كتاب الصلاة 4

الدرس في كتاب الصلاة 4، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

صلاة الاستسقاء وطلب المطر

صلاة الاستسقاء مشروعة عند الجفاف وتؤدى ركعتين مع خطبة ودعاء. يُستحب فيها الإكثار من الدعاء والاستغفار بأدعية مأثورة.

أحكام صلاة الخوف وتحريم لبس الحرير والذهب

يشرح المقطع كيفية أداء صلاة الخوف في ثلاث حالات، ويبين تحريم لبس الحرير والذهب للرجال. يُستثنى من التحريم النساء.

تجهيز الميت وغسله وتكفينه والصلاة عليه

يتناول المقطع تفاصيل غسل الميت وتكفينه والصلاة عليه، ويستند إلى الأحاديث النبوية. يُستثنى الشهداء والسقط من بعض الأحكام.

أحكام الصلاة على الجنازة ودفن الميت

يشرح المقطع كيفية الصلاة على الجنازة والدعاء فيها، ودفن الميت في اللحد وتوجيهه نحو القبلة، وأحكام التعامل مع القبر.

  • 23 جمادى الآخرة 1442هـ - 05/02/2021مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله: فصل، وصلاة الاستسقاء مسنونة. صلاة الاستسقاء، أي طلب السقي ونزول المطر، وهي مشروعة ومستحبة إذا أصاب الناس قحط، فقلت الأمطار، وجفت الأرض، وهلكت الزروع والمواشي، فيستحب لهم أن يصلوا صلاة الاستسقاء، وهي مسنونة، كما قال رحمه الله. وهذا القول قول جمهور أهل العلم، خِلافًا لأبي حنيفة، فإنه قال: يخرجون ويدعون من غير صلاة، فإن صلوا فرادى فلا بأس. ودليل الاستحباب حديث عبد الله بن الزيد في الصحيحين، قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى المصلى، فاستسقى، فاستقبل القبلة، وقلب رداءه، وصلى ركعتين. قال: فيأمرهم الإمام بالتوبة والصدقة والخروج من المظالم، وصف مصالحة الأعداء، وصيام ثلاثة أيام -يعني قبل الصلاة- مما يستحسن أن يحسنوا في الأعمال. إن كانت عندهم هناك مظالم فيرجعوها إلى أصحابها، وإن كانوا مقصرين في بعض الواجبات أو مرتكبين لبعض المحرمات فيتوبوا إلى الله جل وعلا، وكذلك يتصدقوا، ومصالحة الأعداء -يعني من بينه وبين إنسان عداوة في أمور دنيوية- فيصطلح معه. وقول الصيام ثلاثة أيام هذا لم يرد، لم يرد، ولم يأمر به النبي عليه الصلاة والسلام. قال: ثم يخرج بهم في اليوم الرابع في ثياب بذلة -يعني ثياب مهنة، ليس ثياب جميلة وجديدة، ثياب العمل- قال: وَاسْتِكَانَةٍ وَتَضَرُّعٍ -يعني يخرج بخشوع وتذلل- كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام، حيث بن عباس وسئل عن الصلاة في الاستسقاء، قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم متواضعًا، متبذلاً، متخشعًا، متضرعًا، حتى أتى المصلى، وصلى ركعتين كما يصلي في العيد، رواهما ابن ماجة، والألباني رحمه الله في الإرواء. وهذا يعني مناسب للمقصود من هذه الصلاة، وهو طلب السقي من الله جل وعلا، فيظهر الإنسان ضعفه وعجزه وحاجته إلى الله جل وعلا. قال: ويصلي بهم ركعتين كصلاة العيدين، يصلي بهم ركعتين كصلاة العيدين. أما كونه ركعتان فكما ثبت في الحادثة بالله من الزيل في الصحيحين، قال: فصلى ركعتين، جهر فيهما بالقراءة. وقوله كصلاة العيدين كما جاء في حديث ابن عباس المذكور من ابن ماجة، قال: فصلى بهم ركعتين كما يصلي في العيد، كما يصلي في العيد. لكن اختلف المراد في ذلك، كما يصلي في العيد -يعني في سائر كيفية صلاة العيدين- ومن ذلك التكبير في الركعتين، في الأولى السبع، وفي الثانية خمس، قال بهذا الإمام الشافعي، وهكذا الإمام أحمد، لأنه قال: يكبر في الأولى ستًا، أخذوا من عموم الحديث: ركعتين كما يصلي في العيد. وقال آخرون: المراد كصلاة العيدين -يعني في العدد وفي الوقت- يعني تصلى في وقت صلاة العيدين في الضحى بعد ارتفاع الشمس، وكصلاة العيدين أيضًا في العدد تصلى ركعتين. أما التكبير فإنه لم يثبت، ولو فعل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم نقله الصحابة، وضوان الله تعالى عليهم. قال: ثم يخطبوا بعدهما، أي بعد صلاة الركعتين، يخطب الناس، ويذكر الناس بخطر الذنوب والمعاصي، وأن من آثارها ذهاب البركات، ومزول المصائب والابتلاءات، ويأمرهم بالاستغفار والتوبة والإنابة إلى الله جل وعلا. وأما يعني دليل استحباب الخطبة حديث عبد الله بن الزيد أنه خطبهم بعد أن صلى بهم. والقول باستحباب الخطبة بعد صلاة الاستسقاء قول جمهور، خِلافًا لأبي حنيفة. قال: ويحول رداءه -يعني بعد أن ينتهي من الخطبة- يحول الرداء، يجعل اليمين على الشمال، والشمال على اليمين، كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام في حديث عبد الله بن زيد، قال: وقال ب رداءه. وهذا كما قال أهل العلم: تفاؤلاً بتغير الحال، تفاؤل بتغير الحال، وتحويل الرداء، قال به جمهور أهل العلم، خِلافًا لأبي حنيفة، فإنه قال: لا يسن. قال: ويكثر من الدعاء والاستغفار، ويدعو بدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو: اللهم اجعلها سقيا رحمة، ولا تجعلها سقيا عذاب، ولا محق، ولا بلاء، ولا هدم، ولا غرق. هذه الجملة رواه الإمام الشافعي رحمه الله في الأم، وهي من طريق إبراهيم بن محمد بسنده عن المطلب بن حنطب مرسلاً. واخرجه البيهقي، وقال: هذا مرسل، وإبراهيم بن محمد هو ابن أبي يحيى الأسلم المدني، متروك، متهم بالكذب. قال: اللهم على الضراب والآكام، ومنابت الشجر، وبطون الأودية، اللهم حوالينا ولا علينا. هاتبت بالصحيحين في حديث أنس. والضراب جمع الضرب، وهو الجبل الصغير، والآكام جمع أكمة، وهي التراب المجتمع. وهذا إنما يستحب إذا كثر المطر، أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله لما أنطرت سبعة -يعني أسبوعًا- فدخل عليه الرجل في الجمعة الثانية، وسأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يكشف عنهم المطر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الضراب والآكام، ومنابت الشجر، وبطون الأودية. فهذا الدعاء يستحب إذا كثر المطر. قال: اللهم إسقنا غيثًا مغيثًا، هنيئًا، مريئًا، سحًا، عامًا، غدقًا، طبقًا، مجللاً، دائمًا، إلى يوم الدين. هذا اللفظ ورد عند أبي داود، في الحديث جابر رضي الله تعالى عنه. أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: اللهم أسقنا غيثًا مغيثًا، مريئًا، نافعًا، غير ضار، عاجلاً غير آجل، طيب. وقوله غيثًا -يعني مطرًا- ومغيثًا منقذًا من الشدة، وهنيئًا طيبًا لا ينغسه شيء، ومريئًا محمود العاقبة، ومريئًا مخصبًا، مخصبًا فيه الريع والزيادة. وسحًا شديد الوقع على الأرض، وغدقًا -أي كثيرًا- وطبقًا مستوعبًا لنواحي الأرض، ومجللاً -أي يجلل الأرض ويعمها- ودائمًا مستمرًا. قال: اللهم اسقنا الغيث، ولا تجعلنا من القانطين، اللهم إن العبادة والبلاد من الجهد والجوع والضنك -الجهد يعني المشقة، والضنك الضيق والشدة- تشكو لا تشكو إلا إليك. اللهم أنبت لنا الزرع، وأدر لنا الزرع -الزرع يعني ضروع البهائم والماشية- أدر لبنها، وأنزل علينا من بركات السماء، وأنبت لنا من بركات الأرض، واكشف عنا من البلاء ما لا يكشفه غيرك، اللهم إنا نستغفرك، إنك كنت غفارًا، فأرسل السماء علينا مدرارًا. وهذا رواه الشافعي رحمه الله في الأم، وأيضًا البيهقي، عن يزيد بن الهاد، وهو مرسل. قال: ويغتسل في الوادي إذا سال -إذا نزل المطر وسال الوادي- قال: يغتسل في الوادي -يعني أنه كان يقول باستحباب ذلك- استدلالاً بالأثر المروي في ذلك، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سال السيل، قال: اخرجوا بنا إلى هذا الذي جعله الله طهورًا، فنتطهر به. وهذا الحديث رواه البيهقي، عن يزيد بن الهاد، عن النبي عليه الصلاة والسلام، وهو منقطع، قال البيهقي: هذا منقطع. قال: ويسبح للرعد والبرق -يعني إذا سمع الإنسان الرعد، ورأى البرق- فإنه يسبح، يقول: سبحان الله، أو سبحان الذي يسبح الرعد بحمده، والملائكة من خيفته، كما صح ذلك عن عبد الله بن الزبير، فجاء عند الإمام مالك في الموطأ، عن عامر بن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه، قال: إذا كان إذا سمع الرعد ترك الحديث، وقال: سبحان الذي يسبح الرعد بحمده، والملائكة من خيفته. وصح أيضًا عن ابن عباس أنه إذا سمع الرعد قال: سبحان الذي سبحت له. أو في الأدب المفرد للإمام البخاري، وجاء بحديث مرفوع عند الترمذي، حديث عبد الله بن عمر، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سمع صوت الرعد والصواعق، قال: اللهم لا تقتلنا بغضبك، ولا تهلكنا بعذابك، وعافنا قبل ذلك. لكن هذا ضعيف. قال: فصل، وصلاة الخوف على ثلاثة أضرب، صلاة الخوف -يعني في المعركة- وعند قتال الععدو، فيشرع للمسلم في مثل هذه الحال أنواع من التخفيف في الصلاة. يقول رحمه الله: وصلاة الخوف على ثلاثة أضرب. أحدها: أن يكون العدو في غير جهة القبلة، فيفرقهم الإمام فرقتين، فرقة تقف في وجه العدو، وفرقة خلفه، فيصلي بالفرقة التي خلفه ركعة، ثم تتم لنفسها، وتمضي إلى وجه العدو، وتأتي الطائفة الأخرى، فيصلي بها ركعة، وتتم لنفسها، ويسلم بها. وهذه كيفية ثبتت كما في الصحيحين، من طريق صالح بن خوات، عما شهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم ذات الرقاع، صلاة الخوف، أن طائفة صفت معه، وطائفة وجاه العدو، فصلى بالتي معه ركعة، وثم ثبت قائمًا، وأتم لأنفسهم، ثم انصرفوا، فصفوا وجاه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى، فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته، ثم ثبت جالسًا، وأتم لأنفسهم، ثم سلم بهم. واضح هذه الكيفية الآن، الإمام يصلي بطائفة خلفه ركعة واحدة، طيب الطائفة الأخرى في تجاه العدو، مواجهة للعدو، يصلي بالذين خلفه ركعة واحدة، ثم يقوم للركعة الثانية، ويقومون معه، فيبقى الإمام قائمًا، والذين خلفه يتمون لأنفسهم، يصلون الركعة الثانية لوحدهم، يقومون، يقرأون، ويركعون، ويقومون، ثم يسجدون، ثم يتشهدون، ويسلموا. الإمام واقف، الإمام يصلي بهم ركعة واحدة فقط، ويبقى قائمًا في الركعة الثانية، ثم يذهبون إلى جهة العدو، الطائفة التي هناك تأتي، تدخل مع الإمام في الركعة الثانية، فيصلي بهم الإمام هذه الركعة الثانية، ثم إذا بلغ تشهدًا، يبقى الإمام جالسًا، وهم يقومون، فيتمون الركعة الثانية، يصلون الركعة الثانية، حتى إذا بلغوا التشهد، يتشهدون، ثم يسلم الإمام، ويسلمون معه. قال: الثاني: أن يكون في جهة القبلة -يعني يكون العدو في جهة القبلة- فيصفهم الإمام صفين، ويحرم بهم، فإذا سجد، سجد معه أحد الصفين، ووقف الصف الآخر يحرسهم، فإذا رفع سجدوا، ولحقوه -يعني إذا رفع من الركوع- ركع الصف الآخر، ثم يسجد، ويسجد معه الصف الذي خلفه، ويبقى الصف الآخر قائمًا. فإذا انتهوا من السجود، ورفع يسجد الصف المؤخر، ثم يقومون، ويفعلون في الركعة الثانية كما فعلوا في الركعة الأولى. بل جاء في الحديث أن الصف المؤخر يتقدم، والصف المقدم يتأخر، ثم يفعل بهم كما فعله في الركعة الأولى. والحديث البخاري، عن ابن عباس، قال: قام النبي صلى الله عليه وسلم، وقام الناس معه، فكبر، وكبروا معه، وركع، وركع ناس منهم. ثم سجد، وسجدوا معه، ثم قام للثانية، فقام الذين سجدوا، وحرسوا لإخوانهم، وأتت الطائفة الأخرى، فركعوا، وسجدوا معه. والناس كلهم في صلاة، ولكن يحرس بعضهم بعضًا. طيب، قال: والثالث: أن يكون في شدة الخوف والتحام الحرب -طبعًا هذه الصفة الثانية هي التي جاءت في القرآن- وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة، فلتقم طائفة منهم معك، وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم. فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم، ولتأتي طائفة أخرى لم يصلوا، فليصلوا معك، وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم. نعم، هذه الآية في صفة صلاة الخوف، في الصفة الأولى -الصفة الأولى التي ذكرناها- طائفة تصلي معه، وطائفة تكون في تجاه العدو. قال: الثالث: أن يكون في شدة الخوف والتحام الحرب -يعني في أثناء القتال- في أثناء القتال، جاءت وقت الصلاة، فكيف يفعلون؟ قال: فيصلي كيف أمكنه، راجلاً أو راكبًا -راجلًا يعني إذا كان على الأرض على رجليه- راكبًا إذا كان راكبًا على الدابة، أو على الرواحل، أو الرواكب الحديثة -الدبابات والطائرات ونحوها- مستقبل القبلة، وغير مستقبل لها، بقول الله جل وعلا: فإن خفتم فرجالاً أو ركبانًا. قال ابن عمر: مستقبل القبلة، وغير مستقبلها، في حال الخوف، يصلي على قدر استطاعته، فاتقوا الله ما استطعتم. جاء في الحديث: وإذا التحموا، فإنما هو التكبير والإشارة بالرأس. قال: فصل، ويحرم على الرجال لبس الحرير، واتخاذ الخاتم من الذهب، ويحل للنساء، وقليل الذهب وكثيره في التحريم سواء. يحرم على الرجال لبس الحرير، لحديث حذيفة في الصحيحين، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: لا تلبسوا الحرير، ولا الديباج. فالحرير من لباس النساء، لأن فيه نعومة ورقة، وهذا ينافي ما عليه الرجل من الخشونة والجلد، فكان مناسبًا للنساء، فنهى عنه الرجل حتى لا يتشبه بالنساء، إلا للضرورة، أجاز النبي صلى الله عليه وسلم لبسه لمن به حكة -يعني مرض جلدي لا يناسبه إلا الحرير- فلا بأس من أجل دفع هذا الضرر. قال: وَاتَّخَذْتُمْ بِالذَّهَبْ -كذلك لا يجوز للرجل لبس الخاتم من الذهب- لأن الذهب من لباس النساء. قال: وَيَحِلُّ لِلنِّسَاءِ -قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة في الصحيحين- قال: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن خاتم الذهب. وفي حديث أبي موسى حرم لباس الحرير وَالذَّهَبْ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي وَأُحِلَّ لِإِنَاثِهِمْ -رواه الترمذي- قال: وَيَحِلُّ لِلنِّسَاءِ وَقَلِيلُ الذَّهَبِ وَكَثِيرُهُ فِي التَّحْرِيمِ سَوَاء -يعني من حيث التحريم للرجل- القليل والكثير يحرم، لا يجوز له أن يلبس شيئًا من الذهب. قال: لا أو كثر. قال: وَإِذَا كَانَ بَعْضُ الثَّوْبِ إِبْرِيسَمًا -والإبريسم يعني الحرير- وبعضه قطنًا أو كتانًا، جاز لبسه، ما لم يكن الإبريسم غالبًا. إذا كان الثوب فيه شيء من الحرير -يعني شيء يسير- قدر أربع أصابع، فهذا يجوز أن يلبس، لأن النبي صلى الله عليه وسلم استثنى ذلك بحديث عمر، قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لبس الحرير إلا هكذا. قال: وَأَشَارَ بِأُصْبُعَيْهِ اللَّتَيْنِ تَلِيَانِ الْإِبْهَامِ -يعني قدر أصبعين- وفي بعض الرواية الأخرى: أربع أصابع -يعني قد يخلط الثوب بشيء من الحرير حتى يجعله في شيء من النعومة- إذا كان قليلًا نحو ذلك، فلا بأس، وأما إن كان كثيرًا فلا يجوز. قال: فصل، يلزم في الميت أربعة أشياء: غسله، وتكفينه، والصلاة عليه، ودفنه. هذه الأشياء الأربعة من فروض الكفايات -يعني يجب على المسلمين أن يقوموا بها- إذا مات الميت، يجب أن يقوم من الناس من يقوم بتغسيله، وتكفينه، والصلاة عليه، ودفنه، لأمر النبي عليه الصلاة والسلام بذلك. في حديث أم عطية، لما ماتت ابنة النبي صلى الله عليه وسلم، قال: غسلنها ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر من ذلك، رأيتم ذلك -الحديث في الصحيحين- وحديث ابن عباس في الرجل الذي وقصته ناقته، قال النبي صلى الله عليه وسلم: اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبه. نعم، الصلاة عليه كذلك من الواجبات، وفروض الكفايات، قال عليه الصلاة والسلام في الرجل الذي جئ به وعليه دين، قال: صلوا على صاحبكم. وهكذا أيضًا دفنه، ومواراته في الأرض، هذه كلها من فروض الكفايات، إذا تركت جميعًا أثموا، وإذا قام بها بعضهم سقط الإثم عن الباقين، وهذا الأمر مجمع عليه. قال: واثنان لا يغسلان، ولا يصلى عليهما: الشهيد في معركة المشركين، والسقط الذي لم يستهل صارخًا. الشهيد في معركة المشركين -يعني في معركة في الجهاد وقتال الكفار- إذا قتل المسلم واستشهد، فإنه لا يغسل، ولا يصلى عليه، كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام بشهداء أحد، أمر أن يدفنوا بثيابهم ودمائهم، ولم يغسلوا، ولم يصلى عليهم. والحديث البخاري، من حديث جابر رضي الله تعالى عنه. وقوله: الشهيد في معركة المشركين، الإخراج الشهيد في غير المعركة -كالشهيد بالمرض المبطون، أو المطعون، أو من مات بالهدم، أو مات بالغرق- فكلهم شهداء، لكن لهم حكم الشهادة في الآخرة، أما في الدنيا فيعاملون معاملة غيرهم، يغسلون، ويكفنون، ويصلى عليهم. لكن الذي لا يصلى عليه، ولا يغسل هو الشهيد شهيد المعركة. والثاني: السقط الذي لم يستهل صارخًا -يعني إذا أسقطت المرأة الجنين، فخرج ولم يصرخ- معنى أنه خرج ميتًا، فهذا لا يصلى عليه، ولا يغسل. فاستدل أهل العلم لذلك بحديث جابر عند الترمذي، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الطفل لا يصلى عليه، ولا يرث، ولا يورث، حتى يستهل. هذا الحديث فيه ضعف، ضعفه الشيخ الألباني رحمه الله في ضعيف الجامع. لكن اللفظ الآخر عند ابن ماجه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا استهل الصبي صلي عليه، وورث. هذا صحيح، صححه الشيخ الألباني رحمه الله في صحيح أبي داود، وفي الصحيح: إذا استهل الصبي صلي عليه، وورث. ومعنى استهل: من الاستهلال، أو الصياح، أو العطاس، أو تحرك حركة يعلم بها حياته. وفهم الحديث أنه إذا لم يستهل فإنه لا يصلى عليه. قال: ويغسل الميت وترًا، ويكون في أول غسله سدر، وفي آخره شيء من كافور. يغسل وترًا -يعني ثلاثًا أو خمسًا أو سبعًا- ما في حديث أم عطية في الصحيحين، قال النبي صلى الله عليه وسلم: اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر من ذلك، إن رأيتن ذلك، بماء وسدر، واجعلن في الآخرة كافورًا، أو شيئًا من كافور -الحديث- فدل هذا الحديث على هذه الأمور الثلاثة: أن الميت يغسل وترًا. وأن يكون في أول غسله سدر -السدر يعني مطحون ورق السدر- يخلط بالماء، ويغسل به الميت. وفي آخره شيء من كافور، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: واجعلن في الآخرة كافورًا، أو شيئًا من كافور -الكافور نوع من الطيب أبيض- يدق، ويخلط بالماء، ويغسل به الميت في آخر غسله، بعد أن يغسل بالماء، وبالسدر، ثم يغسل بالماء، يغسل بالكافور. وفائدته كما قال أهل العلم: أنه يصلب الجسد، ويبعد الهوام عن الميت، فيه رائحة تبعد الهوام عن الميت. قال: ويكفن في ثلاثة أثواب بيض، ليس فيها قميص، ولا عمامة، كما ثبت في الصحيحين، عن عائشة رضي الله عنها، أن النبي عليه الصلاة والسلام كفن في ثلاثة أثواب يمانية بيض، سحولية، من كرسف -يعني من قطن- ليس فيها قميص، ولا عمامة. يعني لا يغطى رأس بعمامة، ولا يلبس يعني كفن أو ثوب فيه قميص، وإنما أثواب مفتوحة، ليس فيها أكمام، هكذا كفن النبي عليه الصلاة والسلام. والقول بتكفين الميت بثلاثة أثواب قول الإمام الشافعي، وأحمد، ومالك. وقال أبو حنيفة: يكفن في ثوبين، وإن كفن في ثلاث فأفضل. قال: ويكبر عليه أربع تكبيرات. طيب، بالنسبة للمرأة، استحب أهل العلم أن تكفن في خمسة أثواب، أن تكفن في خمسة أثواب، كما قال الشافعي، ومالك، وأحمد. والله أعلم بحديث وارد في ذلك -كأنه ضعيف- وقال أبو حنيفة: الخمس أفضل، ويجوز في ثلاث -يعني يكفن المرأة- وهذا صحيح، أن المرأة الأصل كالرجل، لكن إذا احتيج إلى زيادة ستر، إذا كان الثلاث لا يسترها، فلا بأس أن تكفن في خمس، لأن المقصود من تكفين الميت ستره. قال: ويكبر، ويكبر عليه أربع تكبيرات -يعني في الصلاة على الميت- يكبر أربع تكبيرات، كما ثبت في الصحيحين، في صلاة النبي عليه الصلاة والسلام على النجاشي، قال: نعى النبي صلى الله عليه وسلم النجاشي في اليوم الذي مات فيه، وخرج بهم من المصلى، فصف بهم، وكبر أربعًا. والتكبير بأربع تكبيرات هذا هو الأشهر، والأكثر عن النبي عليه الصلاة والسلام. قال: يقرأ الفاتحة بعد الأولى، ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم بعد الثانية، ويدعو للميت بعد الثالثة. قوله: يقرأ الفاتحة بعد الأولى -كما ثبت في البخاري، عن طلحة بن عبد الله بن عوف، أنه صلى خلف ابن عباس رضي الله عنهم على جنازة، وقرأ بفاتحة الكتاب، وقال: ليعلموا أنها سنة. وقوله: يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم بعد الثانية -كما ثبت عند النسائي، عن أبي أمامة بن سهل رضي الله عنه، أنه أخبره رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن السنة في الصلاة على الجنازة أن يكبر الإمام، ثم يقرأ فاتحة الكتاب بعد التكبيرة الأولى سرًا في نفسه، ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ويجعل الدعاء للجنازة في التكبيرات، ولا يقرأ في شيء منهن، ثم يسلم سرًا في نفسه. طيب، قال: ويدعو للميت بعد الثالثة، فيقول: اللهم هذا عبدك، وابن عبدك، وابن عبديك، خرج من روح الدنيا، وسعتها، ومحبوبه، ومحبوبه، وأحباءه فيها إلى ظلمة القبر، وما هو لاقيه، كان يشهد أن لا إله إلا الله، كان يشهد أن لا إله إلا أنت، وحدك لا شريك لك، وأن محمدًا عبدك، ورسولك، وأنت أعلم به منا. اللهم إنه نزل بك، وأنت خير منزل به، وأصبح فقيرًا إلى رحمتك، وأنت غني عن عذابه، وقد جئناك راغبين إليك، شفعاء له، اللهم إن كان محسنًا فزد في إحسانه، وإن كان مسيئًا فتجاوز عنه، ولقه برحمتك، رضاك، وقه بفتنة القبر، وعذابه، وافسح له في قبره، واجعل الأرض عن جنبيه، ولقه برحمتك الأمن من عذابك، حتى تبعثه آمنًا إلى جنتك، برحمتك، يا أرحم الراحمين. وهذا الدعاء أفضل، مجموعة من عدة أدعية التقطها الإمام الشافعي رحمه الله، وروى ذكرها بالمعنى. وأصح من ذلك كله ما جاء في صحيح مسلم، في حديث عوف بن مالك الأشجعي رضي الله عنه، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يصلي على جنازة، يقول: اللهم اغفر له، وارحمه، واعف عنه، وعافه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بالماء، والثلج، والبرد، ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله دارًا خيرًا من داره، وأهلاً خيرًا من أهله، وزوجًا خيرًا من زوجه، وقه فتنة القبر، وعذاب النار. قال عوف: فتمنيت أن لو كنت أنا الميت، لدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك الميت. هذا أصح ما ورد في الدعاء للميت. وكذا أيضًا ما جاء في الصحيح، عند الترمذي، وأبي داود، عن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى على جنازة، قال: اللهم اغفر لحينا، وميتنا، وصغيرنا، وكبيرنا، وذكرنا، وأنثانا، وشاهدنا، وغائبنا، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان. طيب، قال: ويقول في الرابع: اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده، واغفر لنا وله. والحديث هذا المذكور نحو حديث أبي هريرة عند أبي داود، والترمذي. ولو دعا بهذا الدعاء بعد الرابع، لا بأس: اللهم اغفر لحينا، وميتنا، وصغيرنا، وكبيرنا، إلى آخره، هذا الدعاء عام. طيب، قال: ويسلم بعد الرابعة -يعني بعد أن يكبر تكبيرة الرابعة- يسلم كما يسلم في الصلاة، لأثر عبد الله المشود عند البيهقي، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل في التسليم على الجنازة، مثل التسليم في الصلاة. قال: ويدفن في لحد مستقبل القبلة، اللحد الشق يكون في الجانب القبلي من القبر، الشق يكون في الجانب القبلي من القبر، لأن هذا القبر يحفر، شق في هذا الجانب القبلي، في الأسفل، يوضع فيه الميت، هذا الشق يسمى لحدًا، فاللحد هو المستحب في دفن الميت، لأثر سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، أنه قال في مرضه الذي مات فيه: إلحدوا لي لحدًا، وانصبوا علي اللبن نصبا، كما صنع برسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي مسلم: نعم، واللحد مستحب إذا كانت الأرض قوية، أما إذا كانت رخوة، فإنه لا يمكن حينئذ أن يلحد الميت، فيشق، يجعل له شق -يعني حفرة في الوسط- وسط القبر، ثم يدفن فيها. قال: ويسل من قبل رأسه برفق، يسل من قبل رأسه -أي رأس الميت- يعني يدخل الميت إلى القبر من جهة رأسه، ومن جهة رجلي القبر. يعني هذا القبر الآن يؤتى بالميت من هذه الجهة، يسل من قبل رأسه، رأس الميت، وهو في هذه الجهة، في القبر، سيكون من جهة رجلي القبر، إذا أدخل سيكون رجليه في هذا الموضع. واضح؟ هذه السنة في إدخال الميت إلى القبر، لحديث عبد الله بن يزيد الخطمي الصحابي، قال: أنه أدخل الحارث إلى القبر من قبل رجلي القبر، وقال: هذا من السنة، رواه أبو داود. قال: ويقول الذي يلحده -يعني الذي سيدفنه، ويواريه- بسم الله، وعلى ملة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما ثبت في سنة أبي داود، والترمذي، عن ابن عمر، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا وضع الميت في القبر، قال: بسم الله، وعلى سنة رسول الله. قال: ويضجع في القبر، بعد أن يعمل قبرًا، وبسطة -يعني يعمق في حفر القبر قامة- يعني قدر ارتفاع إنسان معتدل الطول. فجاء في أثر هشام بن عامر رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: احفروا، وأوسعوا، وأحسنوا -الحديث رواه أبو داود، والترمذي، وصححه العلامة الألباني رحمه الله. وذلك -يعني أبعد- أن يصل إليه شيء من الهوام، والحيوانات، لما يكون القبر -يعني عميقًا- يكون ذلك أسلم للميت أن يصله شيء من الحيوانات، وتعبث بجثته. طيب، قال: ويسطح القبر، ولا يبنى عليه، ولا يجسس. يسطح -يعني يجعل مستويًا- يعني مسطحًا، متساويًا، معتدلاً، بعد أن يدفن الميت، ويرجع عليه التراب، يجعل كالسطح -يعني كالأرض المستوية- هذا التسطيح، هذا مثل الإمام الشافعي رحمه الله. وذهب الإمام أحمد، ومالك، وأبو حنيفة إلى أن السنة التسنيم -أن يجعل مسنمًا- هو صحيح. قال: ولا يبنى عليه، ولا يجسس -لا يبنى عليه أي على القبر- لا يبنى عليه شيء من البناء، بحجر، أو نحو ذلك. ولا يجسس -يجعل فيه الجص- لنهي النبي عليه الصلاة والسلام عن ذلك، في حديث علي رضي الله عنه، قال: لأبي الهياج: ألا أبعثك على مبعث النبي رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ألا تدع تمثالاً إلا طمسته، ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته. سويته -يعني جعلته معتدلاً بالأرض- أو بسائر القبور -يعني لا يرفع التراب إلا ما أخرج من القبر- فيه التفع قدر الشبر فقط، لأن البناء عليه، وتجصيصه من أسباب افتتان الناس به، وهو ذريع إلى الوقوع في الشرك. قالوا: لا بأس بالبكاء على الميت من غير نوح، ولا شق جيب. لا بأس بالبكاء على الميت من غير نوح، ولا شق جيب -يعني أن تدمع عين الإنسان على الميت- هذا لا بأس به، لأنه من دلائل الرحمة، والشفقة على هذا الميت، واتفعل ذلك النبي عليه الصلاة والسلام في الصحيحين: أن النبي صلى الله عليه وسلم بكى على ولده إبراهيم، لما رآه يجود بنفسه -يعني في أثناء احتضاره- بكى عليه الصلاة والسلام. فقيل له: أنت يا رسول الله؟ فقال: إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا على فراقك يا إبراهيم لمحزونون. نعم، وكذا لما زاره سعد بن عبادة لما مرض، فبكى عليه الصلاة والسلام، قال: أقضى، قالوا: لا يا رسول الله، فبكى، فلما رأى صح