كتاب الصلاة 2

الدرس في كتاب الصلاة 2، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

اختلاف صفة صلاة المرأة والرجل ومبطلات الصلاة

يتناول هذا الفصل اختلاف صفة صلاة المرأة عن الرجل، ويذكر مبطلات الصلاة مثل العمل الكثير والحدث وحدوث النجاسة. كما يشير إلى آراء الفقهاء في هذه المسائل.

أحكام سجود السهو وأوقات النهي عن الصلاة

يشرح هذا الفصل أحكام سجود السهو ومحله وكيفيته عند نسيان أو ترك بعض الأركان أو الواجبات في الصلاة، كما يذكر أوقات النهي عن الصلاة وهي خمسة أوقات.

حكم صلاة الجماعة وشروط قصر الصلاة للمسافر

يتناول هذا الفصل حكم صلاة الجماعة وأنها فرض عين على كل مسلم، ويشرح شروط قصر الصلاة للمسافر، مثل أن يكون السفر مباحا وأن ينوي القصر عند الإحرام.

جمع الصلوات في السفر والمطر وتوضيح أحكامها

يشرح هذا الفصل جواز جمع الصلوات في السفر وللحاضر عند المطر، مثل جمع الظهر والعصر أو المغرب والعشاء، لتجنب المشقة والحرج.

  • 23 جمادى الآخرة 1442هـ - 05/02/2021مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال القاضي أبو شجاع عبد الحسين الأصفهاني رحمه الله في كتابه مثل الغاية والتقريب: فصل، والمرأة تخالف الرجل في خمسة أشياء. فالرجل يجافي مرفقيه عن جنبيه، يعني في الصلاة يجافي مرفقيه عن جنبيه، يعني يبعد المرفقين عن جنبيه إذا سجد، كما صح ذلك عن النبي عليه الصلاة والسلام في حديث عبد الله بن أبي أوفى في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى فرج بين يديه حتى يبدو بياض إبطيه. وقال: ويقل بطنه عن فخذيه في الركوع والسجود، يقل بطنه عن فخذيه، يعني لا يجعل بطنه ملاصقا لفخذيه إذا ركع وإذا سجد، وقد جاء في حديث أبي حميد الساعدي عند أبي داود في صفة صلاة النبي عليه الصلاة والسلام قال: وإذا سجد فرج بين فخذيه غير حامل بطنه على شيء من فخذيه. قال: ويجهر في موضع الجهر، يعني بالقراءة يجهر في مواضع الجهر كصلاة الصبح وركعتين الأولى من المغرب والعشاء، وغيرها من الصلوات التي يجهر فيها بالقراءة. قال: وإذا نابه شيء في الصلاة سبح، إذا حصل شيء من الإمام محتاج إلى تنبيهه فإنه ينبه بالتسبيح، كما في حديث سالم بن أبي الجعد البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من نابه شيء أو رابه شيء في الصلاة فليسبح»، فإذا سبح التفت إليه، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن التصفيق للنساء إذا سهى مثلا أو حصل شيء فينبه بالتسبيح «سبحان الله». قال: «وعورة الرجل ما بين سرته وركبته»، عورة الرجل ما بين سرته وركبته، يعني ما بين السرة وركبة عورة، وقد صح في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما بين السرة وركبة عورة»، رواه أبو داود وأحمد والدارقطني وحسنه العلامة الألباني رحمه الله. قال: هذه يعني العورة التي لا تصح الصلاة إلا بسترها، مع أنه يجب كذلك ستر ما هو أكثر من ذلك كستر العاتقين، بدليل حديث أبي هريرة قال: النبي صلى الله عليه وسلم «لا يصلي الرجل ليس على عاتقيه شيء»، فكما أنه يجب ستر ما بين السرة وركبته، كذلك يجب أيضا ستر العاتقين في الصلاة. قال: والمرأة تضم بعضها إلى بعض إذا صلت، يعني لا تجافي مرفقيها عن جنبيها، بل تضم بعضها إلى بعض، وسند بذلك بأثر عند البيهقي أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على امرأتين تصليان فقال: «إذا سجدتما فضم بعض اللحم إلى الأرض، فإن المرأة ليس في ذلك كالرجل»، وهذا الأثر رواه البيهقي من طريق سالم بن غيلان عن يزيد بن أبي حبيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على امرأتين، وهذا الأثر مرسل لا يصح موصولا إلى النبي صلى الله عليه وسلم. قال: وتخفض صوتها بحضرة الرجال الأجانب، وذلك أن صوت المرأة عورة، ليس عورة فتنة، صوت المرأة فتنة، فإذا صلت وهناك رجال أجانب كمثلا في الحرم تصلي المرأة في المسجد مع وجود الرجال، فإنها تخفض صوتها في القراءة وفي التكبير حتى لا يفتن بها الرجال. والله عز وجل يقول: ﴿فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولا معروفا﴾. قال: وإن نابها شيء في الصلاة صفقت، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما التصفيق للنساء»، احتاجت إلى التنبيه أو كانت تصلي مثلا مع نساء تأمها من إمرة فسهت أو حصل شيء احتاج إلى التنبيه فتصفق. قال: «وجميع بدن الحرة عورة إلا وجهها وكفيها»، جميع بدن الحرة عورة، يعني في الصلاة إلا وجهها وكفيها، وهذا قول الشافعية وجماعة من أهل العلم، بل قول الجمهور أن المرأة لا تظهر في الصلاة إلا وجهها وكفيها فقط. واستدل على ذلك بما جاء عند أبي داود من حديث أم سلمة رضي الله عنها أنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم: أتصلي المرأة في درع وخمار ليس عليها إزار؟ فقال: «إذا كان الدرع سابغا يغطي ظهور قدميها»، واستدلوا بهذا الحديث على أنه لا يجوز لها أن تكشف عن قدميها، ولهذا قالوا: إذا انكشفت القدمين لم تصح الصلاة. لكن هذا الحديث ثم سلمه لا يصح، والراجح وقفه، الراجح وقفه، وقد تفرد برفعه عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، ورواه بقية الغواة موقوفا، وعبد الرحمن هذا ضعيف. وعلى هذا فالصحيح أنه يجوز أن تكشف عن قدميها، فلا أن تكشف وجهها وكفيها وقدميها، ومذهب أبي حنيفة ورجحه شيخ الإسلام ابن سلمة رحمه الله هذا بالنسبة للصلاة، أما في خارج الصلاة فكلها عورة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث المسعودي بالسنن: «المرأة كلها عورة»، فإذا خرجت استشرفها الشيطان. قال: والأمة كالرجل، يعني أنها عورتها ما بين السرة إلى الركبة، ما بين السرة إلى الركبة، يعني في الصلاة، أما في خارج الصلاة فالصحيح أن الأمة إذا كانت جميلة أو حسناء يجب عليها أن تتستر. وقد كانوا في ذلك الزمن يفرقون بين الأمة والحرة وينهون الأمة أن تستر وجهها حتى لا تتشبه بالأحرار، لكن إذا كانت الأمة فتنة كما قال شيخ الإسلام رحمه الله: إذا كان يفتتن بها لحسنها وجمالها وجب عليها أن تحتجب، وجب عليها أن تحتجب. طيب إذا هذه الأشياء التي تفارق فيها المرأة الرجل، لكن علمنا الآن أن مسألة ضم المرأة بعضها إلى بعض هذا لم يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام، ولهذا الصحيح أن المرأة في ذلك كالرجل، وأن المرأة في ذلك كالرجل، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إنما النساء شقائق الرجال»، فما لم يأت فيه دليل أنها تخالف فيه الرجال فالأصل أنها كالرجال، يعني في ما يتعلق في الصلاة. قال رحمه الله: فصل، والذي يبطل الصلاة أحد عشر شيئا: الكلام العمد، الكلام في الصلاة عمدا يبطل الصلاة، ويدل عليه حديث معاوية بن الحكم رضي الله عنه لما تكلم في الصلاة فأنكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن فرغ من الصلاة، فقال: «إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح وقراءة القرآن». فإن قال قائل: لماذا لم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يعيد الصلاة؟ فالجواب: أنه كان جاهلا بهذا الحكم، فعذره النبي صلى الله عليه وسلم، لكن بيّن له أنه لا يجوز له أن يتكلم في الصلاة، حتى ولو كان الكلام لمصلحة الصلاة. فالصحيح أنه لا يجوز الكلام عمدا ولو لمصلحة الصلاة، وفي حديث زيد بن أرقم في الصحيحين قال: كنا نتكلم في الصلاة، يكلم الرجل منا صاحبه، حتى نزلت: ﴿وقوموا لله قانتين﴾، قال: فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام. وعلى هذا فلو حصل الكلام خطأ أو نسيانا فلا حرج على الإنسان، أو جهلا وصلت صحيحة. قال: والعمل الكثير كذلك مما يبطل الصلاة، العمل الكثير كيف نعلم أن هذا العمل الكثير؟ يرجع إلى العرف، ما عد عرفا أن هذا عمل كثير بحيث من رآه يقول: هذا لا يصلي، فهذا تبطل به الصلاة، إذا كان العمل الكثير ومتتابع عمل كثير متتابع ومتتالي، فهذا تبطل به الصلاة، لأن هذا يتنافى مع أصل الصلاة التي فيها السكون وعدم الحركة. قال: والحدث، الحدث يعني إذا أحدث بأن انتقض وضوءه بفساء أو ضراط ونحو ذلك بطلت الصلاة، لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ. قال: وحدوث النجاسة، يعني إذا حصلت نجاسة في بدنه أو في ثوبه فكذلك. قال: وانكشاف العورة، إذا انكشفت عورته في الصلاة فإنها تبطل، وهذا يقيد على الصحيح، وإذا كان عمدا، أما إذا كان من غير قصد، يعني مثلا يصلي فجاءت الريح فكشفت ثوبه وكشفت عورته ثم سترت، فمثل هذا لا تبطل به الصلاة، لأنه بغير قصد وبغير عمد. قال: وتغيير النية، كان ينوي مثلا الخروج من الصلاة، وإنما الأعمال بالنيات. قال: واستدبار القبلة، إذا صلى إلى غير القبلة بأن استدبرها بطلت صلاته، لأن استقبالها شرط. قال: والأكل والشرب والقهقهة والردة، الأكل والشرب يبطل الصلاة، لأنه يتنافى مع الصلاة وما يجب على المصلي أن يكون من القشوع والسكون وعدم الحركة، فإذا كان المصلي يأكل ويشرب هذا ليس الذي يرى يقول: هذا ليس بالصلاة، هذا أمر يتنافى مع الصلاة. وهكذا القهقهة، يعني الضحك بقهقهة ومهور صوت، فهذا تبطل به الصلاة بالإجماع، بخلاف التبسم فهذا لا تبطل به الصلاة. قال: والردة، أي عن الإسلام، لأنها تبطل جميع الأعمال، ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون. قال: فصل، وركعات الفرائض سبعة عشر ركعة، فيها أربع وثلاثون سجدة، وأربع وتسعون تكبيرة، وتسع تشهدات، وعشر تسليمات، ومئة وثلاث وخمسون تكبيرة وتسبيحة، وجملة الأركان في الصلاة مئة وستة وعشرون ركنا، في الصبح ثلاثون ركنا، وفي المغرب ثلاثون وأربعون ركنا، وفي الرباعية أربعة وخمسون ركنا. ومن عجز عن القيام في الفريضة صلى جالسا، ومن عجز عن الجلوس صلى مضطجعا لحديث عمران بن حصين في الصحيح في قول النبي صلى الله عليه وسلم له لما كانت به بواسير: «صل قائما، فإن لم تستطع فجالسا، فإن لم تستطع فمضطجعا أو متعلقا». والقاعدة: والقاعدة أن الواجبات إذا عجز عنها الإنسان سقطت، فلا واجب مع العجز قائما. قال: فصل، والمترك من الصلاة ثلاثة أشياء: فرض وسنة وهيئة، فالفرض لا ينوب عنه سجود السهو، بل إن ذكره والزمان قريب أتى به وبنى عليه وسجد للسهو. الفرض يعني ما كان واجبا أو ركنا، على البديع بالفرض هنا الركن لا ينوب عنه سجود السهو، يعني ما يغني عنه أن تسجد للسهو، إذا نسيت مثلا ركوعا أو سجودا أو نحو ذلك من الأركان، ما تقول: خلاص أنا سأسجد للسهو والحمد لله، ما يجزئ، لابد أن تأتي بهذا الركن. قال: بل إن ذكره والزمان قريب أتى به، إذا كان في الصلاة، إذا كان في الصلاة في الصحيح أنه إذا ذكر هذا الركن قبل أن يصل إلى محله من الركعة التي بعدها أتى به، يعني مثاله: نسي ركوعا كان يقرأ ثم مباشرة من القراءة سجد، اختصر الركوع، نقول: إذا ذكر قبل أن يصل إلى الركوع من الركعة التي بعدها يأتي بهذا الركوع الذي نسيه يركع، ثم يأتي بما بعده. وإن لم يذكر إلا لما ركع، ذكر أنه لم يركع في الركعة التي قبلها ألغيت هذه الركعة التي نسي فيها الركوع، وصارت هذه الركعة محلها. وإن كان بعد الصلاة، إذا فرغ من الصلاة مثلا ونسيه ركنا، فنقول: إذا كان الزمان قريب عرفا يأتي به وبما بعده ويسجد للسهو. وأما إن كان الزمن يعني بعيدا، فلم يذكر إلا بعد فترة من انتهاء من الصلاة، يعيد الصلاة كاملا، يعيد الصلاة كاملا، مثلا سلم ونسي السجود مثلا السجود الثاني من الركعة الأخيرة، مثلا نقول: إذا كان الزمن قريب يعني بعد ما نسلم ذكر أنه ما سجد إلا سجدة واحدة، نقول: هنا تأتي بالسجدة أو بما بعدها، ها يأتي بالسجدة، يعني يسجد هذه السجدة، ثم تشهد، ثم يسلم، يسجد السهو. لكن إذا ما ذكر إلا بعد نصف ساعة أو نحوها، نقول: هنا تعيد الصلاة كاملا. قال: بل إن ذكره والزمان قريب أتى به وبنى عليه وسجد للسهو، ويدل عليه قصة ذي اليدين في الصحيحين لما سلم النبي صلى الله عليه وسلم من الركعتين في الصلاة الظهر أو العصر، سلم عليه الصلاة والسلام ساهيا، فلما كلمه ذو اليدين قال: «يا رسول الله، أقصرت الصلاة أم نسيت؟» فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا، لم تقصر ولم أنس»، فلما قيل له قال: «ذو اليدين؟» قال: «نعم»، قام أتى بركعتين، يعني بنى على ما صلى في الصلاة الأولى، ثم سلم، ثم سجد للسهو. قال: والسنة لا يعود إليها بعد التلبس بالفرض، لكنه يسجد للسهو عنها، واستدلوا بهذا بحديث عبد الله بن بحينة لما ترك النبي صلى الله عليه وسلم التشهد الأول في الصحيحين، قام النبي صلى الله عليه وسلم من الركعتين إلى الثالثة حتى انتهى من الصلاة، فسجد النبي صلى الله عليه وسلم للسهو ثم سلم. وعلمنا أن الشافعية عندهم سنة لهذا، قال هنا: والسنة لا يعود إليها بعد التلبس بالفرض، وصيغة أن تشهد الأول الواجب، وعلى هذا نقول: فالواجب إذا تركه الإنسان ساهيا لا يعود إليه، فيجبره بسجود السهو. وأما المستحب، فإذا كان مما يواضب عليه وسها فلا بأس أن يسجد للسهو. قال: والهيئة لا يعود إليها بعد تركها ولا يسجد للسهو عنها، لأن الهيئات ليست بواجبة، يعني كمثلا رفع اليدين مع التكبير إذا نسيها فلا يعود إليها ولا يسجد للسهو. قال: وإذا شك في عدد ما أتى به من الركعات بنى على اليقين وهو الأقل وسجد للسهو، كان في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى ثلاثا أم أربعا فليطرح الشك وليبني على ما استيقن، ثم ليسجد سجدتين قبل أن يسلم»، الحديث. واليقين هو الأقل في العدد، اليقين هو الأقل، إذا شك هي أن صلى ثلاثا أم أربعا، الثلاث متيقنة والرابعة مشكوك فيها، فاجعلها ثلاثا، ثم يأتي برابعة، ثم يسجد للسهو. شك شك هل صلى إثنتين أم ثلاثا، يجعلها إثنتين، ثم يأتي بثالثة وهكذا. قال: وسجود السهو سنة، ومحله قبل السلام، هكذا قالوا: بأن سجود السهو سنة. قال الشافعية: بأنه سنة، قالوا: لأنه لم يشرع لترك واجب. والصحيح أن سجود السهو واجب، لأمر النبي عليه الصلاة والسلام به في قوله: «فليسجد سجدتين»، أمر النبي صلى الله عليه وسلم بسجود السهو، والأصل في الأمر أنه للوجوب. قال: ومحله قبل السلام، كما في حديث عبد الله بن بحينة، يعني هذا مذهب الشافعية أنه يسجد في جميع السهو قبل السلام، في جميع أنواع السهو قبل السلام. والأمر في هذا واسع، وكان المسألة فيها خلاف من أهل العلم، يعني هل يسجد قبل السلام أو بعد السلام؟ من أهل العلم من يقول: قبل السلام، ومن يقول: بعد السلام، ومن يقول: يسجد في المواضع التي سجد فيها النبي صلى الله عليه وسلم قبل السلام، والذي سجد فيها بعد السلام بعد السلام، وما كان بعد ذلك من زيادة وبعد السلام، وما كان من نقص فقبل السلام، وهذا الذي تجتمع به الأدلة. ومع ذلك لم يضبط ذلك، فله أن يسجد قبل السلام لا بأس يجزئه ذلك. قال: فصل، خمسة أوقات لا يصلى فيها إلا صلاة لها سبب، يعني لا يتنفل فيها بنفل مطلق ليس له سبب. قال: بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس، وعند طلوعها حتى تتكامل وترتفع قدر رمح، وإذا استوت حتى تزول، وبعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس، وعند الغروب حتى يتكامل غروبها، هذه خمس صلوات، خمس أوقات لا يجوز فيها التنفل المطلق. بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس، لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن مسعود أو حديث أبي سعيد: «لا صلاة بعد الصبح حتى ترتفع الشمس»، ولا صلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس. قال: حتى تطلع الشمس، وعند طلوعها، يعني كذلك في أثناء طلوع الشمس لا يجوز الصلاة، كما في حديث عقبة بن عامر: «خمس أوقات أو ثلاث أوقات»، هنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نصلي فيهن وأن نقبر فيهن موتانا: «حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائمة الظهيرة حتى تميل الشمس، وحين تضيف الشمس للغروب»، يعني تميل الشمس إلى الغروب. فعند طلوعها لا يجوز، وقد جاء في حديث عمر بن عبسة في مسلم ذكر العلة في ذلك، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فإن حينئذ يسجد لها الكفار»، قال: «فإن حينئذ تطلع بين قرن الشيطان»، وحينئذ يسجد لها الكفار، وهكذا أيضا ذكر مثل ذلك عند غروبها، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم سد الذريعة الشرك وتشبه بالكفار في عبادتهم. قال: وإذا استوت حتى تزول، يعني إذا مالت الشمس أو وصلت إلى كبد السماء حتى تزول، فتبدأ بالغروب إلى جهة الغروب، حينئذ تزول الكراهة، فقبل الزوال بنحو عشر دقائق لا يصلي الإنسان في هذا الوقت حتى يدخل وقت الظهر. والعلة في ذلك والحكمة في حديث عمرو بن عبسة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فإن حينئذ تسجر جهنم»، أي تتوقد نارا وتشتعل. وكذلك أيضا بعد صلاة العصر، كان في حديث أبي سعيد، وعند الغروب كما في حديث عقبة بن عامر وحديث عمرو بن عبسة. وأما الحكمة من النهي عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر، قال أهل العلم: حتى لا يصلي في هذا الوقت فيستمر في الصلاة حتى يأتي طلوع الشمس ويأتي غروبها. فكان النهي عن ذلك سدا لهذه الذريعة. طيب إن هذه خمس أوقات لا يصلى فيها صلاة مطلقة، أما إذا كان صلاة لها سبب كتحية المسجد وركعتي الوضوء وصلاة الجنازة ونحو ذلك من ذوات الأسباب فلا بأس أن تفعل في وقت النهي، وإن كان الأولى ألا تفعل عند وقت الكراهة الشديدة، وهي عند طلوع الشمس وعند زوالها وعند غروبها، هذه ثلاثة الأوقات الكراهة فيها شديدة، والأولى ترك الصلاة فيها مطلقا. قال رحمه الله: فصل، وصلاة الجماعة سنة مؤكدة، واستدل على ذلك بحديث ابن عمر في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة»، وهذا مذهب الشافعية أنها سنة مؤكدة. وذهب بعضهم إلى أنها فرض كفاية على الرجال المقيمين، والصحيح أنها فرض عين أنها فرض عين على كل مسلم بالغ عاقل قادر مقيم، ويدل على ذلك أدلة كثيرة تدل على ذلك من قول الله عز وجل: ﴿واركعوا مع الراكعين﴾، وحديث ابن مسعود في صحيح مسلم في قوله رضي الله عنه: «لقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق»، وقد هم النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة بإحراق البيوت المتخلفين عن صلاة الجماعة، وغير ذلك من الأدلة الكثيرة التي تدل على أنها فرض عين، مع ما فيها كذلك من إظهار هذه الشعيرة العظيمة بشعائر الإسلام. فعلى هذا في الصحيح أن صلاة الجماعة فرض عين، لكن ليس على سبيل الشرطية كما يذهب لذلك الظاهرية، تصح من إنسان منفردا، لو صلاها منفردا من غير عذر لترك الجماعة صحت مع الإثم، صحت مع الإثم، لكن الواجب أن يصليها جماعة في بيوت الله. قالوا: على المأموم أن ينوي الإتمام دون الإمام، يعني إذا أراد الإنسان يصلي جماعة فإنه ينوي الإتمام بهذا الإمام، ينوي الإتمام به حتى يأتم به ويقتدي به. قال: ويجوز أن يأتم الحر بالعبد والبالغ بالمراهق، يعني من قارب الاحتلام ولم يحتلم بعد. قال: ولا تصح اقتداء رجل بامرأة، يعني أن تأتمه امرأة يصلي خلفها، بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يفلح قوم ولو أمرهم امرأة»، كما في حديث معاوية بن بكرة بالصحيح. وفي حديث مالك بن الحويرث عند أبي داود قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من زار قوما فلا يأمهم، وليأمهم رجل منهم»، دل هذا على أن الإمام للرجال. قال: ولا قارئ بأمي، قارئ يعني يحسن الفاتحة بأمي لا يحسن الفاتحة، فلا يصلي من يحسن الفاتحة خلف من لا يحسن قراءتها ويلحن في قراءتها، لأن الفاتحة ركن، فلابد من الإتيان بهذا الركن على وجهه الصحيح، إذا لا يتم قارئ بأمي، لكن أمي بأمي لا بأس، يعني إذا كان هذا الأمي هو أحسن من يوجد، ليس هناك أحسن منه، فلا بأس حينئذ أن يصلي الأمي خلفه. قالوا: أي موضع صلى في المسجد بصلاة الإمام فيه وهو عالم بصلاته، عالم بصلاته يعني يسمع صوت الإمام أو يرى أو يرى الصفوف ويصلي خلفها أجزأه، ما لم يتقدم عليه، يعني إذا صلى خلف الإمام في أي موضع صلاة صحيحة، ما لم يتقدم عليه، يعني يتقدم على الإمام فيصلي أمامه والإمام خلفه، هنا لا يجوز الاقتداء بالإمام، ولا تصح حينئذ اقتداؤه به، لأن الأصل والواجب أن يكون المأموم خلف الإمام حتى يقتدي به، وهذا قول جمهور أهل العلم، إلا في الضرورة كما ذكر شيخ الإسلام رحمه الله وغيره من أهل العلم، إذا لم يجد مكانا ومحلا يصلي به مع الإمام إلا أمامه، فحينئذ تصح الصلاة من باب الضرورات تبيح المحظورات. وكذلك سقوط الواجبات بالعجز، والأصل أنه يصلي خلف الإمام. قال: وإن صلى في المسجد والمأموم خارج المسجد قريبا منه وهو عالم بصلاته ولا حائل هناك جاز، إذا صلى في المسجد يعني الإمام والمأموم خارج المسجد، امتلأ المسجد مثلا فصلى خارج المسجد، فإذا كان قريبا منه وعالم بصلاته يرى المأمومين أمامه وهو يقتدي بهم، ولا حائل أي مانع وحاجز بينه وبين المصلين، يعني ليس هناك مثلا الشارع يقطع الصفوف أو نحو ذلك مما يقطع الصفوف، فالصفوف متصلة ولو بعد عن المسجد، ويعلم صلاة الإمام بالاقتداء بالمأمومين ونحو ذلك، فحينئذ تصح الصلاة. وما إذا وجد حائل، حين لا يصح الائتمام، لا يصح الائتمام بهذا الإمام، كأن يقطع الصلاة الشارع أو بناء أو شيء من ذلك، بحيث أنه لا تتصل الصفوف، فهنا لا تصح أن يقتدي به. قال: فصل، ويجوز للمسافر قصر الصلاة الرباعية بخمس شرائط، قوله: يجوز للمسافر قصر الصلاة الرباعية، يعني يشرع له أن يصلي الرباعية ركعتين. والأصل في مشروعية القصر قوله جل وعلا: ﴿وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة﴾، ومعنى ضربتم يعني سافرتم. وفي حديث عائشة رضي الله عنها في الصحيح قالت: «أول مفروضة الصلاة ركعتين ركعتين، فأقرت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر»، وكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في السفر ركعتين، في حديث أنس في الصحيحين قال: «صليت الظهر مع النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة أربعا، وبالذي الحليفة ركعتين». والقول في مشروعية القصر قول جمهور أهل العلم، قول الشافعية وقول جمهور أهل العلم، وذهب بعض أهل العلم إلى أن قصر الصلاة واجب، هو قول الظاهرية أنها واجبة يجب عليه أن يصلي ركعتين. قال: بخمس شرائط: أن يكون سفره في غير معصية، يعني يكون سفر طاعة أو مباح، يكون سفره سفر طاعة أو سفر مباح، لا يكون قصده لمعصية كمن يسافر إلى بعض البلاد لأجل فعل المنكرات لشرب الخمور والزنا ونحو ذلك، فقال هؤلاء: لا يشرع لهم القصر، لأنهم يستعينون به على معصية الله. فقال جمهور العلم: فلابد أن يكون السفر في غير معصية. وكان بعض العلم يقول: لا يشترط ذلك، لأن مشروعية القصر هو لمن ضرب في الأرض وسافر، بغض النظر هل سفره بطاعة أو معصية، فلم يقيد الشرع ذلك بهذا القيد، فكونه يسافر لمعصية يثمه على نفسه، لكن من حيث جواز القصر فله أن يقصر. قالوا: أن تكون مسافته ستة عشر فرسخا، جاء في البخاري ذكر الإمام البخاري رحمه الله أثرا معلقا عن ابن عمر وابن عباس أنهما كانا يقصران ويفطران في أربعة برد، وهي ستة عشر فرسخا، وهي تساوي نحو 81 كيلو متر تقريبا. واستدلوا بذلك على أن مثل ذلك يعني فعلوه بقدوة بالنبي عليه الصلاة والسلام، وإن كان في مثل ذلك يعني هو محل اجتهاد، يعني ليس في هذا أن هذا هو مسافة القصر أو تحديد لمسافة القصر، هذا بجرّد فعل لا يدل على التحديد، لا يدل على تحديد المسافة. ولهذا الصحيح أن المسافة التي تقصر فيها الصلاة ما عد عرفا أنه سفر، هذا الذي ينضبط به مسافة القصر، لأنه وردت أحاديث كثيرة فيها ذكر القصر بمسافات مختلفة، وهي مجرد يعني إخبار أنه ورد قصر في سفره، حين سافر، يعني مثلا في حديث أنس ذكروا مرة معنا أنه وصلنا مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة أربعا، وبدي الحليف ركعتين، وهي مسافة دون ذلك. وهكذا أيضا في ذكر النبي صلى الله عليه وسلم نهي المرأة أن تسافر إلا مع ذي محرم مسيرة يوم وليلة، وفي بعضها مسيرة يومين، وفي بعضها ثلاثة أيام، هذه كلها أخبار ليس فيها تحديد المسافة. ولهذا القاعدة أن الشرع إذا ذكر حكما ولم يحده بحد فإنه يرجع في تحديده إلى العرف، يرجع في تحديده إلى العرف، والعرف معمول به، إذا ورد حكم من الشرع الشريف لم يحد، فلن ينضبط به حد. مسافة القصر في السفر هو العرف، ما عد عرفا أن هذا سفر فإنه تقصر فيه الصلاة، وما لم يعد بأنه سفر لا تقصر فيه الصلاة، إذن يكون من شروط القصر أن يكون هذا السفر سفرا عرفا، فسواء كانت المسافة ثمانين كيلو أو خمسة وثمانين أو أقل أو أكثر، فحينئذ تقصر الصلاة إذا عد في العرف أن هذا سفر، هذا الذي ينضبط به مسافة السفر. قال: وأن يكون مؤديا للصلاة الرباعية، يعني المراد أنه لا يقضيها وإنما يصليها في وقتها، أن يؤدي الصلاة الرباعية، يعني في حال السفر هو الآن يصلي في وقت الصلاة، جاء وقت العصر فيصلي العصر ركعتين، جاء وقت الظهر قبل ذلك صلى الظهر ركعتين. ومراده أنه لا تكون الصلاة قضاء، لا تكون الصلاة قضاء، يعني مثلا عليه قضاء في حال الإقامة فأراد أن يصلي في حال السفر فليصلها ركعتين، وإنه يصليها أربعا. طيب وهكذا عكس، إذا عليه قضاء في السفر وقد أقام فيصليها ماذا؟ صلاة حضر، صليها صلاة حضر، يعني أربعا. قال: وأن ينوي القصر مع الإحرام، يعني عند إحرامه بالصلاة ودخوله فيها ينوي القصر، لعموم حديث: «إنما الأعمال بالنيات». وذهب جماعة من أهل العلم كما ذهب شيخ الإسلام رحمه الله وغيره إلى أنه لا يشترط نية القصر، لا يشترط نية القصر، فلو لم ينو القصر هو قد سافر سفرا تقصر فيه الصلاة، فله أن يقصر. وهذا قد يحصل للإنسان، قد أحيانا إنسان يسافر وهو لا يعلم أن الإمام سيقصر الصلاة، فيدخل معه، فالإمام يصلي ركعتين قصر الصلاة، وهو يقصر معه من غير نية القصر، دخل بالصلاة وهو لم ينو أن يقصر الصلاة، هل نقول: صلاة غير صحيحة؟ الجواب: لا، صحيحة، صحيحة، له أن يصلي وأن يقصر الصلاة ولو لم ينو عند إحرامه قصر الصلاة. قالوا: أن لا يأتم بمقيم، يعني حتى يقصر الصلاة، فإذا أتم بمقيم فإنه يتم، إذا أتم بمقيم فإنه يتم الصلاة ويصليها تامة، لحديث ابن عباس رضي الله عنهما لما سئل: ما بال المسافر يصلي ركعتين إذا انفرد، وإذا صلى يعني مع المقيم أتم أربعا؟ قال: «هي السنة»، قال: «هي السنة»، كما عند الإمام أحمد رحمه الله، هذه السنة أن المسافر إذا صلى وحده قصر، وإذا صلى مع المقيم أتم. قال: ويجوز للمسافر أن يجمع بين الظهر والعصر في وقت أيهما شاء، وبين المغرب والعشاء في وقت أيهما شاء، يعني له أن يؤخر صلاة الظهر فيصليها في وقت العصر، فيصلي الظهر ثم يصلي العصر، وله أن يصلي الظهر ويقدم صلاة العصر في وقت الظهر، وهو يسمى بجمع التقديم، وتأخير الظهر يسمى جمع تأخير. وهكذا المغرب والعشاء، له أن يصلي العشاء في وقت المغرب، وله أن يؤخر المغرب فيصليها في وقت العشاء، ينظر الأصل أحلى والأيسر عليه والأخف عليه في حال سفره فيفعله. وكل هذا فعله النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيح، عن ابن عباس قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يجمع بين صلاة الظهر والعصر إذا كان على ظهر سير، ويجمع بين المغرب والعشاء»، وجاء نحوه عند المعاذ في السنن، عند أبي داود والترمذي. قال: ويجوز للحاضر في المطر أن يجمع بينهما في وقت الأولى منهما، يجوز للحاضر يعني المقيم، عند المطر إذا نزل المطر أن يجمع بين الصلاتين، أن يجمع بينهما، يعني بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء في وقت الأولى منهما، يعني جمع تقديم. إذا جاء مثلا في صلات الظهر أنطرت والمطر شديد وقوي، فلهم أن يجمعوا إليها العصر، فيقدمون صلاة العصر مع صلاة الظهر، لكن من غير قصر، القصر في السفر، أما في الإقامة فليس هناك قصر، وإنما يشرع الجمع لمثل ذلك، لأجل رفع المشقة والحرج عن الناس. وهكذا في المغرب إذا أمطرت، فلهم أن يصلوا العشاء ويقدموا صلاة العشاء مع صلاة المغرب. وقصه عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه جمع عليه الصلاة والسلام في