التعليق على تفسير سورة الفاتحة للإمام محمد بن عبدالوهاب 7

الدرس في التعليق على تفسير سورة الفاتحة للإمام محمد بن عبدالوهاب 7، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

أهمية التوحيد والصراط المستقيم

يشرح الشيخ أهمية معرفة التوحيد وتمييزه عن الشرك، ويبين أن التمسك بالتوحيد واتباع السنة يمكن العبد من المرور على الصراط يوم القيامة. الصراط المستقيم هو دين الإسلام في الدنيا والجسر فوق جهنم في الآخرة.

شرح معنى "إياك نعبد وإياك نستعين"

العبادة هي غاية الحب مع غاية الذل، وتقديم "إياك" يفيد الحصر والاختصاص. "إياك نستعين" تدل على التوكل على الله والاعتراف بالعجز والحاجة إليه.

دلالة "إياك نستعين" على التوكل

الآية تشمل سؤال الله الإعانة والتوكل عليه والتبري من الحول والقوة. العبد لا يستغني عن إعانة الله في طاعته وأموره، ويعبر عن افتقاره إلى الله.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام المجدد محمد عبد الوهاب النجدي، رحمه الله، في رسالته تفسير سورة الفاتحة: بعد أن ذكر شيئًا مما يتعلق بقول الله جل وعلا ﴿مالك يوم الدين﴾، وبيان تفسيرها في قول الله جل وعلا ﴿وما أدراك ما يوم الدين ثم ما أدراك ما يوم الدين يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله﴾، قال: واعلم، أرشدك الله، أن الحق لا يتبين إلا بالباطل، كما قيل: «وبضدها تتبين الأشياء»، والقائل هذا البيت هو أبو الطيب المتنبي، في قصيدة يمدح بها أبا علي هارون، من عبد العزيز الكاتب، والبيت كاملا قال: ونذيمهم وَبِهِمْ عَرَفْنَا فَضْلَهُ وَبِضِدِّهَا تَتَبَيَّنُ الْأَشْيَاءُ. فالأشياء تتبين بمعرفة أضدادها، بمعرفة أضدادها. فإذا عرف الإنسان التوحيد، فإنه يعرف ما هو ضده، وهو الشرك، وإذا عرف الإيمان، عرف ضده، وهو الكفر، وهكذا، إذا عرف الطاعة، عرف ضدها، وهي المعصية، وهكذا كل شيء يعرف بضده، ويتميز ويتمين بأضداده. قال: فتأمل ما ذكرت لك ساعة بعد ساعة، ويومًا بعد يوم، وشهرًا بعد شهر، وسنة بعد سنة، لعلك أن تعرف ملة أبيك إبراهيم، ودين نبيك محمد، صلى الله عليه وسلم، فتحشر معهما، يعني أن تعرف التوحيد؛ لأن إبراهيم عليه السلام كان على التوحيد، وأمر الله جل وعلا نبيه محمد، عليه الصلاة والسلام، أن يتبع ملة إبراهيم، ثم أوحين إليك «أن يتبع ملة إبراهيم حنيفة وما كان من المشركين». فإذا عرف العبد توحيد الله جل وعلا، ووحد الله عز وجل، واجتنب ما يضاد التوحيد، وهو الشرك في عبادة الله جل وعلا، فإنه بهذا يكون سالكًا لطريق نبيه، عليه الصلاة والسلام، وكذلك أيضًا متبعًا لملة إبراهيم عليه السلام. قال: ولا تصد عن الحق، فتصد عن الحوض يوم الدين، كما يصد عنه من صد عن طريقهما. لا تصد عن الحق والهدى والتوحيد، وتأبى إلا أن ترتكب الشرك في عبادة الله، عنادًا وتغيانًا وتكبرًا، فبهذا تحرم وتصد عن الحوض، حوض النبي، عليه الصلاة والسلام، الذي يرده أمة النبي، صلى الله عليه وسلم، فيذاد عنه أقوام، فيقول النبي، صلى الله عليه وسلم: «أمتي، أمتي»، فيقال: «إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فقد غيروا وبدلوا»، فيقول عليه الصلاة والسلام: «سحقًا سحقًا لمن غير وبدل». فهذا الذي يصد عن الحق سيصد عن الحوض. وكما قال ابن القيم، رحمه الله: «الحوض حوضان، حوض في الدنيا، وهو شريعة النبي، عليه الصلاة والسلام، وحوض في الآخرة، وهو حوضه، عليه الصلاة والسلام، وهو مجمع الماء الذي يسقى منه أهل الإيمان». فمن شرب من حوض النبي، عليه الصلاة والسلام، في الدنيا، أي نهل من هذا الدين، وهذه الشريعة، والتمسك بسنة النبي، عليه الصلاة والسلام، واتبعه، فإنه سيشرب ويرد حوض الآخرة. ومن لم يشرب من حوض الدنيا، فإنه سيحرم ويصد عن حوض الآخرة. قال: ولعلك أن تمر على الصراط يوم القيامة، ولا تزل عنه، كما زل عنه من زل عن صراطهم المستقيم في الدنيا؛ لأن الصراط صراطان كذلك، صراط في الدنيا، وصراط في الآخرة. فصراط الدنيا هو دين الإسلام وشريعة النبي، عليه الصلاة والسلام، وصراط الآخرة هو الصراط الذي يمد فوق متن جهنم، على ظهر متن جهنم، فيمر منه الناس على قدر أعمالهم. فمن أحسن سلوك صراط الدنيا، بلزوم دين الله جل وعلا، وتوحيده سبحانه وتعالى، واتباع سنة نبيه، فإنه سيسلك صراط الآخرة. ومن أساء في سلوك صراط الدنيا، فذهب يمينًا وشمالا، واتبع السبل التي تزيحه وتبعده عن الصراط المستقيم، فإنه كذلك سيزل عن صراط الآخرة إذا مر عليه يوم القيامة. قال: فعليك بإدامة دعاء الفاتحة، مع حضور قلب، وخوف، وتضرع، وسيأتي الإشارة إلى شيء من ذلك عند قوله جل وعلا ﴿إهدنا الصراط المستقيم﴾. قال: «وَأَمَّا قَوْلُهُ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ»، قال: «فَالْعِبَادَةُ كَمَالُ الْمَحَبَّةِ وَكَمَالُ الذُّلِ»، بعيرٌ مُذَلَّل، أي ذليل، بعيرٌ معبد، معبد، أي ذليل لصاحبه، ينقاد له. والعبادة في الشرع، كما ذكر المصنف، رحمه الله، كمال المحبة، وكمال الخضوع، والخوف، والذل. فأصل العبادة هي غاية الحب مع غاية الذل. ولهذا قال ابن القيم، رحمه الله: «عبادة الرحمن غاية حبه مع ذل عابده، هما قطبان، وعليهما فلك العبادة دائر، مدار، حتى قامت القطبان». فالعبادة دائرة بين كمال المحبة، وكمال الذل. فكلما قويت محبة العبد لربه، وذل لربه، وانقاد وخضع له، كان ذلك أكمل في التعبد لله سبحانه وتعالى. فأنت تقرأ قول الله عز وجل في الفاتحة ﴿إياك نعبد﴾، معنى نعبد، أي نحبك، ونذل لك، ونخضع لك، ونخاف منك، وكذلك نوحدك، ونفردك بالعبادة. قال: وقدم المعمول، وهو «إياك»، وكرر للاهتمام والحصر، أي لا نعبد إلا إياك، ولا نتوكل إلا عليك. نعم، «إياك نعبد»، «إياك»، «إياك»، معمول لنعبد، فنعبد فعل مضارع، فعل مضارع، وهو يرفع الفاعل، وينصب المفعول، و«إياك» مفعول به لنعبد، والأصل أن المفعول به يأتي بعد الفاعل، فيقول: «نعبد إياك»، أي نحن، والفاعل مستتر، ضمير مستتر، تقديره نحن، فتكون الجملة: «نعبد نحن إياك»، لكن هنا قدم المعمول، وهو المفعول به «إياك» على الفعل، وهو نعبد. لماذا؟ قال أهل العلم: لإفادة الحصر والاختصاص. فتقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر والاختصاص. فلما تقول: «إياك نعبد»، يفهم منه أنك لا تعبد غيره، أنك لا تعبد غيره. فأنت تحصر العبادة وتخصها بالله. «إياك نعبد» يعني لا نعبد أحدًا سواك. وهذا أبلغ مما لو قلت: «نعبد إياك». «نعبد إياك»، هل هذا فيه حصر العبادة لله جل وعلا، ونفيها عن غيره؟ الجواب: لا. لكن «إياك نعبد» تفيد الحصر، أننا ما نعبد أحدًا سواك، ما نعبد إلا أنت، لا نعبد إلا أنت، ولا يخص أحد بالعبادة إلا أنت. فكان في ذلك إفادة الحصر والاختصاص، وأن الله جل وعلا هو الذي يستحق أن يعبد وحده دون من سواه. وهذا في غاية وكمال التوحيد لله جل وعلا. قال: وهذا هو كمال الطاعة، والدين كله يرجع إلى هذين المعنيين. فالأول: تبرؤ من الشرك، أي في قوله: ﴿إياك نعبد﴾، هذه براءة من الشرك، أنك لا تعبد غير الله، ولا تصرف شيئًا من العبادات لغير الله سبحانه وتعالى. والثاني: تبرؤ من الحول والقوة، أي في قوله: ﴿إياك نستعين﴾، فلا نستعين إلا بك، ولا أحد يعيننا إلا أنت. فأنت تتبرأ من الحول والقوة إلا بما قواك الله جل وعلا، وبما أعانك سبحانه وتعالى. وكما قال ابن القيم، رحمه الله: «﴿إياك نعبد﴾ تدفع الرياء، و﴿إياك نستعين﴾ تدفع الكبرياء». «إياك نعبد» تدفع الرياء، أنك لا تعبد غير الله، فأنت تدفع باب الرياء والشرك في العبادة. و«إياك نستعين» تدفع الكبرياء، أن يتكبر العبد، فيغتر بقوته، ويغتر بذكائه، ويغتر بنشاطه، ويغتر بهمته، لا أنت تستعين بالله، ولولا إعانة الله لك، لما وفقت في أعمالك، ولا وفقت في بيعك وشرائك، أو في تجارتك، أو في صناعتك. فالتوفيق من الله جل وعلا. فأنت تظهر الفقر، وتظهر العجز، وتظهر الحاجة إلى الله سبحانه وتعالى. ف«إياك نستعين» تدفع الكبرياء. قال: فقوله: ﴿إياك نعبد﴾، أي «إياك نوحد»، فلا نعبد أحدًا سواك، بل نوحدك بالعبادة، ونفردك بالعبادة. ومعناه أنك تعاهد ربك أنك لا تشرك به في عبادته أحدًا، لا ملكًا مقربًا، ولا نبيًا مرسلًا، ولا غيرهما، أي من المخلوقين. فقولك: «إياك نعبد»، أي تعاهد ربك يا رب أنك لا تعبد أحدًا سواك، ولا تصرف العبادة لغيرك، ولو كان من أشد الناس طاعة وعبادة وقربًا من الله جل وعلا، كالملائكة المقربين، والأنبياء المرسلين، فضلًا عما دونهم من الخلق، فضلًا عما دونهم من الخلق. هذا معنى «إياك نعبد». قال: كما قال للصحابة: «ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابًا، أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون». قال: فتأمل هذه الآية، واعرف ما ذكرت لك في الربوبية، أنها التي نصبت إلى تاج، ومحمد بن شمسان. فإذا كان الصحابة لو يفعلونها مع الرسل كفروا بعد إسلامهم، فكيف بمن فعلها مع تاج وأمثاله؟ الله عز وجل يقول، مخاطبًا الصحابة، رضوان الله عليهم: «ولا يأمركم» أي الله جل وعلا «أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابًا»، كيف يتخذونهم أربابًا إذا عبدوهم، وصرفوا العبادة لهم؟ فمن صرف العبادة لغير الله، اتخذ هذا المعبود ربًا وإلهًا. الله عز وجل لا يأمركم بذلك، أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابًا، «أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون». هذا معنى أن من صرف العبادة لغير الله، اتخذه ربًا وإلهًا، وصار بهذا كافرًا. قال: «أيأمركم بالكفر؟» ما هو الكفر؟ اتخاذ أربابًا دون الله جل وعلا، ولو كانوا من أفضل الخلق درجة ومنزلة وفضيلة. إذا كان هذا في حق هؤلاء الصحابة، رضوان الله تعالى عليهم، الذين هم أفضل هذه الأمة بعد النبي، عليه الصلاة والسلام، لو فعلوا ذلك، واتخذوا أربابًا مع الله جل وعلا، بعبادته من الملائكة أو الأنبياء، لكفروا بذلك. فكيف بمن كان دونهم؟ كيف بمن كان دونهم إذا صرف العبادة لغير الله؟ كأمثال هؤلاء الذين كانوا في زمن الشيخ، رحمه الله، الذين اتخذوا تاجًا وابن شمسان، وغيرهم، أربابًا، يدعونهم، ويرجونهم، ويستغيثون بهم، ويطلبون منهم المدد والولد، وقضاء الحاجات، وكشف الكربات. هؤلاء وقعوا في الكفر، هؤلاء وقعوا في الكفر. وهكذا أمثالهم في هذا الزمان، ممن يلجأون إلى غير الله جل وعلا، من أولياء وصالحين، ويدعونهم، ويستغيثون بهم. هذا يدعو العيدروس، وذاك يدعو المحيوار، وذاك يدعو الجيلاني، وذاك يدعو فلانًا وفلانًا من خلق الله. هؤلاء وقعوا في الكفر، عياذًا بالله. ولم يحققوا معنى «إياك نعبد»، بل هؤلاء حالهم: أن نعبدك يا رب، ونعبد غيرك. نعبدك ونعبد غيرك. نسأل الله جل وعلا السلام والعافية والهداية لمن وقع في شيء من ذلك. قال: وقوله: ﴿وإياك نستعين﴾، هذا فيه أمران. أحدهما: سؤال الله الإعانة، وهو التوكل، والتبري من الحول والقوة. وأيضًا طلب الإعانة من الله، كما مر أنها من نصف العبد. «إياك نستعين»، أنت تسأل الله جل وعلا الإعانة. «إياك نستعين»، تقول: يا رب أعني، أعني في أموري، أعني في طاعتك وعبادتك، أعني في قضاء حوائجي، وفي أمور حياتي. أنت لا تستغني عن إعانة الله جل وعلا. ولولا إعانة الله لك، لما سطعت أن تصنع شيئًا، ولا أن تفعل شيئًا. أنت فقير، أيها العبد، إلى ربك وخالقك. يا أيها الناس، أنتم الفقراء إلى الله، والله هو الغني الحميد. فأنت بقولك: «إياك نستعين»، فإنك تتبرأ من الحول والقوة إلا بما قواك الله جل وعلا، وبما أعانك. وهذا من كمال ذل العبد، وكذلك حاجته لربه سبحانه وتعالى. وكان من دعاء النبي، عليه الصلاة والسلام: «اللهم أعني ولا تعن علي، اللهم أعني ولا تعن علي». وأوصى معاذًا، رضي الله عنه، أن يقول في دبر كل صلاة: «اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك». فالعبد لا يستغني عن طلب الإعانة من الله، وأن إعانة الله سبحانه وتعالى له، وإلا لو وكله الله إلى اجتهاده، لما وفق في أعماله، وفي أموره. إذا لم يكن عون من الله للعبد، فأول ما يجني عليه اجتهاده. فأنت بقولك: «إياك نستعين»، تطلب الإعانة من الله. والأمر الثاني الذي يضمنه هذا الدعاء، طلب الإع، أنت تسأل الله جل وعلا الإعانة، وهو التوكل، والتبري من الحول والقوة. والأمر الثاني: أنك تطلب من الله جل وعلا أن يعينك. وهذا كما مر معنا في حديث أبي هريرة، في الحديث القدسي: قال الله جل وعلا: «وإذا قال: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾، فهذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل». فإذا هذه الآية العظيمة: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾، تبين كمال عبودية العبد لربه جل وعلا، وتوحيده له، وأنه لا يعبد غير الله، ولا يلجأ إلى غير الله سبحانه وتعالى، وأنه فقير إلى الله جل وعلا، محتاج إلى إعانة الله سبحانه وتعالى له، في سائر أمور حياته، وقضاء حاجاته. فنسأل الله جل وعلا أن يوفقنا وإياكم لطاعته. إلى هنا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.