التعليق على كتاب مكائد الشيطان لابن القيم 3

الدرس في التعليق على كتاب مكائد الشيطان لابن القيم 3، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

إغواء الشيطان للإنسان وتأثيره

يشرح كيف يغوي الشيطان الإنسان من مختلف الجهات، ويحاول إثنائه عن الخير وتحريضه على الشر. يُبيّن ذلك من خلال تفسير الآيات القرآنية.

تفسير تغيير خلق الله والابتعاد عن الفطرة

يفسر قوله تعالى: ولآمرنهم فليغيرن خلق الله، ويوضح معنى الفطرة ودلالة الحديث النبوي: كل مولود يولد على الفطرة. يشير إلى الابتعاد عن الدين المستقيم.

تحليل وعود الشيطان والله وتأثيرها على الإنسان

يتناول تحليل وعد الشيطان بالفقر والفحشاء مقابل وعد الله بالمغفرة والفضل، ويشير إلى تأثير كل منهما على سلوك الإنسان وقلبه. يستشهد بآيات قرآنية وأحاديث نبوية.

خاتمة وتوجيهات دينية

يتضمن صيغة صلاة على النبي محمد وآله وصحبه، ويُظهر احترامًا وتقديرًا للنبي وأتباعه. يُعد ذلك ختامًا للمواضيع السابقة وتوجيهًا للإنسان.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام ابن القيم رحمه الله في كتابه "مكائد الشيطان": قال فقول عدو الله تعالى: "ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم" يتناول الدنيا والآخرة. وقوله: "وعن أيمانهم وعن شمائلهم"، فإن ملك الحسنات عن اليمين يستحث صاحبه على فعل الخير، فيأتيه الشيطان من هذه الجهة يثبته عن فعل الخير. وإن ملك السيئات عن الشمال ينهاه عنها، فيأتيه الشيطان من تلك الجهة يحرّضه عليها، أي على فعل الشر، ويزيّنه له. وهذا يفصّل ما أجمله في قوله: "فبعزتك لأغوينهم أجمعين". وقال تعالى: ﴿إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَّرِيدًا لَّعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا يُعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾. قال الضحاك: "مفروضا" أي معلوما. وقال الزجاج: أي نصيبا افترضه على نفسي. قال الفراء: يعني ما جعل له عليه السبيل من الناس، فهو كالمفروض. قلت: حقيقة الفرض هو التقدير، ومنه سمي علم الفرائض بهذا الاسم؛ لأنه عبارة عن أنصبة مقدرة قدرها الشرع. فيقول: حقيقة الفرض هو التقدير، والمعنى أن من اتبع الشيطان وأطاعه فهو من نصيبه المفروض وحظه المقسوم، يعني من نصيب الشيطان الذي أخبر الله سبحانه وتعالى عنه أنه له من العباد نصيب مفروض، نصيب مقدر أن يغوي بعض العباد ويصدهم عن طاعة الله جل وعلا. قال: "فكل من أطاع عدو الله فهو من مفروضه"، يعني من مفروضه الذي قدر له، فالناس قسمان: نصيب الشيطان ومفروضه، وأولياء الله وحزبه وخاصته. وقوله: "ولأضلنهم" يعني عن الحق، أضلنهم عن الحق حتى لا يتبعوه ولا يأخذوا به ولا يعملوا به. ولأمنينهم، قال ابن عباس: يريد تعويق التوبة وتأخيرها. وقال الكلبي: أمنيهم أنه لا جنة ولا نار ولا بعث. وقال الزجاج: أجمع لهم مع الإضلال أن أوهمهم أنهم ينالون مع ذلك حظهم من الآخرة. وقيل: "لأمنينهم" ركوب الأهواء الداعية إلى العصيان والبدع. وقيل: أمنيهم طوع البقاء في نعيم الدنيا، فأطيل لهم الأمل ليؤثروها على الآخرة. وكل هذه الأقوال متقاربة وهي تشملها هذه الآية. وقوله: "ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام"، البتك: القطع، وهو في هذا الموضع قطع آذان البحيرة. والبحيرة هي نوع من أنواع الإبل التي كانت أهل الجاهلية والمشركون يحرمونها على أنفسهم. قال: ومنها هنا أخذ جمهور أهل العلم تنقيب أذني الطفل للحلق، يعني لوضع الحلقة كالخرص ونحوها. قال: ورخص بعض في ذلك للأنثى دون الذكر لحاجتها إلى الحلية. وقول: "ولآمرنهم فليغيرن خلق الله"، قال ابن عباس: يريد دين الله. وهو قول إبراهيم ومجاهد والحسن والضحاك وقتادة والسدي وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير. ومعنى ذلك هو أن الله تعالى فطر عباده على الفطرة المستقيمة، وهي ملة الإسلام، كما قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما من مولود إلا يولد على الفطرة"، بمعنى على معرفة الله وتوحيده والإيمان به، "فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه"، يعني يصرفانه عن هذه الفطرة بأن يكون يهوديا أو نصرانيا أو مجوسيا. قال: كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، فهل تحسون فيها من جدعاء؟ حتى تكونوا أنتم تجدعونها. ثم قرأ أبو هريرة: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ الآية، متفق عليه. وقوله: "يعدهم ويمنيهم"، فوعده ما يصل إلى قلب الإنسان نحو: سيطول عمرك، وتنال من الدنيا لذتك، وستعلو على أقرانك، وتظفر بأعدائك، والدنيا دول ستكون لك كما كانت لغيرك، ويطول أمله، ويعده بالحسن على شركه ومعاصيه. ويمنيه الأمان الكاذبة على اختلاف وجوهها مما مر، ومنها ما مر معنا ذكره في أول قراءة هذا المجلس. قال: والفرق بين وعده وتمنيته أنه يعد الباطل، ويمني المحال. والنفس المهينة التي لا قدر لها تغتذي بوعده وتمنيته، كما قال القائل: "منا إن تكن حقا تكن أحسن المنى، وإلا فقد عشنا بها زمنا رغدا". فالنفس المبطلة الخسيسة تلتذ بالأمان الباطلة والوعود الكاذبة وتفرح بها، كما يفرح بها النساء والصبيان ويتحركون لها. فالأقوال الباطلة مصدرها وعد الشيطان وتمنيته، فإن الشيطان يمني أصحابها الظفر بالحق وإدراكه، ويعدهم الوصول إليه من غير طريقه، أي من غير الطريق الصحيح الذي يوصل إلى الحق وإلى الصراط المستقيم. فكل مبطل فله نصيب من قوله: "يعدهم ويمنيهم". وما يعدهم الشيطان إلا غرورا، يعني كل صاحب باطل قد انصرف عن الحق وسلك سبل الغواية والضلال، له نصيب من هذه الآية؛ لأن الشيطان الذي يعيده ويمنيه أنه على الحق وأنه على الهدى وأنه له النجاة والسلام والظفر، وما معه من ذلك إلا الغرور. قالوا: من ذلك قوله تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا﴾. قيل: يعدكم الفقر أن يخوفكم به، يقول: إن أنفقتم أموالكم افتقرتم. ويأمركم بالفحشاء، قالوا: هي البخل في هذا الموضع خاصة. قال: ثم ذكر سبحانه وعده على طاعته وامتثاله أوامره واجتناب نواهيه، وهي المغفرة والفضل، فالمغفرة وقاية الشر، والفضل إعطاء الخير. قال: "والله يعدكم مغفرة منه وفضلا"، عكس ما يريده الشيطان، "الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة"، والمغفرة وقاية للشر، والإنسان إذا وقع في ذنب وتاب ورجع إلى الله غفر الله عز وجل ووقاه شر هذه الذنوب والمعاصي. والفضل إعطاء الخير، إعطاء الخير من الحسنات والأجور والثواب. قال: قاله في الحديث المشهور: "إن للملك لمة بقلب ابن آدم وللشيطان لمة"، فلمة الملك إيعاد بالخير وتصديق بالوعد، ولمة الشيطان إيعاد بالشر وتكذيب بالوعد. ثم قرأ: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ﴾ الآية. وهذا الحديث رواه الترمذي والنسائي وابن حبان من حديث ابن عباس، وضعفه العلامة الألباني رحمه الله في "ضعيف الجامع". قال: فالملك والشيطان يتعاقبان على القلب تعاقب الليل والنهار. لكن صح في الصحيحين أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: "ما منكم من أحد إلا وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة". قالوا: وأنت يا رسول الله؟ قال: "وأنا، إلا أن الله عز وجل أعانني عليه فأسلم". قال: فمن الناس من يكون ليله أطول من نهاره، ومنهم من يكون زمنه نهارا كله، وآخر يكون زمنه كله ليلا. نستعيذ بالله تعالى من شر الشيطان. صلى الله وسلم على أبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.