الدرس في شرح العقيدة الواسطية 10، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول شرح كلام شيخ الإسلام حول آية الكرسي وفضلها، ويستدل على عظمتها بالأحاديث النبوية. كما يبين أن القرآن يتفاضل في الفضل والأجر.
يفسر معنى آية الكرسي ودلالات أسماء الله الحسنى فيها مثل 'الحي القيوم'، ويشرح مفهوم الشفاعة والعلم الإلهي، مبينا عظمة الآية.
يتناول صفات الله تعالى، خاصة علمه الكامل وعلوّه، ويشمل علمه كل شيء، ويبين أن الإنسان لا يعلم شيئا إلا بما علمه الله، ويتطرق إلى تفسير الكرسي وعظمة الله.
طيب، بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه، أما بعد، كان حديثنا بالأمس فيما ذكره شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في الواسطية، في قوله: «وقد دخل في هذه الجملة ما وصف الله به نفسه من سورة الإخلاص التي تعدل ثلث القرآن، حيث يقول: ﴿قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد﴾». وأشرنا في المبحث السابق في درس أمس ما يتعلق بهذه العبارة، في معنى الوصف، وما يتعلق بمعنى السورة، ولماذا سميت الإخلاص بهذا الاسم، وما معنى ثلث القرآن، وما الذي يدل على أن سورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن، وما معنى هذه الكلمات الآية، ما معنى الأحد، ما معنى الصمد، وما معنى «لم يكن له كفوا أحد». وذكرنا كذلك شيئا من فضائل هذه السورة. ثم قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «ولا يزال في معرض كلامه على الأدلة الدالة على منهج الأسماء والصفات، وأنه يقوم على النفي والإثبات». قال: «وقوله وما وصف به نفسه في أعظم آية في كتابه، حيث يقول: ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم﴾ الآية». لازال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى يستدلنا بالآيات القرآنية على هذا المنهج، منهج الأسماء والصفات، وأنه يقوم على النفي والإثبات، فذكر ما جاء في آية الكرسي، معبرا عنها قال: «في أعظم آية في كتابه». وعبارة «أعظم آية» تفيدنا فائدتين، الفائدة الأولى: أولا، على أن آية الكرسي تعتبر من أعظم آية القرآن. والدليل على ذلك ما جاء في صحيح مسلم، عن أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه: «أن النبي سأله أي آية في كتاب الله أعظم؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال: الله ورسوله أعلم، فرددها مرارا». أي: النبي يكرر هذا السؤال، يكرر هذا السؤال، «فقال أبي: آية الكرسي». فوضع النبي صلى الله عليه وسلم يده على كتفه، أي: على كتف أبي، «فوضع النبي يده على كتفه وقال: ليهنك العلم أبي المنذر». أي: هنيئا لك العلم، هنيئا لك العلم. الشاهد أن النبي أقر أبيا في إجابته، عندما ذكر أن آية الكرسي هي أعظم آية في كتاب الله. وجاءت زيادة عند الإمام أحمد: «قال النبي بعدما قال: يهنك العلم أبي المنذر، والذي نفسي بيده، إن لها لسانا وشفتين، والذي نفسي بيده، إن لها لسانا وشفتين تقدسان الملك عند ساق العرش». هذه الزيادة ذكر شيخ الألباني رحمه الله تعالى في الصحيحة. ومما يدل على عظمتها ما جاء عند النسائي من حديث أبي أمامة الباهلي، قال عليه الصلاة والسلام: «من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة، لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت». وهذا الحديث أورده شيخنا مقبل رحمه الله تعالى في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين. ولهذا تعد آية الكرسي من الأذكار بعد الصلاة، أنك تأتي بآية الكرسي، ففضلها عظيم. وسيأتي معنى كذلك من كلام شيخ الإسلام: «أن من قرأها عند نومه لا يقربه الشيطان». كما في حديث أبي هريرة في قصته مع الشيطان. تعلمون هذه القصة عندما أمر نبينا أبا هريرة على بيت المال لكي يقوم على حراسته، فما شعر أبو هريرة إلا بصوت رجل داخل البيت يأكل من أموال الصدقة، فدخل فإذا برجل يأكل، أخذه بيده، قال: أرفع عنك إلى رسول الله، فتبرع وشك وسأل أن يفرج عنه، فتركه أبو هريرة، ثم الثانية، ثم الثالثة، أي: تكرر هذا الفعل من الرجل يدخل على بيت المال ويأكل من أموال الصدقة. ففي المرة الثالثة غضب أبو هريرة من هذا الرجل، كيف أنه يوعد ويخلف، قال: أرفع عنك يا رسول الله، فحينها قال هذا الرجل: «لو أعلمك شيئا إذا أتيت به إذا أويت إلى فراشك لا يقربك الشيطان حتى تصبح». قال: «ما هو؟ قال: آية الكرسي، تقرأ آية الكرسي». فتركه أبو هريرة على هذه الفائدة العظيمة، فلما أصبح أخبر أبو هريرة رسول الله بخبر الرجل، قال: «صادقك وهو كذوب، أتدري من كان؟ قال: ذلك الشيطان». هذا الرجل تقبب على هذا الشيطان بنفسه، أتاك على صورة رجل، وأنه لما هددته بأن يرفع إلى رسول الله أعطاك أعظم خرز، آية الكرسي. فمن أتى بآية الكرسي يحرز من الشيطان، فهذا يدل على عظمة هذه السورة. الشاهد أن هذه الفائدة الأولى، الفائدة الثانية من كلام شيخ الإسلام في قوله: «في أعظم آية في كتابه»، في إشارة على أن آيات القرآن تتفاضل، فدل هذا الوصف على أن آية الكرسي أعظم آية، على أن أعظم من غيرها، فهناك عظيم، وهناك أعظم. دل هذا على أن آية القرآن تتفاوت في الفضل، وتتفاوت في الأجر. وهذه مسألة، نعم، وقع فيها خلاف حول التفاوت بين آية القرآن وبين سور القرآن. فقد ذهب جماعة إلى أن القرآن ما يتفاضل، بل كله سواء، لأنه كل من عند الله، فكله أعظيم. وقد ذهب إلى هذا أبو الحسن الأشعري والباقلاني، وجماعة. لكن الصحيح، والذي عليه جماهير العلماء من أهل السنة: أن القرآن يتفاضل. نعم، هنا القرآن عظيم، وهناك ما هو أعظم، فيما بينه السورة عظيمة، لكن هذه السورة أعظم من هذه السورة، آيات القرآن عظيمة، لكن هذه الآية أعظم من هذه الآية. يوجد هذا الذي يقرره العلماء. لهذا قال القرطبي رحمه الله: «إنه الحق الذي عليه جماعة من العلماء والمتكلمين». ومما يدل على صحة هذه المسألة هذا الحديث الذي بين أيدينا: «ألا أعلمك أعظم آية في كتاب الله؟». ويؤيد هذا المعنى كذلك ما جاء في البخاري: «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأحد الصحابة: ألا أعلمك سورة هي أعظم؟ وما هي الفاتحة». هذا جاء في البخاري، الفاتحة تعتبر من أعظم سور القرآن. فتجد أن هناك من السور فيها تفاضل. ودائما العلماء في باب علوم القرآن في هذا المقام يمثلون ويقارنون بين سورة الإخلاص وسورة المسد، أيهما أعتماع. قالوا: الإخلاص أعظم. سورة الإخلاص ثلث القرآن، ويكلمها خبر عن الله. أما سورة المسد تتكلم عن ماذا؟ عن عدو من أعداء الدين. فلما يقارنون في هذه المسألة يقولون: سورة الإخلاص أعظم من سورة المسد. فالصحيح في هذه المسألة: الذي عليه أهل العلم، على أن القرآن يتفاضل. لكن تنبيه على مسألة: إذا كان هذا التفاضل بين آي القرآن يؤدي إلى تنقص، فلا يجوز. إذا كان هذا التفاضل يؤدي إلى تنقص، فلا يجوز. يعني: تقول: أن هذه الآية أفضل، والسورة تقول: دعها، دعها، دعها. يعني: إذا وصل الحال بالإنسان أنه ماذا يعني يهون من بعض آي القرآن على حساب أن يعظم، لا، هذا لا يجوز. لا تفضل حينها بين آي القرآن، لا تفضل إذا وصل بك الأمر إلى الإزدراء أو الاستخفاف، إلى التنقص، هذا لا يجوز. فإذا قول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «قول: ما وصف به نفسه في أعظم آية في كتاب الله». طب، وما معنى آية؟ مرة معنى. ما معنى السورة؟ سورة الإخلاص عرفنا ما معنى السورة، وهي الطائفة المترجمة. طب، ما معنى الآية؟ الآية القرآنية. قال العلماء: آية هي الطائفة من كلمات القرآن، متميزة بفصل. طائفة من كلمات القرآن متميزة بفصل. هذه الآية: ﴿قل هو الله أحد﴾ هذه آية، لماذا آية؟ سميت؛ لأنها عبارة عن طائفة من كلمات القرآنية متميزة بفصل، الفصل بمعنى فاصلة. فاصلة، هذه آية: ﴿قل هو الله أحد﴾. فاصلة، إذن هذه آية. وهكذا فكل طائفة من كلمات القرآن قد تميزت بفصل تسمى آية. ولماذا سميت كرسي؟ قد مر معنى أن أسماء القرآن يكون لأحد أمور ثلاثة. طب، هذا من أي باب؟ مشهورة بآية الكرسي، قد جاء ذلك في السنة. سميت بآية الكرسي، من أين جاء اسم الكرسي؟ لذكر الكرسي. حتى قالوا: ما ذكر الكرسي إلا في هذا الموطن، لم يذكر الكرسي إلا في هذا الموطن. هذه الآيات، قال الله جل سبحانه وتعالى: ﴿الله لا إله إلا هو﴾، هذا من أعظم وصف الله عز وجل الألوهية، هذا أعظم وصف وصف لله، وصف الألوهية، فهو الذي يستحق أن يعبد. وهذا هو التفسير لكلمة التوحيد، ما معنى التوحيد؟ معناه: لا إله إلا الله، معناه: لا معبود إلا الله، أي: لا يستحق العبادة إلا الله. وهذا سيأتي معنا إن شاء الله في كتب التوحيد، في الأصول الثلاثة، وفي غيره. فقال: ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾، الحي من أسماء الله، وهو الذي له الحياة الكاملة. فالله سبحانه وتعالى: الحي الذي له الحياة الكاملة. وفي باب الأسماء، وقد مر معناه: أن ما من اسم ما من اسم إلا ويدل على صفة. فاسم الحي يدل على الحياة، اسم الحكيم يدل على الحكمة، اسم العليم يدل على العلم. لكن حياة الله سبحانه وتعالى: حياة تليق بجلاله وعظمته. ولهذا يقال: أن الحياة هي الحياة الكاملة، وهي التي لم تسبق بعدم، ولا تلحق بثم. هذه الحياة الكاملة، حياة الله سبحانه وتعالى لم تسبق بعدم، ما سبقت بعدم، ولا تلحق بثم. هذه حياة الله تسمى بالحياة الكاملة. قال: ﴿القيوم﴾، وهذا اسم آخر من أسماء الله، القيوم. والقيوم هو الذي قام بنفسه، فهو مستغن عن غيره، وهو القائم على خلقه. فقيامه من جهتين: قيامه بنفسه، وقيامه في غيره. ما من شيء في ملكوت السماوات والأرض إلا وهو قد قام بأمر الله. ولولا الله لهلك، ولولا الله لهلك السماوات وما فيها، قام بأمر الله، الأرض وما حوت قامت بأمر الله، البشر بأمر الله، جميع العوالم ما أقيمت إلا بأمر الله. فالله هو القيوم، فهو قائم بنفسه، وهو الذي أقام غيره. كما قال سبحانه: ﴿أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت﴾. واسم «الحي القيوم» قال عنها ابن القيم رحمه الله تعالى: «إن أسماء الله تدخل في هذين الاسمين». إن أسماء الله، أي: كافة وقاطبة، تدخل وتنضم تحت هذين الاسمين. فما يتعلق بالله يدخل في اسم «الحي»، وما يتعلق بعباده يدخل في اسم «القيوم». فما يتعلق بالله يدخل في اسم «الحي»، وما يتعلق بعباده يدخل في اسم «القيوم». ولهذا بعضهم يعبر بتعبير آخر، فيقول: «أن اسم الحي يتضمن لجميع الصفات الذاتية»، اسم الحي يتضمن جميع الصفات الكمال الذاتية. «وأن اسم القيوم متضمن لجميع صفات الكمال الفعلية». وقد جاءت الأدلة على أن اسم «الحي القيوم» هو الاسم الأعظم. جاءت أدلة تدل على أن «الحي القيوم» هو الاسم الأعظم. حين مر نبينا على رجل فكان يدعو يدعو الله، وكان من دعائه أن دعى بهذا الاسم: «يا حي، اللهم أنت يا حي قيوم». فقال عليه الصلاة والسلام: «لقد دعى الله باسمه الأعظم، لقد دعى الله باسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى». هذا هو اسم الله الأعظم «الحي القيوم». حاول أنك تكثر يا عبد الله في دعائك للام بهذين الاسمين: «اللهم يا حي يا قيوم، يا حي». تذكر تكثر. وطبعا هناك مسألة خلافية لا أخوذ في هذا الباب حول تحديد الاسم الأعظم. لكن من أكثر ما ذهب إليه العلماء إلى هذين الاسمين: «الحي القيوم»، الذي من دعي به أجاب، وإذا سألت به الرب أعطاك. قال سبحانه: ﴿لا تأخذه سنة ولا نوم﴾، وهذا من دلائل حياة الله وقيمومته، من دلائل حياة الله وقيمومته سبحانه وتعالى: أنه لا تأخذه سنة ولا نوم. السنة هي مقدمات النوم، السنة هي مقدمات النوم، كالنعاس. والنوم هي الغشية التي تهجم على القلب. فلا هذا ولا ذاك يعتري الرب سبحانه وتعالى، لكمال حياته في نفسه، ولكمال قيمومته على غيره. لا يأتيه هذه النقائص؛ لأن السنة والنوم نقص. أن نحن البشر متى يأتينا النعاس؟ عند التعب، تعبت، يتيك النعاس، ضعف في الحياة البشرية. فربنا عز وجل لا تأخذه السنة، وهكذا النوم، فالنوم أخ الموت، النوم أخ الموت، به ينقطع الإنسان عن من حوله. فهذا لا يليق بالله عز وجل. فربنا لا تأخذه السنة ولا نوم، لكماله سبحانه وتعالى. قال: ﴿له ما في السماوات والأرض﴾، وهذا فيه عموم ملكه، فيه عموم ملكه. له ما في السماوات والأرض، فكلمة «ما» اسم موصول يفيد العموم، اسم الموصول والأسماء الموصولة تفيد العموم. فكل من في السماوات هو من ملك الله، وكل من في الأرض هو من ملك الله. ما خرج شيء عن ملك الله. فالعالم العلوي ما في السماوات، والعالم السفري ما في الأرض، هو من ملك الله. قال سبحانه: ﴿من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه﴾، الشفاعة في اللغة هي طلب الحاجة، واستصلاحا هو التوسط للغير، التوسط للغير لجلب منفعة أو دفع مضرة، التوسط للغير لجلب منفعة أو دفع مضرة. وفي قوله سبحانه وتعالى: ﴿من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه﴾، إثبات الشفاعة ونفي الشفاعة في هذا السياق يدل على أن الشفاعة على قسمين. يدل على أن الشفاعة على قسمين، فقوله: ﴿من ذا الذي يشفع﴾ إثبات الشفاعة، وهي الشفاعة الصحيحة، والتي تكون بشروطه. ﴿إلا بإذنه﴾ بيان الشفاعة المنفية، وهي التي انخرمت فيها الشروط. وقد مر معنا مساء للشفاعة في القواعد الأربع، وسأتي معنا كذلك في العقيدة الواسطية، التفصيل في هذا الباب. فنرجو الكلام عن ذلك في حينه، في أمر الشفاعة، وما يتعلم بصورها ومعانيها، وأقوال الفرق فيها. قال: ﴿من ذا الذي يشفع عنده﴾، في إثبات لصفة العلو، أي: عند الله عز وجل. ولهذا يرى العلماء أن آيات العندية تدل على علو الله، كل آية فيها نسبة العند عند الله تدل على العلو، كهذه الآية: ﴿من ذا الذي يشفع عنده﴾ سبحانه. قال: ﴿يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم﴾، يعلم في إثبات لصفة العلم. وعلم الله هو العلم الكامل، علم الله هو العلم الكامل، ظابطه: هو العلم الذي لم يسبق بجهل، علم الله هو العلم الكامل الذي لم يسبق بجهل، ولا يلحقه نسيان، في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى. علم الله الكامل الذي لم يسبق بجهل، ولا يلحقه نسيان. وعلم الله سبحانه وتعالى كامل، علم ما كان، وما سيكون، وما لم يكن لو كان كيف سيكون، كل ذلك ما خرج عن علم الله. علم ما كان، وما سيكون، وما لم يكن لو كان كيف سيكون، علم الله بمآلات الأمور. وهل هو علم الله الشامل؟ يعلم ما بين أيديهم، أي: ما يستقبلونه من أمور، علمه الله. وهذا قد قال فيه جماعات من المعتزلة، وسيأتي معنا فصل خاص في هذا الباب في الوسيطية حول صفة العلم. ﴿وما خلفهم﴾، أي: ما خلفوه من أعمال وأقوال وأحوال، كل ما مضى علمه الله عز وجل. يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم. قال: ﴿ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء﴾، فالإنسان لا يعلم شيئا إلا بما علمه الله. فالإنسان لا يعلم شيئا إلا بما علمه الله، كما قال سبحانه: ﴿والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا﴾. ما أحد عنده علم، الأصل في الإنسان الجهل. الأصل في الإنسان الجهل، هل خرج أحد من بطن أمه مفكر أو مبدع أو فيلسوف أو بروفوسور؟ ما أحد خرج، كلهم خرجوا جهلة، ثم تعلم. هذا العلم الذي تعلمه، سواء كان علم ديني شرعي، أو علم دنيوي كالعلوم التجريبية، من أين جاءت هذه العلوم؟ من الله. الله الذي علمك، الله الذي علمه. فلا تغتر بعلمك يا عبد الله، فإنما هي هبة هبة من الله سبحانه وتعالى. فالتجئ إليه. لهذا كان من دعاء بعض السلف: «يا معلم سليمان علمني، يا معلم سليمان علمني». واتقوا الله ويعلمكم الله، فالعلم الله عز وجل، التجئ إليه. فقال: ﴿ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء﴾. وفي قوله: «بشيء»، شيء نكرة في سياق النفي تدل على العموم، ما نعلم شيئا أبدا إلا إذا أراد الله أن نتعلمه علمنا إياه سبحانه وتعالى. وأما علم الغيب فهذا علم اختص به الرب، أما علم الغيب فهو علم اختص به الرب سبحانه، فلا يطلعه إلا على من يشاء من رسله وأنبيائه. كما قال سبحانه: ﴿عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول﴾. وقد علم ربنا نبينا الشيء الكثير من علم الغيب، ومن ذلك ما يسمى بدلائل النبوة: سيكون كذا، ويكون كذا، ويكون كذا، أشياء كثيرة أخبر عنها نبينا، هذا من علم الغيب الذي أطلعه ربنا لنبيه، لماذا؟ لنبوته، لنبوته عليه الصلاة والسلام. قال: ﴿وسع كرسيه السماوات والأرض﴾، وسع بمعنى: شمال وأحاط، شمال وأحاط. وسع كرسيه، والكرسي هو موضع القدمين، يطلق الكرسي على موضع القدمين. وقد جاء ذلك عن ابن عباس موقوفا عليه، رواه الطبراني وغيره. وقال الهيثم: «رجاله رجال الصحيح»، هذا صح عن ابن عباس: أن الكرسي موضع القدمين. وهنا أنبه على مسألة الثلاث: المسألة الأولى: من ذكر أن تفسير الكرسي بموضع القدمين: أنه جاء عن رسول الله، هذا غلط، ما صح شيء. فلم يثبت عن رسول الله هذا التفسير، لم يثبت عن رسول الله هذا التفسير، بل ما جاء عن رسوله فهو ضعيف. وقد أشار شيخ الألباني إلى هذا الضعف. فقد جاء عند الحاكم والدار قطني: «أن النبي هو الذي فسر»، وهذا فيه وهم، وهم من بعض الرواة. المسألة الثانية: من فسر الكرسي بالعرش غلط، وهذا وإن أثير عن بعض السلف كالحسن البصري، هذا غلط، أنه فسر الكرسي بالعرش، لا يقول: «وسع كرسيه»، أي: وسع عرشه، لا، العرش شيء، والكرسي شيء آخر، واختلاف المبنى يدل على ماذا؟ على اختلاف المعنى. المسألة الثالثة: في مسألة الكرسي، من فسر الكرسي بالعلم فقد أخطأ، من فسر الكرسي بالعلم فقد أخطأ، «وسع كرسيه»، «وسع علمه»، هذا غلط، ويتناقل بعضهم أثر عن ابن عباس أنه فسر الكرسي بالعلم، وهذا لم يصح عن ابن عباس، هو من طريق جعفر بن أبي المغيرة، من طريق جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: «أن الكرسي هو العلم»، وهذا ضعيف، فقد ضعفه ابن مندة رحمه الله تعالى، ضعف جعفر هذا، وهو ضعيف. فالكرسي ما به هو عين قائم بذاته، فهو ليس شيء معنوي، بل هو شيء محسوس، بل هو شيء محسوس. قال: ﴿وسع كرسيه السماوات والأرض﴾، أي: أن هذا الكرسي السماوات والأرض كلها داخل الكرسي، كلها في داخل الكرسي، أي: أن الكرسي وسع السماوات والأرض، وسع بمعنى أحاط وشمل. ولهذا يعد الكرسي من أعظم مخلوقات الله بعد العرش، بعد العرش. ولهذا جاءت الأحاديث: «يحسن الجماعة من العلماء أن ما السماوات والأرض عند العرش عند الكرسي إلا كحلقة ملقى في فلاة من الأرض». وفي رواية: «كدراهم ألقيت في ترس». أين نسبة هذا من هذا؟ لا شيء. فالسماوات العظام والأرض وما حوت كلها أمام الكرسي لا شيء، والكرسي أمام العرش لا شيء، فكيف الله؟ سبحانه: ﴿يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم﴾. لكن الجهل بقيمة ومقدار الرب سبحانه وتعالى. فالكرسي تعتبر من أعظم مخلوقات الله. فإذا كانت السماوات كلها عبارة عن شيء محاط بهذا الكرسي، فما ظنكم بالعرش؟ فهو أعظم بكثير بكثير. قال: ﴿ولا يؤوده حفظهما﴾، يؤوده، من آدى يؤود، آدى يؤود بمعنى: ثقل ويثقل. فقوله: «لا يؤوده»، أي: لا يثقله، لا يثقله سبحانه. ما الذي لا يثقله؟ حفظهما، أي: ما كان من السماوات والأرض، وما فيه من عوالم علوية، وعوالم سفلية، وما تحتاج إليه من شؤونها وحوائجها. كل شخص على حدة، وكل نسمة من إنس وجن وحيوان وطير وملك، كل هذه المخلوقات، ربنا جل وعلا لا يثقله سبحانه وتعالى القيام بحفظهما، بحفظها وأمرها وشأنها. قال: ﴿وهو العلي العظيم﴾، اسمان من أسماء الله، العلي اسم، العلي في صفة ماذا؟ كما قلنا: كل اسم يدل على صفة. فاسم العلي يدل على صفة العلو. فالله جل وعلا يثبت له العلو المطلق المطلق. وعلو الله عز وجل يشمل علو القهر، وعلو القدر، وعلو الذات، علو الله عز وجل فيه علو القدر، وعلو القهر، وعلو الإثبات. وهذا سيأتي معنا بإذن الله في مسألة العلو. العظيم الذي كمل في عظمته، فهو العظيم، وهو القوي، وهو المتين، وهو الكبير سبحانه وتعالى. فالشاهد من إيراد المؤلف لهذه الآية في هذا الموطن: أن يدلك على أن هذه الآية قد حوت على أسماء وصفات، وأيضا فيها إثبات ونفي. فأثبت لله: «الحي القيوم»، أثبت لله الشفاعة، أثبت لله عز وجل العلو والعظمة. وبالمقابل النفي: أن هذه الآية نفت عن الله عز وجل صفات السلوب، وصفات السلب. فربنا عز وجل لا يتصف بالسنة، ولا بالنوم، أو بعدم الحفظ، أو الثقل، «لا يؤوده»، لا يثقله شيء. هذا المراد من هذه الآية. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.