذن من رب العباد سبحانه وتعالى. فما شاء كان، كما قال جل فعلا: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، فحكمه نافذ، فلا معقب لحكمه، ولا راد لقضائه. فما من خالق إلا الله، بخلاف ما يعتقده الملاحدة والكفرة بأن ما نراه إنما هو من صنع الطبيعة، أو ما يعتقده المشركون بأن آلهتهم هي التي أوصلتهم إلى تلك الحالة، وأوجدت تلك الأمراض والأسقام. قاتلهم الله أنى يؤفكون. فالمسلم يعتقد بأن الله سبحانه وتعالى هو الخالق لكل شيء، فلا إله إلا هو، ولا رب سواه. والمسلم، إخواني في الله، متى ما اعتقد هذه العقيدة، بأنه ما من شيء وجد في المعمورة والكون إلا بأمر من الله، حينها يزداد إيمانا بالله. فهذا من وجه زيادة الإيمان. والوجه الثاني من أوجه الإيمان بالقضاء والقدر، وخاصة في أزمان الأمراض والأوبئة، أن تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك. فما هناك عشوائية أو خلل في أقدار الله، حاشا وكلا. كمسألة توزيع الأرزاق، فإن الله سبحانه وتعالى قد قسم الأرزاق بين العباد، فجعل هذا غنيا وذاك فقيرا، فأعطى هذا ومنع ذاك، كل ذلك بتقدير الله، كما قال جل في علاه: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾. بل قال سبحانه: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾، فكل شيء قد قدره ربنا تقديرا. فالعبد يعلم، عليه أن يعلم، وينبغي عليه ذلك، أنه ما أصيب بهذا الداء إلا لأن الله قدر ذلك عليه، فيهون ذلك على نفسه، ولا يقول بعد ذلك: لما أنا يا رب؟ وإنما يرضى ويسلم بقدر الله. وقد قال ربنا جل في علاه: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾. فالإيمان بالقضاء والقدر هو من الإيمان بالله، وهو السبب في راحة القلب، وانشراح الصدر، وهدوء البال. وما تسلَّى المسلمون، إخواني الكرام، في باب المصائب كالذي نحن بصدده من انتشار الأمراض والأوبئة والطواعين في البلدان والدول والأقاليم، ما يتسلَّى المسلمون في باب المصائب مثل قول الله جل في علاه: ﴿قُلْ لَنْ يَصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾. وهذا مسلك عظيم لا يتمتع به إلا المسلمون، وهو أن يعلم أن كل ما يعتريه هو بأمر ربه جل في علاه. وبقي هناك، إخواني الكرام، حكم كثيرة، لعلنا نرجئ الحديث عنها في الحلقة القادمة. فأستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا، هو مولانا، وعلى الله فليتوكل المؤمنون. الأمراض المعدية مسائل وأحكام، للشيخ الفاضل أبي هاشم جمال بن سرورة، المدرس بدار الحديث بالشيخ. ترجمة نانسي قنقر.