شرح عقيدة السلف للإمام الصابوني 23

الدرس في شرح عقيدة السلف للإمام الصابوني 23، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أحوال الناس يوم القيامة والإيمان بالبعث

يوم القيامة يشهد اختلاف أحوال العباد، حيث يلاقي المستقيمون على قول لا إله إلا الله النجاة بينما يعاني غيرهم من الأهوال. الإيمان بالبعث هو أساس فهم هذه الأحوال.

مساءلة الله تعالى للعباد وعرض أعمالهم

في يوم القيامة، يسأل الله العباد عن استجابتهم للمرسلين ويناقشهم في أعمالهم، ويعرض عليهم ذنوبهم، ويقرر مصيرهم إما بالغفران أو العذاب. كما يواجه الناس أهوالًا مثل الصراط الممدود على جسر جهنم.

تفاوت الناس في المرور على الصراط ومصيرهم

الناس يختلفون في عبور الصراط حسب إيمانهم وأعمالهم، حيث ينقسمون إلى ناج مسلم، وناج مخدوش، ومكردس يسقط في نار جهنم. المؤمنون يحصلون على نور يعينهم على العبور بينما يتعثر المنافقون.

عاقبة الذين يفقدون نور الإيمان يوم القيامة

الذين يمرون على الصراط بدون نور بسبب قلة عملهم الصالح يضلون الطريق ويسقطون في جهنم، حيث يحاولون الحصول على نور لكن دون جدوى.

  • 29 جمادى الأولى 1442هـ - 12/01/2021مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، ذكر المؤلف الإمام الصابوني -رحمه الله- من الإيمان بالبعث وأحوال الناس يوم القيامة، فذكرنا بعض أشياء عن البعث والإيمان به. ثم قال -رحمه الله-: "واختلاف أحوال العباد فيه، والخلق فيما يرونه ويلقونه هناك في ذلك اليوم الهائل، أن فيه أحوالًا عظيمة يلقونها الناس يوم القيامة". لكن كما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، هذا في الدنيا، وفي الآخرة أيضًا يبشرون بهذا، أن لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، فلا يخافون من تلك الأهوال؛ لأن الله عز وجل يؤمنهم، يؤمنهم من الفزع العظيم يومئذ. ولهذا جاء عند البزار، والطبراني، وعند أبي يعلى أن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: «لا أجمع على عبدي خوفين ولا أمنين، إن أمنته في الدنيا أخفته في الآخرة، وإن خافني في الدنيا أمنته في الآخرة». إذا خاف العبد ربه، مقام ربه، ونهى النفس عن الهوى، فإن الجنة هي المأوى، ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون. وأما إن لم يخف، بل أمن ورجا وتجاوز حده في هذه الحياة، ولم يخف من عقوبة الله، فإن الله عز وجل يخوفه في تلك الأهوال يوم القيامة. قالوا: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾، وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول: ﴿يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ﴾، وفي الآية الأخرى قالوا: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا وَيَصْلَى سَعِيرًا﴾. قال العلماء: أنه يؤتى كتابه بشماله وراء ظهره، معنى ذلك في الجهة التي يكون فيها الشمال. قالوا: الإجابة عن المسائل أن الله عز وجل سيسأل العبد يوم القيامة، وقد ذكر ربنا جل وعلا أن الله عز وجل سيسأل العبد عن كيف استجابته للمرسلين، ﴿مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾، هذا السؤال العام. وأما السؤال الخاص، فربنا جل وعلا يسأل عبده، ومن ناقشه ربنا سبحانه وتعالى فإنه يعذبه، «من نوقش الحساب عذب»، لكن كل إنسان يكلمه الله عز وجل، ما منكم من أحد إلا وسيكلمه ربه يوم القيامة، ليس بينه وبينه ترجمان ولا حجاب يحجبه. ما من أحد من الخلائق إلا وسيكلمه الله جل وعلا، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، أي من الأعمال الصالحة، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، أي من السيئات، وينظر أمامه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه. فلهذا فكل أحد سيسأله الله عز وجل، ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾، لكن سؤال أهل الإيمان يكون عرضًا، سؤال الإيمان يكون عرضًا، ومعنى العرض أن يقرر العبد، أن يقرر الرب جل وعلا العبد بدنوبه، ويقول: يا عبدي فعلت كذا وفعلت كذا، ويقول: نعم يا رب، ويقول: إني قد غفرتها لك في الدنيا، أو قال: قد عفوت عنك في الدنيا، واليوم أغفرها لك. فالله عز وجل معناه أنه لم يعاقبه في الدنيا بها، فاليوم أيضًا يغفر الله له، أي يوم القيامة. وأما من نوقش الحساب عذبه الله، إذا نوقش الحساب يعذبه الله جل وعلا. قال -رحمه الله- إلى سائر الزلازل والبلابل، مراد به الأهوال العظيمة الموعود في ذلك اليوم العظيم، والمقام الهائل من الصراط والميزان. الصراط متحض، مزلقة، الذي جاء في وصف الصراط أنه يوضع على جسر جهنم، على شفيرها، يوضع الصراط. قال أبو سعيد -كما في صحيح مسلم-: "وبلغني أنه أحد من السيف، وأدق من الشعر". ننظر كيف هذا الصراط، كيف سينشئ فيه الناس؟ لكن الله عز وجل جعل الناس فيه على درجات، فمنهم كالبرق، ومنهم كالريح، ومنهم كأجاويد الخيل، ومنهم من يمشي، ومنهم من يحبو حبوًا. فالناس يختلفون في هذا الصراط، وهم على ثلاثة أنواع كما جاء في نفس الحديث -صحيح مسلم-: منهم ناج مسلم، ومنهم ناج مخدوش، ومنهم مكردس منكوس في نار جهنم -والعياذ بالله-، إما أن ينجو يمر وينجو لا يصيبه شيء من الخداش، وإما أن ينجو لكن يصاب؛ لأن هذا الجسر عليه كلاليب، كلاليب تخطف الناس بأعمالهم. ثم أخبر بذلك النبي -عليه الصلاة والسلام-، فلهذا إذا خطفت هذه الكلاب شخصًا، إما أنه يخدشه وإما أنه يرمي به في نار جهنم. فلهذا قال: "ناج مسلم، وناج مخدوش، ومكردس منكوس في نار جهنم". معنى أنه يسقط، فهذا عمل الناس في الصراط. وأهل الإيمان يعطون نورًا، وأما من كان في قلبه النفاق فإنه ينطفئ عليه النور. قال: كيف سيفعل إذا انطفأ عليه النور؟ لأن الصراط في ظلمة، في ظلمة الجسر. قال: كيف سيفعل؟ أهل الإيمان معهم نور يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾. قال ابن عباس: وجاء كذلك عن ابن مسعود أنهم -أي الله عز وجل- يجمع المؤمنين والمنافقين، يجمعهم في مكان واحد فيه نور، ثم يأخذ الناس، أو هؤلاء الذين في ذلك المكان يأخذون كل واحد يأخذ له النور ويمشي. فإذا جاءوا إلى الصراط انطفأ النور على المنافقين، وأما للمؤمنين يستمر معهم النور. فيقول المنافقون للذين آمنوا: انظرونا نقتبس من نوركم، أعطونا شيئًا من نوركم، نحن نريد أن ندرك هذا الجسر. فيقولون لهم: ارجعوا وراءكم، هناك نور موجود، ارجعوا وخذوا من ذلك النور، ﴿ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾. قال ابن عباس: فيذهبون لأجل أن يأخذوا نورًا، فلا يجدون شيئًا، فيضلون في ذلك المكان ويسقطون في جهنم؛ لأنهم يدخلون الجسر بدون نور. والله تعالى أعلم.