التعليق على نظم الورقات 1

الدرس في التعليق على نظم الورقات 1، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أهمية علم أصول الفقه وفضل الإمام الشافعي

يُبرز أهمية علم أصول الفقه في استنباط الأحكام الشرعية وتفاوت المذاهب الفقهية في أصولها، ويُثني على الإمام الشافعي لدوره في تأسيس هذا العلم. كما يذكر إعجاب الإمام أحمد بن حنبل بالشافعي وتأثره به.

مقدمة الشرف العمريطي لمنظومته في أصول الفقه

يتحدث عن أهمية علم أصول الفقه ومؤلفات العلماء فيه، ويشرح مقدمة الشرف العمريطي لمنظومته حيث بدأ بحمد الله والاقتداء بكتاب الله وسنة النبي.

شرح معنى الحمد وأصول الفقه

يشرح معنى الحمد لله ويبين أنه الثناء على المحمود مع المحبة والتعظيم، ثم يتطرق إلى شرح أصول الفقه وفضل الإمام الشافعي في تأسيس هذا العلم.

تدوين قواعد المذاهب الفقهية

يذكر أن الحنفية لم يكن لديهم قواعد مدونة في البداية، وأن أول من قام بتدوينها هو الإمام التبوسي في كتابه التبصرة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد، الأمر سهل -إن شاء الله- في هذا العصر، والأهم هو أخذ هذا العلم. وأُخبر أن هذا العلم أو هذا الكتاب كفدايات العلم، وصول الفقه. وهذا العلم، وإن كان من علوم الآلة، إلا أن طالب العلم يفتقر إليه ويحتاج إليه حاجة عظيمة؛ لأن هذا العلم يصل به طالب العلم إلى مكانة يحتاجها في استنباط الأحكام، أو معرفة كيف استنبط العلماء الأحكام. وهذا يخرجه من رخاوة التقليد، وكذلك أيضًا يفتح عليه بابًا من الأبواب العظيمة؛ لأن وصول الفقه ليس فقط للفقيه الذي يحتاجه، بل يحتاج إليه المفسر، ويحتاج إليه كذلك في علم العقائد؛ لأنها -كما قلنا- استنباط للأحكام. أن تعلم طالب العلم كيف يستنبط الأحكام، وكيف يخرجها من الأدلة، فهذا العلم يربي ويعلم كيف نستنبط الحكم الشرعي من الكتاب والسنة. وهذه فائدة جليلة عظيمة يأخذها من هذا العلم. وهذا أيضًا يكفي طالب العلم أن يهتم بهذا العلم وعلم أصول الفقه، ويتزود منه، ويقبل عليه حتى يستفيد من هذا العلم. وأيضًا يستطيع أن تكون عنده ملكة في شيء من الاجتهاد. وكلما تعمق في هذا العلم، وكلما زاد اجتهاده واستنباطه. وأيضًا فيه -كما قلنا- معرفة كيف أخذ أهل المذاهب هذه الأحكام. ولا شك أن لأهل المذاهب وأئمتهم لهم أصول بنوا عليها مذاهبهم، وتختلف بعض الأصول عن بعض. تجد في مذهب الحنابلة أصول ليست موجودة في مذهب الشافعي، وفي مذهب الشافعي أصول ليست موجودة عند الحنابلة، وهكذا عند الحنفية وعند المالكية، تجد هناك أصولًا في مذاهبهم تختص بهم. وليس معنى ذلك أنها حكر عليهم، لا، إنما من كان استنباطه صحيحًا من الأدلة، وقائمًا على ما جاء من الأدلة، فاستدلاله صحيح. ولهذا تجد كثيرًا من الأصول يتفق عليها العلماء. ومن باب أولى الاستقرار، تجد أن أصول الشافعي وأصول أحمد متقاربة؛ لأن غالبًا أحمد أخذ أصوله من الشافعي. ومن نظر إلى مذهب الشافعي القديم يجد أنه أقرب أصولًا إلى مذهب مالك؛ لأنه أخذ هذا العلم أو أخذ هذه الأصول عن مالك. ثم لما ذهب إلى العراق أو ذهب إلى مصر -أقصد- اجتهد -رحمه الله- وبيّن أصولًا عظيمة كان الناس قد غابوا عنها، فألف كتاب الرسالة الذي هو أصل هذا العلم، وذكر أشياء في علم الأصول وعلم الحديث. فكان لذلك الزمن الحنفية يفتخرون بما عندهم من هذا العلم، ويفتخرون بمعرفة المسائل. وكان أهل الحديث لا يعولون على هذا العلم، وإنما يأخذون بالحديث. حتى جاء الشافعي -رحمه الله- وأخذ من الحديث ومن الكتاب والسنة، أخذ هذه الأصول، واستنبط هذه الأصول من مجموع الأدلة. ولهذا فرح أهل الحديث فرحًا جديدًا بكتاب الشافعي "الرسالة"؛ لما رأوا هذه الرسالة تعجبوا منها وفرحوا بها. حتى أن عبد الرحمن بن مهدي -رحمه الله-، أبو سعيد البصري، إمامهم في الحديث، لما قرأ هذه الرسالة أرسل إلى الشافعي أن يكتب له هذه الرسالة. وقد كان الإمام أحمد -رحمه الله- معجبًا أي إعجاب بالإمام الشافعي، حتى قال له الحميدي وإسحاق وإبراهيم وجماعة: قالوا له تترك سفيان بن عينة وتترك الحديث وتذهب إلى هذا الفتى -يريدون الشافعي-، كيف تترك جلسة سفيان في مكة وتنسى الحديث وتذهب إلى هذا الفتى وتجلس عنده؟! يجدون الشافعي -رحمه الله-. وقال لهم أحمد: لو فاتني حديث سفيان بن عينة بعلو أدركته بنزول؛ أي لو فاتني أنني لم أروِ عن سفيان مباشرة، فأصحابه كثير أروي عنهم وأخذ عنهم حديث سفيان. قال: لكن لو فاتني عقل هذا الفتى لعلي لا أجده، أو لعلي لا أجده؛ لو فاتني عقل هذا الفتى لعلي لا أجده. فلهذا جلس عنده الإمام أحمد. ثم إن إسحاق أيضًا جاء وجلس ودرس عند الشافعي -رحمه الله-. وأما الحميدي وهو من علماء مكة أيضًا، كانت له نظرة في هذا، ثم لما جلس مع الشافعي أحب الشافعي كثيرًا ولزمه، حتى إنه لما خرج الشافعي من العراق ذهب معه الحميدي إلى مصر، ثم بعد ذلك رجع إلى مكة. وهذا يدل على فضل هذا العلم، وعرف العلماء أن هذا العلم له أهمية عظيمة لا تقل عن علم الحديث؛ لأنه فيه استنباط الأحكام الشرعية. قال بعد ذلك: بعد الرسالة ألف الناس في هذا العلم، ألف الشافعية وألف الحنفية وألف الحنابلة رسائل كثيرة في هذا العلم وقواعد. ومن هذه المؤلفات "الورقات" للإمام الجويني، إن الإمام الجويني سموه الشافعية إمامًا. ولهذا تجد إذا قالوا: قال الإمام، ما يريدون به الشافعي، وإنما يريدون به الجويني. يعني إذا قرأت في كتب الشافعية تجد: وهذا قول الإمام، فقول الإمام لا يحسب أنه قول الشافعي، لا، الشافعي يقولون: رواية، وهذه رواية في المذهب، رواية: معناه قول عن الإمام، أو نص: أي نص عن الإمام نفسه. لكن إذا قالوا: وقال الإمام، فالمراد به الجويني. وهذا بعد ذلك نظم العمريطي الشرف العمريطي نظم هذا النظم، فقال -رحمه الله-: "قال الفقير الشرف العمريطي ذو العجز والتقصير والتفريط، الحمد لله الذي قد أظهر إلى علم الأصول للورى وأشهر على لسان شافعي وهونًا، فهو الذي له ابتداء دونًا". هذا عندكم: "هذا حمد لله مع سلامه، حمد لله مع سلامه". هم؟ "وحمد لله مع سلامه فهو الذي لهم ابتداء دونًا وتابعته الناس حتى سلامه". بعد "ذو وهونًا فهو الذي لهم ابتداء دونًا وتابعته الناس حتى سلامه". وتابعته الناس انظهر في بعض النسخ خطأ، بعض النسخ فيها: "هذا الحمد لله مع سلامه ثم صلاة الله مع سلامه". وهذا زادها بعض الشراح، قالوا: إنها زادت هذه الزيادة عبد الحميد قدس في شرحه "لطائف الإشارات"، فكتبها بعضهم من المنظومة وليست منها، وإنما قال: "على لسان الشافعي وهونًا فهو الذي له ابتداء دونًا وتابعته الناس حتى صار". أن "تابعته تابعت الشافعي -رحمه الله- وتابعته الناس حتى صار كتبًا صغارًا حجمًا أو كبارًا، وخير كتبه الصغار ما سمي بالورقات للإمام الحرم". وقد سئلت في نظمه مسخِّلًا لحفظه وفهمه، فلم أجد مما سئلت بدًا. وقد شرعت فيه مستمدًا ورب من ربنا التوفيق للصواب والنفع في الدارين بالكتاب. فهذا ابتداء مقدمة الناظم -رحمه الله-، فبدأ بالتسمية في بعض النسخ، وبدأ بحمد الله عز وجل على ما ذكره العلماء من البدء بالحمد. وبعد ذلك بدأ بالبسملة -أقصد-. ثم قال: "قال الفقير الشرف العمري والعجز والتقصير والتفريط". هنا قوله: "قال الفقير"، الفقير: أي المحتاج، بمعنى المحتاج إلى الله، وفقير إلى الله سبحانه وتعالى. فقال: "الفقير"، قال: هنا فعل ماضي من جهة اللفظ، لكن من جهة المعنى فهو فعل مستقبل أو مضارع، أنا كأنه يقول: "الفقير الشرف العمري". وقوله: "قال الفقير" هو اقتباس من قول الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾. وقوله هنا: "قال الشرف العمري"، هذا من باب الترغيب في كتابه بتعيين مؤلفه. وكذلك ذكر اسمه، "الشرف العمريطي" هذا هو يقال له: شرف الدين، شرف الدين العمريطي، أو العمريطي بفتح العين، تشتهر عند البعض بكسرها، لكن الصحيح بفتحها: العمريطي. "الشرف العمريطي" واسمه: يحيى بن الشيخ بدر الدين موسى ابن رمضان ابن عمير، يحيى بن الشيخ بدر الدين موسى ابن رمضان، مشهور بالعمريطي. والعمريطي تنسبه إلى بلاد "عمريط" وهي قرية أو منطقة قرب القاهرة -احنا في مصر-. وتوفي هذا العمريطي سنة تسعمائة وتسع وتسعين. فقال -رحمه الله-: "ذو العجز والتقصير والتفريط"، "ذو العجز": معنى "ذو" هنا: صاحب، وهو معلوم أنها من الأسماء الستة. "ذو العجز": عدم القدرة، ومعلوم أن الإنسان من طبعه العجز، ومن صفات العجز. والعجز والكسل، وإن كان كلاهما عدم القدرة، لكن العجز عدم القدرة لعدم الفعل، وأما الكسل فهو ترك الفعل مع القدرة. "كل شيء بقدر" حتى العجز والكسل. "والتقصير" أيضًا هو عدم إكمال الشيء على الوجه الحسن، وغالبًا أيضًا في فعل الإنسان التقصير. وإن كان الذي يمضي على المسلم خاصة في الأعمال الصالحة أن يجتهد بقدر الإمكان من عمل عملًا فليحسنه وليتقنه. ثم قال: "الحمد لله الذي قد أظهر"، أنا بدأ بالحمد لله، وهذا اقتداء بكتاب الله عز وجل؛ أنه بدأ بالحمد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. وأيضًا اقتداء بسنة النبي صلى الله عليه وسلم في كتاباته وفي خطبه عليه الصلاة والسلام. "والحمد لله"، والحمد -كما هو معروف- وصف المحمود بالكمال، أو الثناء على المحمود بصفات الكمال، من المحبة والتعظيم؛ لأنه انخلع من المحبة والتعظيم صار مدحًا لا حمدًا، صار مدحًا لا حمدًا. فالحمد هو الثناء على المحمود مع المحبة والتعظيم، أنا وصف المحمود بصفات الكمال مع محبة وتعظيم. وبعض العلماء قال: "الأخضر" أن يقال: وصف المحمود، وليس الثناء على الله، وإكله من متقارب. أنا وصف المحمود بالكمال محبة وتعظيم. قال: "الحمد لله الذي قد أظهر"، "الذي" هذا هنا نعت لفظ الجلال، وصف لفظ الجلال. "الحمد لله الذي قد أظهر"، "قد" هنا للتحقيق، يعني شيء محقق. "قد أظهر"، وأظهر: فعل ما أظهر مبني على الفتح، بمعنى أوجد وأخرج. وفاعله ضمير مستتر يعود على الله، يعني الرب سبحانه وتعالى. "أظهر" الله عز وجل "علم الأصول"، علم الأصول أظهره الله سبحانه وتعالى في الملأ، وعلم علماء هذا العلم. فالمراد به علم أصول الفقه؛ لأن علم الأصول ممكن يكون علم أصول الحديث، علم أصول اللغة. فهذا علم أصول الفقه عن المسائل الفقهية العملية. وسيأتي -إن شاء الله تعالى- في تعريفه. ومن عادة العلماء أنه يسمون هناك شيء براعة الاستهلال، وبراعة الاستهلال هذه المرادة تضمين المقدمة تضمين المقدمة ما يكون في ما أو ما سيتكلم عليه أو ما سيخطبه. "فأظهر للورى"، الورى هنا: الخلق، أنا كل الخلق أو بعضًا من الخلق. وأراد أن يذكر أصول الفقه في المقدمة؛ وأن الذي ابتدأ به الإمام الشافعي. والأصل أن هذا العلم يستفيد منه العلماء وطلبة العلم، ليس كل الناس. ولهذا فهذا من إطلاق العام الذي يراد به الخصوص، إطلاق العام الذي يراد به الخصوص. أنا هذا عام، هذه معنى الكلمة عامة "الورى" أي الخلق، لكن أراد بهم أناس خاصون، وهم العلماء وطلبة العلم. وهذا معروف في لغة العرب، أو في لغة العرب، وكذلك أيضًا في القرآن والسنة. أنا يذكر مثلًا العام ويراد به الخصوص، هناك عام يراد به الخصوص وعام مخصوص. فمثلًا قول العز وجل: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾، ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا. "قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم" هنا المتكلم هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكر الله عز وجل أنه "الناس"، فأراد به الواحد، وهو رسول الله أو الصحابة. فهذا من باب لفظ العام الذي يراد به الخصوص. وقوله: "أشهر" بمعنى نشر، "أشهر" بمعنى أظهر، "شهره" ونشره. "أشهر" هذا العلم ونشره بين الناس. أنا "أشهر هذا العلم رسول الفقه على لسان الشافعي"، "على لسان" هنا جار ومجرور متعلق بقوله: "أشهر"، أي أشهر على لسان، أشهره بلسان الشافعي. أي الشافعي هو الذي نشر هذا العلم. والشافعي معروف، هو الإمام العلم الجهبذ محمد بن إدريس، هذا المطلبي الشافعي -رحمه الله-، الإمام المشهور، صاحب المذهب المعلوم. وكان غاية في الذكاء والعلم، وولد -رحمه الله- في سنة خمسين ومائة للهجرة، وتوفي سنة أربع ومائتين، أن توفي وهو ابن أربع وخمسين سنة. وحصل -بحمد الله- علمًا عظيمًا. ومات أبوه وهو صغير، لكن أعانته أمه. وكان أولد في فلسطين، ثم إن أمه لما رأت أنه يتيمًا وليس هناك من أهل أبيه أحدًا، فرحلت به إلى مكة، عند أهل أبيه. أن كانت هذه أمه فلسطينية، لكن أباه كان من أهل مكة مطلب. فرحلت به إلى ذلك المكان، وأعانهم الله. كانت تحثه على طلب العلم حتى أصبح إمامًا -رحمه الله-. وقوله: "على لسان الشافعي وهونًا"، "وهون" معنى سهل، هذا العلم سهلًا هينًا على لسان الشافعي. "وهون" وممكن يراد به أن الشافعي هو الذي سهل، أو أن الله عز وجل سهله على لسان الشافعي، أو أن المراد أن الله عز وجل سهل هذا العلم فنشره بين الناس وتكلم به عن العلم. "وهون فهو الذي له ابتداء دونًا". أنا هذا أنه الشافعي -رحمه الله- هو أول من دون هذا العلم. أنا فيقال أن الشافعي هو واضع علم أصول الفقه، وأول من ألف فيه. وهذا مجمع عليه العلماء، لكن الأحناف لم يرتضوا هذا، قالوا: أن أول من ألف فيه حنفي. وهذا ليس صحيحًا، صحيح أنه كانت الحنفية لهم بعض القواعد يمشون عليها، لكنها أشياء ليست قواعد مدونة. وإنما أول من دون من الحنفية هو الإمام التبوسي، ألف "التبصرة" التبوسي ألف قواعد.