الدرس في شرح الأصول الستة 10، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول أهمية الاجتماع في الدين والتحذير من التفرق، مستشهدا بالأدلة من القرآن والسنة. يبين أن التفرق مذموم سواء كان في الدين أو الدنيا.
يتناول خطورة التفرق والاختلاف بين المسلمين، ويحذر من عواقبه الوخيمة في الدنيا والآخرة. يجب على المسلمين البحث عن سبل الوحدة والاجتماع.
يناقش مفهوم الاجتماع والافتراق في الإسلام، ويشير إلى أن الشرع أمر بالاجتماع على الكتاب والسنة. التفرق مذموم إذا كان على خلاف الكتاب والسنة.
يذكر أهمية معرفة مراتب الاختلاف وصوره وأحكامه، ويشير إلى أنها ستتناول في الدرس القادم. يختم بالدعاء والصلاة على النبي.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. فلازلنا يا إخواني في الله في هذه الرسالة المسماة والمعنونة بالأصول الستة، وانتهينا من الأصل الأول وعرجنا على الأصل الثاني، والذي ابتدأ المؤلف رحمه الله تعالى بقوله: الأصل الثاني أمر الله جل وعلا بالاجتماع في الدين ونهى عن التفرق فيه. أو تعالى بمسائل عامة متعلقة بهذه المسألة، وهي الأمر بالاجتماع والنهي عن التفرق، وذكرنا يا إخواني في الله الأدلة الكثيرة المتكاثرة المستفيضة الدالة على هذا المبدأ، أن الدين يدعو إلى الاجتماع وينهى عن التفرق وعن التشتت وعن التمزق. وهنا يا إخواني في الأمسية السريعة ننبه عليها متعلقة بهذه الفقرة، فمما يستفاد من عبارة المؤلف رحمه الله تعالى الأمور التالية: الأمر الأول فيه أهمية الاجتماع، أهمية الاجتماع، فإن دين الله جل وعلا يدعو إلى الاجتماع، يدعو إلى التوحد، يدعو إلى جعل المؤمنين على قلب رجل واحد. كأنه ﴿واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين﴾، وذكرنا الأدلة المتكاثرة في هذا الباب، وقلنا أن أهل السنة والجماعة من أشد الناس تمسكا بهذا الأصل، فهم يدعون بكل قوة ويحرصون وبكل شدة على جعل الناس أمة واحدة كما أمر ربنا جل وعلا. وقلنا: وهذا يلاحظ حتى في مسماهم، فإن أهل السنة والجماعة هم الذين فقط تسموا بهذا الاسم، أهل السنة والجماعة جعلوا هذا المبدأ وهذه الركيزة مسمى يتسمون به، حتى يعرف القاصي والداني أن هذه الفرقة هي الفرقة الحق، وأن من أولى اهتماماتها ومن أشد مسائلها الاهتمام بجماعة المسلمين وبوحدة المسلمين. وأخواني في الله، لا شك ولا ريب أن الأمة مع اختلاف اللهجات واختلاف العادات، إلا أن لها الكثير والكثير من الروابط التي تربط المسلم ولو كان في شرق الدنيا ولو كان في غربها، تربطهم هذه الروابط، فربنا واحد وشريعتنا واحدة وقرآننا واحد ونبينا واحد. فهذه الروابط والركائز لربما أن بعض الأمم وبعض القارات وبعض الجماعات والمجتمعات عندها دون هذه الروابط، ومع ذلك التحمت واجتمعت، فما ظنك يا عبد الله بهذه الروابط العظيمة التي يجدر بالمسلم أن يفتخر بها، وأن يجعلها عرى تلاقي وتواصل مع باقي المسلمين. فديننا إخواني في الله يدعو إلى الاجتماع ويدعو إلى التوحد، ويدعو كذلك إلى وحدة الصف وإلى وحدة الكلمة، والأمر الثاني كذلك مما يستفاد من عبارة المؤلف رحمه الله تعالى التحذير من التفرق، كما في قوله: أمر الله بالاجتماع في الدين ونهى عن التفرق فيه، فالتفرق مذموم والتفرق غير مرغوب وغير محمود. بل زد على ذلك أن التفرق إخواني في الله يعتبر معصية من المعاصي وذنب من الذنوب، ذنب من الذنوب التي إذا لاقى العبد بها ربه جل وعلا فإنه يجازيه على هذه العقيدة الفاسدة، وهو أن يرى أن تفرق المسلمين أمر محمود، أدلة كثيرة فيها نهي نبينا عليه الصلاة والسلام عن التفرق. بل هكذا ربنا جل وعلا نهى عن التفرق وعدم تشتيت وحدة المسلمين وعدم تشتيت كذلك لكلمة المسلمين، وكذلك مما يستفاد هذا قد مر معنا، لكن من باب التنبيه على هذه المسائل، المسألة الثالثة مما ينبَّه عليها أن التفرق مذموم سواء كان في الدين أو كان في الدنيا، التفرق مذموم سواء كان هذا التفرق في دين الناس أو كان هذا التفرق حتى في الدنيا. فبعض الناس إخواني، فإنه ربما من أجل الدنيا هذه مصيبة وهذه بلية، لكن التفرق من أجل الدنيا فلا بأس به، لا يا عبد الله، من قال بهذا التفرق في الدين والتفرق في الدنيا كل ذلك مذموم، كل ذلك مذموم. أما التفرُّق في الدين، وهذا سيأتينا بإذن الله، فقد ذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى أن التفرُّق في الدين ما يرد يرجع إلى أمرين اثنين، التفرُّق في الدين يرجع إلى أمرين اثنين، إلى الظلم وإلى الجهل، الظلم والجهل، ولهذا تجد أن من وصف القرآن للإنسان بأنه ماذا؟ بأنه كان ظلوماً جهولاً، ظلوماً جهولاً. هذه المبادئ الموجودة في الإنسان هي التي جعلته ماذا يبغي، ومن بغياه أنه ماذا خرج عن الدين الذي أمر الله جل وعلا بالاجتماع فيه، فالتفرُّق في الدين مذموم، وهكذا التفرُّق في الدنيا كذلك مذموم، الاختلاف على الأموال، الاختلاف على العقارات، الاختلاف على النساء، الاختلاف على حظ من حظوظ الدنيا، على عرض من أعراض الدنيا، هذا كذلك مذموم. أخواني في الله، قد نبهنا في حديث ماضي على أن صورة التفرق، شكل التفرق، ولو لم يكن على شيء، يعني مربط حديث أبي ثعلبة الخوشني، نبينا عليه الصلاة والسلام لما رأى الصحابة وقد نزلوا واديا فتناثر الناس، وهذا بديهي تناثر الناس، هذا تحت ظل، وذاك تحت شجرة، وتحت عند حجر، وآخر استند على صخرة، تفرق الناس في الوديان. ليس هذا التفرق عن بغضاء أو هذا التفرق عن شحناء، إنما تفرق بيديه، كل يذهب ويستريح في مكانه، فلما رأى نبينا هذه الصورة قال عليه الصلاة والسلام: «إن تفرقكم هذا لمن الشيطان، إن تفرقكم هذا لمن الشيطان»، قال الراوي: فكنا نجتمع، كنا نجتمع، حتى لو أن رداءا وقع علينا لشملنا الرداء يجمعهم كلهم، ما اختلفوا ولا تفرقوا، مع أن التفرق والصحابة في هذا المقام ما كان لشحناء، ما كان لبغضاء، إنما تفرق لكل واحد أراد أن يستريح في مكانه. لكن لما رأى نبينا هذا المنظر الذي فيه نوع التفرق، ذم هذه الصورة، فإذا كان كذلك يا عبد الله، فلنعلم أن التفرق بأي صورة، تفرق في الدين أو حتى تفرق في الدنيا، ووقوع الشحناء والبغضاء والتفرق والتشتت والهجران بين المسلمين، هذه من أعظم المحرمات التي حرمها الشرع. قال عليه الصلاة والسلام: «من هجر أخاه سنة فهو كسفك دمه»، الواحد منا لربما يستعظم إذا قيل له هذا جارك الذي بينك وبينه مشاكل، أو ذاك زميل، أو ذاك صاحب، أو ذاك من إخوان المسلمين بينك وبينه مشاكل، لو قيل لك: خذ هذا المسدس واطلق النار عليه حتى ترتاح من شره، لا أقول أعوذ بالله ما يصبه الحال، أقتل مسلما على مشاكل، لا والله. لكن مقابل هذا في باب الهجران تمتد به السنوات، تمتد به السنون، يهجر السنة والسنتين والثلاث والأربع والخمس، رأينا هذا وسمعنا هذا وعاصرنا هذا من كثير من المجتمعات المسلمين، لا يقول غريب أو صديق، بل من أقاربه ومن أرحامه، من يهجر أباه، من يهجر أخاه، من يهجر من ذوي أرحامه السنة والسنتين والثلاث والأربع. قال عليه الصلاة والسلام: «من هجر أخاه سنة فهو كسفك دمه»، كأنك تأخذ وزر قتل النفس، لماذا؟ لأن الشرع أراد أن يبين أن ذنبها من أعظم الذنوب، وكذلك ما جاء في صحيح مسلم أن العبد يوم القيامة مهما عمل من أعمال، فإن أعماله الصالحة تبقى معلقة بين السماء والأرض، لا يقبل الله جل وعلا عمل المتخاصمين. لا يقبل الله جل وعلا عمل المتخاصمين، كما جاء في صحيح مسلم: «إن الله يقبل لكل عبد لا يشرك بالله شيئا إلا بين رجلين بينهما شحناء، إلا بين رجلين بينهما شحناء، فيقال: انظروا هذين حتى يصطلحا، انظروا هذين حتى يصطلحا»، انظروا بمعنى انتظروا، فهو تبقى معلقة بين السماء والأرض، مهما صلى، مهما صام، مهما تصدق على المسلمين. أنها تأتي بالضعف وتأتي بالهزيمة وتأتي بالمذلة والعار، فانظروا إلى أحوال المسلمين في سلفنا الصالح، كيف كانوا؟ وانظروا إلى أحوالنا، ما هو السر في ذلك يا عبد الله؟ وحدة الصف، لما كان الناس وكان المسلمون على قلب رجل واحد، وبينهم مودة مع إخوانهم، النصر والمناصرة، كان ذلك دليل على وحدة قلوبهم، فأنزل الله جل وعلا عليهم السكينة، ومن ثم جاءهم النصر من عند الله جل وعلا. لكن لما اختلفنا وتمزقنا وأصبحنا قطعا وأحزابا ودولا، وأصبحنا كل في بقعة، فضعفت قوتنا وأصبحنا كذلك مذلة عند غيرنا، ومع هذا الضعف ومع هذا الهوان نسمع ولازلنا من يريد ومن يبغي في أراضي المسلمين أن تقسم أكثر فأكثر، وهذه البلية نحن على ضعف، وأولئك يقولون: ماذا؟ أن نزداد ضعفا على ضعف، أن نزداد ضعفا على ضعف. بينما الدول الكافرة بالمقابل، وانظر في واقعنا المعاصر، الدول الكافرة مع كفرهم، إلى جانب هذه المآسي والمخازي، إلا أنهم يوما بعد يوم يبحثون عن سبل الوحدة، الاتحاد الأوروبي ما يتعلق بدول كافرة، دول إسكندنافية، دول كافرة، ومع ذلك تحاول تبحث عن وسائل حتى تتحد حتى تجتمع، وهم على كفرهم. ونحن أهل الإسلام مع هذه الروابط العظيمة نبحث عن طرق الانفصال وطرق كذلك التشتت والتفرق، وهذا ليس من أقوال العقلاء، ومن تفطن لأدلة الشرع يرى أن الكتاب والسنة يحثان ويحثان على الاجتماع وعلى الانضمام وعلى التوحد. وكذا إخواني في الله، مما يذكر في مسائل الاختلاف، ينبغي أن تكون في البال أن نعلم أن التفرق وإن كان مذموما إلا أنه واقع، التفرق واقع والاختلاف واقع، وهذا مما أذن به وأمر به ربنا جل وعلا، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون، مختلفين﴾. كما قال عكرمة وجماعة من السلف في معنى هذه الآية: أن الناس اختلفوا في الهدى، اختلفوا في الهدى وفي الضلال، فمنهم الكافر ومنهم المؤمن، ومنهم الفاسق ومنهم البر، ومنهم اليهودي ومنهم النصراني، الاختلاف في العقائد، الاختلاف في الأديان، الاختلاف في المناهج، الاختلاف في الأفكار، هذا الاختلاف موجود. ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة، كل ذلك تحت مشيئة الله، لكن لحكمة، لحكمة أراد الله سبحانه وتعالى في هذه المعمورة، وأراد في عباده أن يجعل الاختلاف والتفرق بينهم، ولا يزالون مختلفين، وأدلة السنة واضحة الدلالة على هذا الباب. فمن ذلك ما جاء في حديث التفرق، قال عليه الصلاة والسلام: «وستفترق بعدما أخبر عن تفرق اليهود وأخبر عن تفرق النصارى، قال: وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة»، فالتفرق واقع، وأيضا ما يؤيد ما جاء في صحيح مسلم، نبينا عليه الصلاة والسلام قال: «دعوت ربي أو سألت ربي بثلاث، أي ثالث دعوات، فأعطاني اثنتين ومنعني الواحدة»، سألت ربي جل وعلا أن لا يهلك أمتي بالسنة، أي بالقحط والجدب والجفاف، أن لا يهلك أمتي بالسنة، فأعطانيها. «وأن لا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها، وسألت أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها»، أي أن هذا واقع حاصل، وأن هذا واقع من الاختلاف، بل إن الاختلاف يصل إلى ذروته، حتى أن أهل الإسلام يرفع السلاح بعضهم على بعض، وجاء كذلك ما يؤيده من حديث ثوبان بهذا المعنى. فهذا ماذا يدلنا إذا علمنا إخواني في الله أن التفرق والاختلاف موجود، فهذا يجرنا إلى أن الواحد منا لا ينشغل، لا ينشغل بهذه الاختلافات الموجودة، أو ما يسمى بالتباكي، أتجد بعض الناس وبعض الدعاة لهم يتباكى ليل نهار على التفرق، على التشتت، يتباكى ويتباكى، لما هذا التفرق؟ نقول: نعم، لكن ليس هذا هو الأصل، لأن هذا واقع، واقع. إذن إذا كان هذا شيء أمر حاصل، فينبغي أن الجهود تذهب إلى شيء آخر، وهو كيف نخرج من الاختلاف؟ كيف نخرج من هذا التفرق؟ ما هو الحل؟ ما هو الحل لهذا التفرق الحاصل؟ هذا هنا، هنا المكمن، أن الجهود، جهود الدعاة، الجماعات، الناس العقلاء، أهل الفطن، أن جهودهم تذهب إلى هذا المصب، لأنهم ينشغلون، يتباكون من وجود التفرق، التفرق حاصل، حاصل، بدءا من الكتاب والسنة. لكن إذا كان هذا حاصل، فلن تذهب الأيام علينا والسنوات علينا على هذا التباكي، وإنما ننتقل يا عبد الله إلى مسألة أعظم من ذلك، وهي ما بعد التفرق، كيف الحل؟ ما هو المخرج؟ ما هو المخلص؟ كيف نحاول أن نذهب بهذه الصور من التفرق ونجعل الناس على أمة واحدة؟ وهذا هنا تأتينا مسألة خامسة في هذا الباب، وهي: مع أن التفرق مذموم، لكن أحيانا جاء الشرع بمدح التفرق. جاء الشرع أحيانا بمدح التفرق، ويدلنا على هذه المسألة ما جاء كما في الصحيح: أن من صفات نبينا عليه الصلاة والسلام أنه «فرق بين الناس»، فهذا إن كان صورة من صور التفرق والفرقة، لكن مما يحمد، فهذا يجرنا إلى مسألة أعظم، وهي: عندما ننادي بالجماعة وندعو إلى الاجتماع ونحض الناس على الاجتماع، بقيت مسألة، وهي: هذا الاجتماع على ماذا؟ على ماذا؟ وعندما نحذر من الفرقة ونحذر من الاختلاف، الاختلاف على ماذا الذي يحذر منه؟ فإخواني في الله، فهذه المسألة مما قد يتفق الناس على الصورة الأولى، على أهمية الاجتماع والنهي عن التفرق، لكن يختلفون ما بعد ذلك، وهو على ماذا الاجتماع؟ وهو المحمود على ماذا يكون؟ والافتراق المذموم على ماذا يكون؟ فتجد أن بعض الناس ينادي بالاتحاد، ينادي بالجماعة على ماذا؟ يقول: على لا شيء، نجمع، نجتمع على ماذا؟ قد نجتمع، هذا ما يسمى بالوحدة العالمية، تجد بعض الناس مما يسمون بأصحاب التعاطف والتسامح الدولي والعالمي ينادون بوحدة البشر، الكل ماذا؟ أنت بشر، نتحد جميعا، بغض النظر عن الدين، بغض النظر عن العقيدة، بغض النظر عن حتى ما تعتقد بربك، الحادي مع الشيوعي مع الكافر مع الزنديق مع المرتد، هذه وحدة، نتفق، الاجتماع محمود، هل يقول بهذا؟ هل يقول بهذا العاقل؟ هل الاجتماع هو غاية بذاته؟ لا يا عبد الله، يا أخي، الاجتماع يكون على شيء، بعض الناس يدعو إلى الاجتماع، لكن على مصالح دنيوية، على مصالح دنيوية، نجتمع مع هذا ومع هذا، لماذا؟ لأن وراء ذلك مال، ومن هنا يأتي التفرق إن لم يكن في الاجتماع مصلحة، هذه من صور التجمع التي نراها في هذا الأزمان. أبواب، أبواب، بعضنا سينادي بالجماعة، بالوحدة والاتفاق متى؟ إذا كان من هذا الاجتماع والتجمع مال وأرزاق ورغد في العيش وترف في المعيشة، ننادي به، فإن وجدوا أن هذا التجمع ما فيه هذه الرغبات، ما فيه هذه الملذات، بالعكس، وجدوا أن هذا التجمع أتى لهم بالفقر وبالضنك، بغلاء المعيشة، وبالشدة في المؤونة، يقول: لا، لا، الانفصال أحسن، الانفصال أحسن، التفرق، التشتت، الاختلاف بيننا وبين إخواننا هذا أفضل. لماذا؟ لأن هؤلاء سعوا إلى الاجتماع على الدنيا، ومن ثم رأوا التفرق على الدنيا، فهل هذا صحيح؟ لا يا عبد الله، من تأمل الكتاب والسنة يجد أن الشرع أمر بالاجتماع، نعم، لكن على الكتاب والسنة، هذا هو الضابط الذي ينبغي أن يكون، بأي شيء نجتمع؟ على الكتاب والسنة، ونفترق كذلك على الكتاب والسنة، الكتاب والسنة هو المقياس، وهو الرابط، وهو الجامع للأديان والملل والأشخاص والذوات. نجتمع على الكتاب والسنة، قال ربنا جل وعلا: ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول﴾، تنازعنا، اختلفنا، ما الذي يربط بيننا؟ البشرية، لا، الدنيا، لا، يربط بيننا الكتاب والسنة، إلى الله والرسول، وأدلة كثيرة تؤيد هذا المعنى، على أن اجتماع الناس ينبغي أن يكون على دين الله. قال جل في علا: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا﴾، بماذا نعتصم؟ على الدنيا؟ على دويلات؟ نعتصم على مبادئ؟ على أفكار؟ على مذاهب؟ على ما نفتقر؟ نتفق ونعتصم جميعا بحبل الله، وقد فسر حبل الله عند كثير من المفسرين بالكتاب والسنة، نجتمع، هذه وحدة الجماعة، نجتمع ونأمر الناس جميعا بأن يجتمعوا، لا لذواتنا، ولا لأشخاصنا، ولا إلى ملذاتنا، ولا إلى دنيانا، نجتمع جميعا حتى نلتزم تحت الكتاب والسنة، هي الجامعة التي تجمع. فمن اجتمع معنا على كتاب الله وسنة رسوله فهذا الذي نطالبه، أما من أراد أن يخرج فليخرج، وهذه المفارقة حين تكون مفارقة محمودة، وهذا سيأتينا إن شاء الله في حينها، ودلائل كثيرة إخواني في الله تدل على ذلك، قال نبينا عليه الصلاة والسلام: «فإن من سيعيش منكم فسيرى اختلافا كثيرا، فما هو المخلص؟ الرجوع إلى الكتاب والسنة»، قال عليه الصلاة والسلام: «فإن من سيعيش منكم فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ». وهكذا ما جاء عند الحاكم، وبغيره في السنن، من حديث العرباض بن سارية، نبينا عليه الصلاة والسلام لما خط خطا طويلا، ثم خط خطوطا متعرجة عن يمين هذا الخط، وعن شمال هذا الخط، ما الذي قال نبينا عليه الصلاة والسلام؟ قال: «هذا صراط الله»، ثم قال: «وهذه سبل، الذي عن يمينه وعن يساره»، قال: «وهذه سبل، ما من سبيل إلا وعليه شيطان»، ثم تلا قول ربنا جل وعلا: ﴿وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله﴾. فأمر ربنا، ونبينا كذلك في هذه الآية، وقال نبي الله في هذا الحديث: على أن هذا الصراط المستقيم الذي يتبع، بهذا تجتمع الآراء، وتجتمع الأشخاص، وتجتمع المبادئ والنظريات والأفكار، تجتمع على هذا الصراط المستقيم، وهو الكتاب والسنة، وأما ما عدا هذا الصراط، فهو باب من أبواب التفرق. هذه إخواني في الله مسائل سريعة متعلقة بهذا الأصل، وسنأتي بمسائل كذلك متعلقة بهذا الأصل، وهو أنواع الاختلاف، فإن الاختلاف إخواني في الله كذلك له مراتب، وله صور، وله أحكام، يذكر إن شاء الله في الدرس القادم. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.