الدرس في شرح قصيدة في عزة طالب العلم للجرجاني 2، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل
يبرر الناظم انقباضه عن الناس بأنه صيانة للعلم وتجنب لمواطن الذل، مبيناً أن المخالطة مراتب منها النافع والمضر. ينصح طالب العلم بالتقليل من الخلطة واقتصارها على الحاجة كالدعوة والنصيحة مستشهداً بتحذير ابن القيم من مفاسد فضول المخالطة.
يوجه النص طالب العلم للقرب من الناس في أداء الواجبات والمستحبات، والبعد عن المخالطة الفضولية المفضية للإثم. يؤكد وجوب تعفف العالم عن مخالطة السلاطين والأكابر طلباً للدنيا، وأن تكون المخالطة للضرورة فقط مع عزة نفس وزهد.
يشدد النص على حفظ كرامة النفس بعدم الذل للمخلوقين طلباً للرزق والثقة بقسمة الله. يستعرض هدي العلماء في الزهد عن أبواب الملوك صيانةً لعرضهم وهيبة علمهم، مع التزامهم بالسنة في الصبر على ولاة الأمور وعدم الخروج عليهم.
يختتم المتحدث درسه بالصلاة والسلام على النبي محمد وعلى آله وصحبه، وهي صيغة ختامية شرعية للتكريم والدعاء والبركة على المجلس.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين. ولازمنا في قصيدة ميمية أبي الحسن القاضي أبي الحسن الجرجاني علي بن عبد العزيز في إباء العالم وعزة طالب العلم. هذه المنظومات قدمنا الكلام على أنها جرى عليها أهل العلم، ولا ينبغي لطالب علم أن يغفل عن حفظها لأنها تعينه على معاني عظيمة، إن فاتته فاته خير كثير مما تميز به أهل العلم. يقول الناظم رحمه الله تعالى وغفر له: «يقولون لي فيك انقباض وإنما رأوا رجلا عن موقف الذل أحجما أرى الناس من داناهم هان عندهم ومن أكرمته عزة النفس أكرم ولم أقض حق العلم إن كنت كلما بدى طمع صيرته ليسلم». بدأ رحمه الله تعالى في الكلام على ما يقوله عليه حساد وبعض من ينتقده: «يقولون لي فيك انقباض»، أي: ما نراك إلا منقبضا غير منبسط. يقول رحمه الله: وحق لهم ذلك أن يقولوا مثل هذا الكلام في رجل يترفع عن مواطن الإذلال ويصون نفسه وما تحمله من علم، فهو لذلك قريب من الناس وبعيد عنهم أيضا. «يقولون لي فيك انقباض وإنما رأوا رجلا عن موقف الذل أحجما». هذا البيت يتضمن مسألة جليلة وهي مسألة خلطة الناس، وخلطة الناس أنواع ومراتب: منها ما هو نافع وهو خلطة العلماء والخلطة مع طلاب العلم، ومنها ما هو دون ذلك، ومراتبه متفاوتة. مراتب الخلطة بالناس متفاوتة، والمؤل والناظم رحمه الله ينصح طالب العلم ألا يتوسع في أمر خلطته، في أمر الخلطة مع من الخلطة معهم ضياع وقت أو مذلة علم. ينصح بالتحفظ في مثل هذا الأمر، وأن تكون الخلطة على وجه الحاجة كنصيحة أو أمر بمعروف أو نهي عن منكر أو نشر للخير، ولا ينبغي التوسع فوق ذلك. يقول ابن القيم رحمه الله: «ففضول المخالطة فيه خسارة الدنيا والآخرة، وكم جلبت خلطة الناس من نقمة، ودفعت من نعمة، وأنزلت من محنة، وعطلت من منحة، وأحلت من رزية، وأوقعت في بلية، وهل آفة الناس إلا الناس». هكذا يقول ابن القيم رحمه الله تعالى وغفر له. فلهذا لا ينبغي لطالب العلم أن يتوسع في مثل هذه الأبواء، وإنما يكون قريبا من الناس وبعيدا عنهم: قريبا في أداء الواجبات والمستحبات كعيادة المريض وحضور الجنائز والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك، وبعيدا أيضا عن فضول خلطة لا تنفع، بل ربما لا يسلم من الإثم أو من الوقيعة في عرض أو غيبة أو غير ذلك، فينبغي لطالب العلم أن يتحفظ عنه. «يقولون لي فيك انقباض وإنما رأوا رجلا عن موقف الذل أحجما أرى الناس من داناهم هان عندهم ومن أكرمته عزة النفس أكرم». يقول رحمه الله: إن مما استفاده في حياته من تجارب الحياة في خضمها بعد عمر حافل بالرحلة وطلب العلم أنه لا ينبغي لصاحب العلم أن يخالط الملوك والأكابر وأشراف الناس من أهل الدنيا، لا ينبغي لهم أن يخالطوهم وينطرحوا على سبيل الذل على أبوابهم، فإنه يهان ولابد، ويسقط من عينهم ولابد، لا سيما إذا أظهر الحاجة إلى دنياهم. فينبغي أن يترفع عن مخالطة السلاطين والملوك والأكابر ونحوهم تعززا بما معه من العلم النافع. فإن اضطر إلى مخالطتهم فليكن ذلك على سبيل الضرورة والحاجة، ويكون مع زهد تام وصيانة وتعفف. هكذا الذي ينبغي أن يكون عليه أهل العلم من غير استشراف لمطامع دنيوية أو مآرب ينالها وحطام يحصل عليه، وإنما يكون زاهدا مظهرا للزهد متعففا عما يكون. ولهذا يأتي بعض الأمراء والملوك قديما فيعطون بعض أهل العلم العطايا فيترفع العلماء عن أخذ تلك العطايا، كما جرى للإمام أحمد ولغيره من الأئمة، ثم يفرقونها في الناس لا يأخذون منها شيئا. هكذا كان العلماء الأوائل في زهد تام وبعد عن أبواب السلطان إلا لأمر بمعروف أو نهي عن منكر أو نحو ذلك. فإن ابتلوا من باب الضرورة بالمخالطة خالطوهم بعزة نفس تامة، ولهم في ذلك وقائع عظيمة، زهدوا فيها رحمهم الله تعالى، وهم أحوج الناس إلى تلك العطايا، ومع هذا يترفعون زهدا وصيانة للعلم وصيانة لما يحملونه من السنة ونحوها. هذا معنى كلام الناظر رحمه الله تعالى. «وأرى الناس من داناهم هان عندهم ومن أكرمته عزة النفس أكرم». الذي تكرمه عزة النفس يكون كريما حتى عند أعدائه، يكون عزيز الجناب لأنه اعتز بنفسه عن أن يذلها إلى المخلوقين، وعلم أن أرزاق العباد مقسومة، وأن ما كتب الله له فهو آت قريب، وأن ما لم يكتبه الله له لا يزيده الحرص إلا بعدا، فلا ينبغي له أن يذل نفسه حينئذ ويبذل ماء وجهه ويضيع هيبة العلم في مثل هذا الحال. هذا معنى قوله رحمه الله تعالى. ولهذا لم يخالط الملوك أحد إلا ندم، ما يخالط الملوك والسلاطين والأمراء والكبراء أحد إلا ندم، وإن كان يخالطهم على وجه الزهادة، على وجه التعفف التام، ومع هذا يندمون لما يكون فيهم من نوع الإذلال. هذا قديما وحديثا أيضا. ولهذا كان أهل العلم زهادا في هذا الباب، معروف عن أهل العلم الزهد عن أبواب الملوك والسلاطين والكبراء ونحوهم. لا يعني هذا أنهم يكفرونهم أو أنهم يبيحون الخروج عليهم أو يؤلبون عليهم في السر، حاشاهم، فإنهم يعلمون السنة من الصبر على ولاة الأمور، من الصبر عليهم وعدم نزع اليد من طاعتهم، لكنهم هكذا كان هديهم رحمهم الله. يقول الناظم رحمه الله: «ولم أقض حق العلم إن كنت كلما بدى طمع صيرته ليسلم». معنى هذا البيت: أن من جعل العلم سبيلا إلى نيل المآرب والشهوات فهو يتزين في تحقيق مقاصده الدنيوية بالعلم وإظهاره، فهو كلما ظهر شيء من أمر الدنيا حرص عليه، فهو يطلب مطامعها لأجل نفسه، ويزعم في نفسه أنه أحق بها لأنه من أهل العلم ولأنه من طلاب العلوم، فحقه أن يعطى تلك المآرب. وهذا الصنف ضيع حق العلم ولم يأت بحق العلم، ودنس فضله وأهان نفسه. يقول رحمه الله: «ولم أقض حق العلم وكنت كلما بدى طمع صيرته ليسلم وما زلت منحازا بعرضي جانبا عن الذل أعتد الصيانة مغنما إذا قيل هذا منهل قلت قد أرى ولكن نفس الحر تحتمل الظمى أنزهها عن بعض ما لا يشينها مخافة أقوال العدى فيما أو لم فأصبح عن عيب اللئيم مسلما وقد رحت في نفس الكريم معظما». إلى آخر الأبيات، ويأتي شرحها إن شاء الله تعالى في المجلس القادم. هذا، وصل الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.