يتحدث عن الأخلاقيات التي ينبغي للمسلم التحلي بها في زمن الوباء مثل عظيم الرجاء والالتجاء إلى الله والانقياد لولاة الأمر. يشدد على أهمية التوجه إلى الله في الشدائد والكربات.
يُناقش أهمية اتباع توجيهات الجهات المختصة والتأني والتبين والتثبت في نشر الأخبار. يُستشهد بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية لتوضيح أهمية هذه الخصال.
يؤكد على التوكل على الله في مواجهة الأمراض المعدية ويشير إلى أن كل ما يحدث لنا مكتوب من الله. كما يشير إلى وجود مسائل وأحكام فقهية متعلقة بالأمراض المعدية.
كل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا، هو مولانا، وعلى الله فليتوكل المؤمنون. الأمراض المعدية مسائل وأحكام. أبي هاشم جمال بن سرور الشحري، المدرس بدار الحديث بالشحر. الأمراض المعدية مسائل وأحكام إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، المستمعون الأعزاء، ففي هذا المجلس، وهو المجلس السادس من مجالس الحديث عن مباحث الأمراض المعدية، والذي سنعقده بإذن الله، وما سيأتي بعده كذلك من مجالس أخرى ستعقد بإذن الله، بخصوص الحديث عن وباء كورونا بخصوصه، وذلك بذكر أهم ما ينبغي فعله ومعرفته عنه. وإن من أهم مباحث هذا الوباء، المستمعون الكرام، والتي أود طرحها عليكم، هي مسألة: ما هي الأخلاقيات التي ينبغي أن نتحلى بها في زمن الوباء، أي وباء كورونا؟ الأخلاقيات كثيرة وكثيرة جدا، لكن حسبي في هذا المقام الإشارة إلى أهم ما ينبغي أن نحرص عليه جميعا. الخلق الأول أن يكون المسلم عظيم الرجاء والالتجاء إلى الله جل في علاه، فهو سبحانه وحده القادر على رفع الغمة عن الأمة. فالكون كونه، والخلق عبيده، يفعل ما يشاء، وهو على كل شيء قدير. قال سبحانه: ﴿إن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو﴾. وقال سبحانه: ﴿أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أإله مع الله قليلا ما تذكرون﴾. وتظهر حقيقة الالتجاء إلى الله جل في علاه في تضرعنا ودعائنا، ومدى صدق اعتمادنا على ربنا، فهو القائل: ﴿ومن يتوكل على الله فهو حسبه﴾. وقال سبحانه: ﴿ومن يؤمن بالله يهد قلبه﴾. والمسلم يكون دائما وأبدا متوجها إلى ربه، وخاصة في زمن الشدائد والكربات، فإنه يكون أشد إلحاحا وأعظم انطراحا بين يدي ربه. قال سبحانه: ﴿وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون﴾. ومتى ما كان العبد مع الله، كان الله معه. قال سبحانه: ﴿إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون﴾. وقال سبحانه: ﴿إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم﴾. وقال سبحانه: ﴿إن تنصر الله ينصركم ويثبت أقدامكم﴾. وقال عليه الصلاة والسلام: «احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده اتجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله». فعلينا بالإلحاح على الله والتضرع إليه، وخاصة في مثل هذه الأيام، فهو سبحانه جل في علاه الذي يجعل لنا من كل ضيق مخرجا، ومن كل هم فرجا، فلا إله إلا هو رب العالمين، رب الأولين والآخرين. وهو القائل: ﴿إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقوله كن فيكون﴾. المستمعون الكرام، أما الخلق الثاني، ومما ينبغي أن يتحلى به المسلم في أيام الوباء كهذه الأيام، أن يكون منقادا لولاة أمره، ومن ينوبهم من الجهات المختصة، وذلك فيما يقررونه من قرارات يعود نفعها للأفراد والمجتمعات في مجال الصحة والأمن وغير ذلك. وذلك لأن ولي الأمر ومن ينوبه قد حملهم الله مسؤولية الرعية، وذلك بالحفاظ عليها والقيام على شؤونها، وتهيئة سبل المعيشة لها، فهم مؤتمنون على ذلك. وقد قال عليه الصلاة والسلام: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته». فالإمام راع وهو مسؤول عن رعيته. وأيضا لهذه الجهات المختصة من الإطلاع على التطورات ومتابعة الأحوال ما لا يطلع عليه فرد من الأفراد، فهم يعرفون ما لا يعرفه عامة الناس. فقراراتهم متخذة عن علم ودراية ودراسة. وما كان تصورهم في التعامل مع هذا الوباء إلا عن طريق التشاور بين من يعنيهم الأمر من نجان صحية وأمنية واجتماعية بل ودينية، ثم كانت هذه القرارات المعلنة عنها. فهل بعد ذلك يأتي فرد من الأفراد، ليس له في العير ولا في النفير، ثم يتطاول عليها بالسخرية واللمز والغمز والطعن والقدح؟ بل ربما وصل الأمر ببعض الناس إلى ردها وعدم العمل بما فيها، والله المستعان. يقول إمام السعدي رحمه الله تعالى، عند قوله عز وجل: ﴿وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاع به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم﴾. قال رحمه الله تعالى في تفسيره: «قال: وفي هذا دليل لقاعدة أدبية، وهي أنه إذا حصل بحث في أمر من الأمور، ينبغي أن يولى من هو أهل لذلك، ويجعل إلى أهله، وليتقدم بين أيديهم، فإنه أقرب للصواب وأحرى للسلامة من الخطأ». انتهى كلامه رحمه الله. والواقع، مستمعون الكرام، خير شاهد. فعندما سلم الناس زمام الأمور إلى ولاة أمرهم، ومن ينوبهم، باتباع ما يقررونه لنا، سلم الله بلادنا من الآفات والأمراض، ولله الحمد والمنة. لذا ينبغي أن نكون جميعا يدا واحدة وصفا واحدا في متابعة ما تمليه علينا الجهات المختصة، فهو صمام أمان لنا جميعا. أما الخلق الثالث مما ينبغي أن نتحلى به في زمن الوباء، أن نتحلى بالتأني والتبين والتثبت، ولزوم الهدوء. يقول علامة بن القيم رحمه الله تعالى: «بل يجب عند وقوع الطاعون السكون والدعا». ومن صور السكون ما يكون في باب الأخبار، سواء كان في بثها ونشرها أو ما يكون من تصديقها وقبولها. فإن من أعظم مواسم الإشاعات هي هذه الفترة، وهي فترة الشدة والبلية، حيث أننا نجد الكثير من الناس من ينشغل انشغالا تاما بتتبع الأخبار وببثها على وجه السرعة والعجلة، وذلك إما من باب الاطلاع على آخر المستجدات أو ما يكون من باب التطفل والفضول وكشف الغموض، أو من من يحب أن يشهر بين الناس بأنه مطلع على الأخبار ملم بالأحوال، فيحب أن يشهر إليه بالبنان. فيتسابق هؤلاء وهؤلاء وهؤلاء يتسابقون في نشر الأخبار من غير تمحيص لها ولا تصديق لما فيها، وإنما همهم العجلة في قبولها وفي بثها. وقد قال عليه الصلاة والسلام في ذم هذه الخصلة التي فشت عند كثير من الناس، أنه قال: «كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع». قال العلماء: من فقه الحديث أن يعلم المستمع والمتكلم أن أكثر ما يسمعه لا يأمن أن يكون كذبا، فلا ينبغي أن يحدث به حتى يتأكد ويتثبت منه، هذا فقه الحديث. «كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع». فهذا الحديث فيه وعيد في حق الثرثار الذي ينقل الأخبار دون تمحيص أو تدقيق في مصدرها. فما ظنك بالكاذب الذي يفتري الأخبار ظلما وزورا، ثم يشتهد في تحبيكها وتنسيقها، ثم بعد ذلك يسعى إلى نشرها هنا وهنالك؟ فهذا وعيده أشد وأنكى وأعظم وأعتى. وقد جاء في الصحيح من حديث سمرة بن جندب رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيما رآه، رأى رجلا يشرشر شدقه بواسطة كلوب -والكلوب حديدة منحنية الطرف- رأى عليه الصلاة والسلام رجلا يشرشر أي يقطع شدقه إلى قفاه، ثم منخره إلى قفاه، ثم عينه إلى قفاه. ثم يتحول هذا الرجل وهو القائم بكلوبه، يتحول إلى شق هذا الرجل النائم، فيفعل به كما فعل بالمرة الأولى. يقوم هذا القائم بكلوبه بأن يقطع شدق هذا الرجل النائم من محله من فمه إلى قفاه، ومن خره إلى قفاه، وعينه إلى قفاه، فلا زال يعمل به ذلك. ثم أخبر عليه الصلاة والسلام بأن هذا الرجل من فعله أنه يكذب الكذبة فتبلغ الآفاق. وللأسف، كم رأينا هذه الأيام من ابتلي بهذه الخصلة الذميمة، يرسل الرسائل المكذوبة، بل ربما ينسبها إلى غيره، إلى بعض الجهات، على أنها قد صدرت منهم. فهذا متوعد بهذا الوعيد الشديد. بل المستمعون الكرام، بل لو كان الخبر صحيحا، لكنه يحمل في طياته إثارة الخوف والزعر للناس، فلا ينبغي أن نقم بنشره، حتى لا تكون سببا يا عبد الله في أذية المسلمين وفي تخويفهم. فليس كل ما يعلم ينشر. لذا لزام علينا أن نتحلى بالمصداقية فيما ننشره، ويكفينا ولله الحمد ما تبث لنا الجهات المختصة، أو من تأذن له من خلال قنواتها المرئية والمسموعة والمقروءة، ففيها غنية عما سواها. الخلق الرابع من الأخلاقيات التي ينبغي أن نحرص عليها جميعا، من مسلمين ومسلمات، في زمن الأوبئة، العناية بالنظافة. ونحن ولله الحمد، وفي ظل هذه الشريعة الإسلامية التي حوت على كل خير، ونفت وألغت كل مظهر من مظاهر الضر والشر، علمنا النظافة بكل معنى من معانيها. فأوجب علينا الشرع خصال الفطرة، من قص الشارب وتقليم الأظافر ونتف الإبط وحلق شعر العانة. وأمرنا الشرع بالاستنجاء والاستجمار. وأرشدنا إلى الوضوء عند كل صلاة، وهي تنقيها للأطراف في اليوم والليلة خمس مرات وربما أكثر. وأمرنا الشرع أمر إيجاب وأمر استحباب بالاغتسال في عدة من المناسبات. وهكذا جاء الإسلام بآداب قضاء الحاجة، وأداب الطعام والشراب، وأداب النوم، وأداب المرض والمرضى، وغيرها وغيرها مما يعود إلى أجسادنا وأجسامنا بالصحة والعافية، مع ما يناله العبد من ذلك من عظيم الثواب والأجر. يقول الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله، كما في تفسير المنار، عند قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم الآية﴾. قال رحمه الله تعالى، وهو يتحدث عن العلاقة بين النظافة والصحة: «الوسخ والقذارة مجلبة للأمراض والأدواء الكثيرة، كم هو ثابت في الطب». ولذلك نرى الأطباء ورجال الحكومات الحضرية يشددون في أيام الأوبئة والأمراض المعدية في الأمر بالمبالغة في النظافة. وجدير بالمسلمين أن يكونوا أصلح الناس أجسادا، وأقلهم أدواء وأمراضا، لأن دينهم مبني على المبالغة في نظافة الأبدان والثياب والأمكنة. فإزالة النجاسات والأقذار التي تولد الأمراض من فروض دينهم. إلى أن قال رحمه الله: «فإذا هم أدوا ما وجب عليهم من ذلك، تنتفي أسباب تولد جراثيم الأمراض عندهم». انتهى كلامه رحمه الله. وأخيرا، المستمعون الكرام، بقيت هناك أخلاقيات أخرى لا يسع المقام لذكرها، لعلنا نرجئ الحديث عنها في حلقة أخرى. فأستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. كل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا، هو مولانا، وعلى الله فليتوكل المؤمنون. الأمراض المعدية مسائل وأحكام. الأمراض المعدية مسائل وأحكام للشيخ أبي هاشم جمال بن سرور الشحري، المدرس بدار الحديث. الأمراض المعدية مسائل وأحكام.