الدرس في التعليق على كتاب مكائد الشيطان لابن القيم 16، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
ذكر إمام بن القيم رحمه الله جواز الصلاة بحمل الأطفال، مستشهدا بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم حاملا أمامة بنت زينب والحسن والحسين. هذا يدل على رفق النبي بالصغار وتيسيره في العبادة.
يظهر هدي النبي صلى الله عليه وسلم رفقا كبيرا بالصغار وتعاطفا مع الحائض، حيث صلى حاملا الأطفال على ظهره وأطال السجود مراعاة لهم، كما تعامل بيسر مع النجاسة أثناء الصلاة.
بين المقطع أن الأصل في الثياب والأماكن هو الطهارة، ما لم تتيقن نجاستها، مستندا إلى هدي النبي في لبس ثياب المشركين والصلاة فيها، وكذلك تعامل الصحابة مع ثياب وأواني الكفار.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام بن القيم رحمه الله في كتابه "مكائد الشيطان": قال فصل، ومن ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي وهو حامل أمامة بنت ابنته زينب، فإذا ركع وضعها، وإذا قام حملها، متفق عليه. ولأبي داود أن ذلك كان في إحدى صلاتي العشي، يعني الظهر أو العصر، وهو دليل على جواز الصلاة في ثياب المربية والمرضع والحائض والصبي، ما لم يتحقق نجاستها. يعني المولود الذي يرغى، يجوز أن يصلي الإنسان وهو حامل له، مع كونه مظنة، يعني حصول النجاسة منه، لكن إذا لم يتحقق ذلك، فالأصل هو الطهارة، الأصل هو الطهارة وجواز الصلاة وهو حامل له، لفعل النبي عليه الصلاة والسلام الصلاة وهو حامل لأمامة بنت ابنته زينب، وهي صغيرة، كان إذا قام حملها، وإذا ركع وضعها، وهي لابسة لثيابها التي تلبسها، ومع ذلك ما أبطل النبي صلى الله عليه وسلم صلاته. هكذا أيضا المرأة المربية التي تربي الأطفال، لا شك أن لها ثياب تستعملها في بيتها، فلها أن تصلي بهذا الثوب، لها أن تصلي بهذا الثوب إذا لم تتحقق النجاسة، إذا لم تعلم أن فيه نجاسة، فلها أن تصلي فيه؛ لأن الأصل الطهارة. وهكذا الحائض، يعني لها أن تصلي في الثوب الذي حاضت فيه إذا غسلته وأزالت منه أثر الحيض. والغالب كان في زمن الصحابة رضوان الله عليهم أن الواحد يلبس ثوبا واحدا، يلبس ثوبا واحدا، حتى المرأة يكون لها ثوب، فإذا حاضت فيه غسلته ثم استعملته وصلت فيه. قال: وقال أبو هريرة: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة العشاء، فلما سجد وثب الحسن والحسين على ظهره، فلما رفع رأسه أخذهما بيديه من خلفه أخذا رفيقا ووضعهما على الأرض، فإذا عاد عادا حتى قضى صلاته، رواه الإمام أحمد. وهذا أيضا مثل الذي قبله، صلى النبي عليه الصلاة والسلام صلاة العشاء، فلما سجد وثب الحسن والحسين على ظهره، يعني صعد على ظهر النبي عليه الصلاة والسلام يرتحلانه، فكان النبي عليه الصلاة والسلام يتركهما، فإذا نزل أو كاد أن ينزل أو رفع رأسه أخرجهما عليه الصلاة والسلام وسحبهما سحبا خفيفا، فإذا عاد فسجد صعد على ظهره، ومع ذلك استمر النبي عليه الصلاة والسلام في صلاته، مع كونهما مظنة ماذا أن يكون فيهما نجاسة لصغرهما وعدم التحرز من ذلك، لكن إذا لم يتقن الإنسان ذلك فإن هذا لا يضر، هذا هو المقصود من ذكر هذا الحديث. قال: وقال شداد بن الهاد عن أبيه: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو حامل الحسن أو الحسين، فوضعه ثم كبر للصلاة فصل، فسجد بين ظهراني صلاته سجدة أطالها، فلما قضى الصلاة قال: "إن ابني ارتحلني فكرهت أن أعجله"، رواه أحمد والنسائي. وهذا كذلك أيضا في هذا المعنى، وفيه أيضا الرفق بالصغار والأطفال، لما لا يركب على ظهره عليه الصلاة والسلام الحسن أو الحسين، أطال النبي صلى الله عليه وسلم السجود، وفي بعض الروايات في الصحيح، وأصل هذا الحديث في الصحيح البخاري، فرفع أحد الصحابة رأسه لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم أطال في السجود، رفع رأسه فرأى الحسن أو الحسين على ظهر النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رفع وقضى النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن ابني ارتحلني"، يعني جعلني كالراحلة، فصعد على ظهري، فكرهت أن أعجله، يعني أراد أن يقضي ما أراد من ترويح نفسه والله بذلك حتى إذا خرج أو قضى، يعني فترة من الوقت رفع النبي عليه الصلاة والسلام رأسه. وقالت عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بالليل وأنا إلى جنبه وأنا حائض وعلي مرط وعليه بعضه، رواه أبو داود. علي مرط، يعني غطاء أو كساء، وعليه بعضه، أي بعض هذا الكساء كان على بدن نبي عليه الصلاة والسلام وبعضه تتغطى به وهي حائض، وما منع ذلك النبي عليه الصلاة والسلام أن يصلي بجانبها أو كذلك أن يمسه هذا الغطاء وهو يصلي. وقالت: كنت أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم نبيت في الشعار الواحد وأنا طامث، أي حائض، فإن أصابه مني شيء غسل مكانه ولم يعده، ولم يعده، وصلى فيه، رواه أبو داود. فعائشة رضي الله عنها تخبر أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يبيت معها في الشعار الواحد، يعني في الثوب الواحد والغطاء الواحد، وهي حائض، فإذا أصابه شيء، يعني من دم الحائض، غسل عليه الصلاة والسلام مكانه ولم يعده، يعني لم يزد على ذلك، يعني يغسل المكان فقط الذي أصابه الحيض ويصلي، قالت: وصلى فيه. وهذا كله يدلنا على أن هدي النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الأمر أنه متى تحقق النجاسة أزالها، أزال النجاسة، وإن لم يتحقق فالأصل الطهارة، فالأصل هو الطهارة، سواء كان ذلك في حمل الصبيان أو كذلك أيضا في نومه مثلا مع أهله، مع كونهم قد أصابهم الحيض أو غير ذلك من الأمور التي هي مظنة حصول النجاسة، فالعبرة هو بتحقق النجاسة، وأما إن لم يتحقق فالأصل هو الطهارة، وهذا الثابت عن النبي عليه الصلاة والسلام. لا شك أنه خلاف ما عليه الموسوسون، فالموسوس يعني لا يرضى بذلك أبدا، ربما لو كان يصلي وجاء إليه يعني طفل فتمسك به أو تعلق به، ربما خرج من الصلاة وذهب وأبدل ثيابه، ويرى أن ثيابه قد تنجست وأن صلاته قد بطلت. ولا شك أن هذا خلاف هدي النبي عليه الصلاة والسلام، وخير الهدي هدي محمد عليه الصلاة والسلام. قال: فصله من ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يلبس الثياب التي نسجها المشركون ويصلي فيها؛ لأن الأصل طهرتها، الأصل أنها طاهرة إلا إذا تيقن نجاستها، فحينئذ تغسل. وأما إذا لم يتيقن فيها النجاسة فالأصل طهارة، ولو كانت من ثياب المشركين. قال: وتقدم قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهم أن ينهى عن ثياب بلغه أنها تصبغ بالبول، وقول أبيه له: ما لك أن تنهى عنها؟ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لبسها ولبست في زمانه، ولو علم الله أنها حرام لبينه لرسوله، قال: "صدقتا". قلت: وعلى قياس ذلك الجوخ، بل أولى بعدم النجاسة من هذه الثياب، فتجنبه من باب الوسواس. والله أعلم ما هو الجوخ، ينظر إن شاء الله معناه. قال: ولما قدم عمر بن الخطاب رضي الله عنه الجابية استعار ثوبا من نصراني فلبسه حتى خاطوا له في قميصه وغسلوه وتوضأ من جرة نصرانية. بل هذا أيضا ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، والحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه توضأوا من مزادة امرأة مشركة، والمزادة هي القربة الكبيرة، القربة الكبيرة التي تكون بقدر قربتين، توضأ النبي صلى الله عليه وسلم فيها وأصحابه، مع كون ذبائح المشركين محرمة وميتة، ومع ذلك استعملها النبي عليه الصلاة والسلام على أن الأصل طهارتها إذا دبغت وطهرت فإنها تطهر بذلك. قال: وصلى سلمان وأبو الدرداء رضي الله عنهما في بيت نصرانية، فقال لها أبو الدرداء: هل في بيتك مكان طاهر فنصلي فيه؟ فقالت: طهر قلوبكما ثم صلي أين أحببتما، فقال له سلمان: خذها من غير فقيه. وتقصد بذلك أن البيت طاهر، والأصل في الأرض الطهارة. فالمقصود من هذه الآثار أن النبي صلى الله عليه وسلم لبس ثياب الكفار ولبسها غيره من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، مع كونهم مظنة النجاسة؛ لأن الكفار كما نعلم لا يعني يبتعدون من النجاسات، سواء كان من البول أو غيره، ومع ذلك لبسها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وذلك كما سمعنا أن الأصل الطهارة إلا إذا تيقن وجود نجاسة فيها، فحينئذ يجب غسلها. وهكذا أيضا الصلاة في المواضع التي يكون فيها هؤلاء المشركون أو في بعض بيوتهم، إذا مثلا زار شخص أحد الكفار وأراد من هذه الزيارة دعوته إلى الإسلام أو نحو ذلك، فأراد أن يصلي، فالأصل هو طهارة الأرض، الأصل هو طهارة الأرض إلا إذا تيقن وجود نجاسة في هذا المكان، فحينئذ لا بد من إزالتها أو يبحث عن مكان آخر، لكن هذا هو الأصل، ولو كان ذلك فيما يتعلق بثياب الكفار. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.