الدرس في شرح العقيدة الواسطية 22، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول إثبات صفتي السمع والبصر لله تعالى استنادا إلى الآيات القرآنية والأدلة الشرعية، ويشرح معاني هذه الصفات ودلالاتها. يُبيّن أن السمع والبصر صفتان كمال لله.
الرؤية المضافة إلى الله تعالى نوعان: علمية وبصرية، ولها ثلاثة معان: التأييد والنصر، التهديد، والإحاطة. الآيات القرآنية تبين معاني سمع الله ورؤيته.
يتناول إثبات صفتي السمع والبصر لله تعالى من خلال الآيات القرآنية، ويشرح معانيها وتفسيرات العلماء لها، ويبين أن هذه الصفات تثبت لله تعالى من غير تشبيه بخلقه.
يتضمن الدعاء بالصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه والتسليم، ويشير إلى التبجيل والاحترام للنبي محمد وأسرته وصحابته.
طيب، بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن ولاه، أما بعد. قال مؤلف رحمه الله تعالى: قال قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير. قال: وقوله تعالى: لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء. قال: وقوله تعالى: أم يحسبون أننا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون. قال: وقوله تعالى: إنني معكما أسمع وأرى. قال: وقوله تعالى: ألم يعلم بأن الله يرى. قال: وقوله تعالى: الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين إنه هو السميع العليم. قال: وقوله: وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذه الآيات وهي تفيد وتتضمن إثبات صفتين اثنتين، ألا وهي صفة السمع والبصر لله. صفة السمع والبصر لله، فتجد أن الآيات المذكورة آنفا فيها الإضافة إلى الله: قد سمع الله، والله يسمع، قد سمع الله، ألم يعلم بأن الله يرى، الذي يراك، فسيرى الله. فتجد أن هذه الآيات فيها إضافة السمع والبصر لله. ولهذا كان من منهج أهل السنة والجماعة، كعادتهم إذا مثل هذه الآيات، أن يثبتوا هاتين الصفتين إثباتا يليق بجلال الله وعظمة الله سبحانه وتعالى، من غير تكييف ولا تمثيل، ومن غير تحريف ولا تعطيل. وقد دلت أدلة الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة على إثبات هذه الصفات لله جل في علاه. وما نازع فيها وما خالف إلا المبتدعة من الجهمية والمعتزلة. أولا نبقى إخواني في الله مع صفة السمع. أولا صفة السمع، إخواني في الله، قد جاءت الأدلة الدالة على إثبات صفة السمع بصيغ كثيرة، وبكل اشتقاقاتها. فجاء لفظ سمع، ولفظ يسمع، ولفظ سميع، ولفظ نسمع، ولفظ أسمع. كل هذه الألفاظ جاءت اشتقاقا لكلمة السمع. وهذه المرادفات كثرتها مع تصرفات فيها إشارة إلى إثبات حقيقة الصفة. وسيأتي معنى ذلك في قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾. إذ أن هذه الآية فيها سمع، وفيها يسمع، وفيها سميع. كل ذلك تأكيدا وتحقيقا لهذه الصفة. ومعنى السمع عند أهل السنة والجماعة: بأن الله يسمع الأصوات، فلا تخفى عليه الأصوات، ولا تخفى عليه اللغات، جل في علاه. والسمع، إخواني في الله، صفة كمال لله. والسمع صفة كمال لله، فلما تقول: بأن الله هو السميع، أي الذي بلغ في السمع الكمال والتمام، فليس فيه نقص من أوجه النقص أبدا. فسمع الله كامل، فالله يسمعك ولو كنت يا عبد الله في قاع البحار، أو كنت في غارات الكهوف، فالله يسمعك أين تكون وحيث تكون. ولهذا مما يعاب على الأصنام أنها لا تسمع. وفائدة إخواني في الله، السمع المضاف إلى الله، ينقسم إلى قسمين: السمع المضاف إلى الله ينقسم إلى قسمين: السمع بمعنى سمع يتعلق بالمسموعات، أو سمع يتعلق بالإجابة. السمع الذي يتعلق بالمسموعات يأتي على ثلاثة أمور: سمع الله، الله يسمع، يعني يسمع الأصوات. فسمع الله الذي يتعلق بالأصوات والصوتيات يعود إلى ثلاثة أمور: إما أنه يأتي على صورة تهديد، يسمع لكن المقصود بالسمع التهديد، سمع تهديد. كما في قوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾. نعم، هذا يتعلق بسمع الأصوات، لكن ما المراد هنا؟ التهديد لحال أهل النفاق الذي يتخفون بكلامهم، فالله عز وجل يهددهم بأن كلامكم ما يخفى علينا، فهذا سماع للأصوات خرج مخرج التهديد. الصورة الثانية من صور سماع الأصوات المضاف إلى الله: أن يخرج مخرج التأييد، يخرج مخرج التأييد. وكقوله تعالى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى�،﴾. هنا سماع الله سماع تأييد، يشعر بأن الله عز وجل معهم مؤيدهم، فكل ما يقع عليهم من كلام بذيء فالله يسمعه، وما سيخاطبهم به فرعون وملأه سيسمعه ربنا، فهذا تأييد لهما. كما سيأتي معنى في خطاب الله لمن هم معنيون بهذه الآية، هذا خرج مخرج التأييد. السمع المراد منه التأييد. السمع الثالث والذي يتعلق بالأصوات: ما الذي فيه؟ بيان الإحاطة، بيان الإحاطة بأن سمعه قد وسع الأصوات، فلا يخف عنه صوت. وهذا كما سيأتي كقوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾. هذا السمع ليس مراد منه التهديد، أن الله يهددها بأنه سمع منها شيء ما ينبغي، وليس فيه تأييد بأن الله ناصرها في هذه القضية، هذا ليس فيها لا بالتهديد ولا بالتأييد، وإنما هذه الآية فيها بيان سعة سمع الله عز وجل، سعة سمع الله، وأن الله يسمع كل شيء، يسمع كل شيء. إذن، هذه الأمور الثلاثة: بيان الإحاطة، والتهديد، والتأييد، هذه سمع أضيف إلى الله يتعلق بماذا؟ بالأصوات. السمع الثاني والقسم الثاني: سمع يأتي بمعنى الإجابة، يأتي بمعنى الإجابة. وهو كقولك، وكقول المصلي: سمع الله لمن حميده. طيب، لما تقول: سمع الله لمن حميده، ما المقصود بسمع الله؟ هنا السمع أضيف إلى الله، هل مقصود بسمع الله أن الله سمع صوتك حينما حمدته؟ لا، الله سمع كل شيء، سمع التحميد، وسمع التكبير، وسمع قراءة الفاتحة، كل شيء سمعه الله منك. فما المراد بالسمع هنا؟ قال العلماء: هنا معنى سمع الله بمعنى أعطى الله، أجاب الله لمن حميده. فهنا السمع بمعنى الإعطاء والإجابة. فلما تسمع الإمام يقول: سمع الله لمن حميده، بمعنى أن الله أعطى، وأن الله استجاب لمن حميده. فهذا المعنى الثاني من معاني إضافة السمع إلى الله عز وجل. ننتقل الآن إلى صفة البصر، إلى صفة البصر. لأن المؤلف رحمه الله تعالى في هذا المقام أورد لنا الآيات التي تدل على صفة السمع والبصر، ذكرنا ما يتعلق بالسمع، ننتقل الآن إلى صفة البصر. فالله عز وجل بصير، فالله عز وجل بصير، فهو يبصر. وبصر الله جل وعلا هو البصر. إن الله هو السميع البصير. وذكر العلماء أن أل هنا في أسماء الله تدل على العموم، أن أل الداخل في أسماء الله تدل على العموم، وعلى الشمول. فالله بصير، أي وسع بصره كل شيء، فلا يغيب عنه شيء سبحانه وتعالى. وكما يعبر العلماء: فهو سبحانه يرى النملة السوداء وهي على صخرة صماء في ليلة ظلماء، يراها سبحانه وتعالى، يراها. يرى النملة السوداء وهي على صخرة صماء في ليلة ظلماء، هذا ما يكون لي ولا لك، بل هذا ببصر رب الأرباب سبحانه وتعالى، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير. والرؤية المضافة إلى الله كذلك، الرؤية المضافة إلى الله عز وجل لها عدة معاني، أو قل لها عدة أقسام. ويفسرها العلماء أن يقسم إلى أنها تعود أولا إلى معنيين اثنين: الرؤية المضافة إلى الله تعود إلى معنى العلم، وإلى معنى رؤية المبصرات. فالرؤية أحيانا تأتي بمعنى الرؤية العلمية، تأتي الرؤية أحيانا بالرؤية العلمية. كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾. هنا نرى أضيفت إلى الله عز وجل، الرؤية أضيفت إلى الله سبحانه وتعالى، لكن قال العلماء: هنا الرؤية علمية، أي نعلمه، نعلم بهذا اليوم أنه قريب، أنه قريب. ولا تجد حتى في باب اللغة والنحو تجد والرؤية هنا ماذا؟ علمية لا بصرية، علمية لا بصرية. لأن هنا يوم القيامة هو عبارة عن شيء غير محسوس، وإنما هو شيء علمي، فرؤية هنا علمية. هذه نوع من أنواع الرؤية المضافة إلى الله. والنوع الثاني من أنواع الرؤى المضافة إلى الله: وهي المتعلقة بالبصريات، وهي المتعلقة بالبصريات. هي كذلك تأتي على أمور ثلاثة: رؤية الله للأشياء تكون هذه الرؤية مفادها أحد هذه الأمور الثلاثة: رؤية الله للأشياء، أي تعلقها بالبصريات، تكون مفادها يعود لأحد أمور الثلاثة. إما هذه الرؤية بقصد النصر والتأييد، بقصد النصر والتأييد. كقوله تعالى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾. فهنا ربنا يرى مع أن الله يرى جميع خلقه، فلماذا ذكر هنا أرى؟ قال: علمية هنا، رؤية فيها بيان ماذا؟ التأييد، أني معكم، وافعلوا ما شئتم، وأن الذي يقع في حقكم وكل من ساء إليكم بفعل، فإني ماذا؟ أرى، فلا تخاف، فلا تخاف. فهذه الرؤية ورؤية ماذا؟ المراد منها التأييد، ومراد منها ماذا؟ النصر. الرؤية الثانية المقصود بها التهديد، ورؤية تهديد. فأن الله رآهم، لكن رؤية هنا ماذا؟ خرجت مخرج التهديد والتخويف، خرجت مخرج التخويف والتهديد. كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾. فهذا فيه بيان لحال أهل النفاق، وأن الله عز وجل يرى أعمالكم، فهذه رؤية تتعلق ماذا؟ بالمبصرات، لكن خرجت مخرج التهديد. فهذا يجعل المنافق يخاف، وأنه كلما أراد أن يتستر بمكيدة أو خبيثة، فيعلم أن الله مطلع عليه. أما الصورة الثالثة أو الفائدة المرادة من مسألة رؤية الله لهذه المبصرات: فإنها تخرج بماذا؟ بمخرج الإحاطة، بمخرج الإحاطة. إن الله كان سميعا بصيرا، سميعا بصيرا، أي أنه بصير لجميع خلقه، ففيها معنى الإحاطة، فيها معنى الإحاطة. ننتقل إخواني الآن إلى الآيات التي ذكرها المؤلف رحمه الله تعالى. قال: في قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ الآيات، هذه الآية جاءت في قصة خولة بنت ثعلبة، في قصة خولة بنت ثعلبة حين ظاهرها زوجها. والظهار هو أن يقول الرجل لزوجته: أنت علي كظهر أمي، أنت علي كظهر أمي، ظاهرها. وكان عند العرب قديما أن الظهار ينزل منزلة الطلاق البائن. كان قديما الظهار ينزل منزلة الطلاق البائن، خلاص تبين. فكانت تشتكي إلى رسول الله لأن زوجها ظاهرة، إذن خلاص وهي أم عيال. فكانت تشتكي إلى رسول الله، فأنزل ربنا عز وجل هذه الآيات: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾. الآية جاء في البخاري معلقا عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات. سبحان الله، أو الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، لماذا ذكرت هذه المسألة؟ قالت: لقد جاءت المجادلة تشكو إلى رسول الله، وأنا في ناحية البيت، ما أسمع ما تقول. سبحان الله، جاءت المجادلة إلى رسول الله، وأنا في ناحية البيت، وما أسمع ما تقول. وربنا سبحانه فوق سبع سماواته، ماذا قال؟ ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾. فحينها قالت: الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات. فأدلك ماذا؟ على الإحاطة، وعلى الشمول، وأن الله ماذا؟ يسمع كل الأصوات، فلا يخفى عليه شيء من خلق الله من أقوالهم. وهذا الأثر كما قلنا جاء في البخاري معلقا، لكن ذكره شيخنا مقبل رحمه الله تعالى في الصحيح المسند من أسباب النزول. ولهذا هذه الآية يقال عنها آية المجادلة، وآية المجادلة هذه السورة سورة المجادلة. الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾. الآية يذكر فوق العلماء أن هذه الآية نزلت في حق رجل يهودي اسمه فنحاص. هذه الآية نزلت في حق رجل يهودي اسمه فنحاص. فنحاص عرض عليه الإسلام، جاءه أبو بكر رضي الله تعالى عنه، فعرض عليه الإسلام، فكان من رد الخبيث، فكان من رد الخبيث أن قال: ما لنا حاجة، وإن الله إلينا لفقير. ما لنا حاجة، ما لنا حاجة لهذا الدين. قال: ما لنا حاجة، وإن الله إلينا لفقير، ولو كان غنيا ما استقرضنا، ولو كان غنيا ما استقرضنا. ما معنى ما استقرضنا؟ أراد بذلك قول الله عز وجل: ﴿وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾. أراد أن يتنقص من مقام الله، أو من هذه الآية القرآنية، مشيرا إلى أن الله يطلب من عباده قرض. فقال هذا الخبيث: ما لنا حاجة، إن الله إلينا لفقير، ولو كان غنيا ما استقرضنا. فنزلت هذه الآيات: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾. سنكتب ما قالوا. إلا أن هذا الأثر جاء من طريق محمد بن أبي محمد، قال عنه الزهبي: لا يعرف. لكن الآية صحيحة، الآية واضحة أن هذه ما قالت اليهود، أن هذه ما قالت اليهود، قالوا هذا، قالوا: بأن الله فقير. وهنا قد سمع، وهذا قد سمع هنا سمع، وهذا سمع أوضيف إلى الله، خرج مخرج التأييد، أم مخرج التهديد، أم مخرج الإحاطة؟ التحذير والتهديد. هذه الآية خرجت مخرج التهديد، أن الله سمع هذا الكلام، وأن سمع الله هنا ماذا؟ يهددهم بهذا الذي سمعه عنهم، وأن الله سيكتب هذه الشهادة، وسيعاقبهم عليها. قال: قوله تعالى: الآية الثالثة: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾. هنا أم بمعنى بل، والاستفهام هنا استفهام إنكاري، ما تحسبون هذا، ما تظنون هذا، أن الله يسمع السر، السر هو ما يسر الإنسان به لصاحبه. السر هنا هو ما يسر، ما يسر به الإنسان لصاحبه، هذا سر. ومنه من قال من العلم من المفسرين قال: هو سر في القلوب، هو سر الذي في القلوب. لكن المشهور الأول، والنجوة هو قول الذي قد يسمع ولا يفهم، هو القول الذي قد يسمع ولا يفهم. فلان يناجي فلان، فلان يناجيه، قد تسمع من بعيدة، تكلم معه، لكن ما تفهم، لأنه ماذا؟ يحب أن يكون هذا الكلام بينه وبين صاحبه بكلام خفي. النجوة هو كلام خفي، خفي، فهو قد تسمعه، لكن ما تفهمه. فلان يتناجى مع فلان، فعندي السر، وعندي النجوة، السر والنجوة لا تخفى على الله سبحانه وتعالى. فإذا كان السر والنجوة لا يخفى، فما ظنك بالنداء، وهو الصوت العالي؟ لا شك ولا ريب أن الله يسمعه سبحانه وتعالى. فهذه الآية فيه إثبات لسمع الله، وهذا السمع خرج مخرج ماذا؟ خرج مخرج التهديد، زجرا لهم لما يتفوه به. الآية الرابعة: قوله تعالى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾. وهذا خطاب من الله جل وعلا في حق موسى وهارون، حينما خاف من بطش فرعون. فأخبرهم الله بأنني معكم، معكما، أسمع وأرى. وهذه الآية فيه إثبات لثلاث صفات: هذه الآية فيه إثبات لثلاث صفات: السمع، والبصر، والمعية. فربنا قال: لا تخاف، فكل قول فيه إساءة إليكما، فأنا أسمعه، وكل فعل فيه إساءة إليكما، فأنا أراه. ماذا بقي بعد ذلك؟ خلاص، لا تخاف. ولهذا قال المفسرون: أن موسى وهارون بعد ذلك ماذا؟ زال عنهم الخوف، واطمأنت القلوب، واطمأنت القلوب، وذلك لما علموا بوعد الله، وبمعية الله. قال: قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾. هذه الآية نزلت في أبي جهل، هذه الآية نزلت في أبي جهل، وذلك حين نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة عند البيت، أي الكعبة. فنزل قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى عَبْدًا إِذَا صَلَّى أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾. ألم يعلم بأن الله يرى؟ فالله يرى سبحانه وتعالى، ففيه إثبات لصفة الرؤية. قال: وقوله تعالى: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقْلِبُكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾. فيه بيان لرؤية الله جل وعلا لعبده حال قيامه في صلاته. الذي يراك حين تقوم، طيب الله سبحانه وتعالى يرى جميع العبادات، لماذا خص الصلاة؟ قال علماء: تعظيما لشأنها، وتكريما لشرفها، تعظيما لشأنها، وتكريما لشرفها. أجل الطاعة، وأعظم القربات، أن تكون يا عبد الله مصليا، وأن تصلي لله. ولأن الإنسان متى ما استحضر فيها الرب، ففي غيرها أحضر. وأن من أقامها فلغيره مقيم، فالصلاة هي الأساس في الأعمال والطاعات، الأساس في الطاعات والعبادات. لهذا كان القول الصحيح: أن من تركها كفر، أن من تركها كفر. وفي قوله تعالى: ﴿وَتَقْلِبُكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾، قال العلماء: إشارة إلى صلاة الجماعة، إشارة إلى صلاة الجماعة. الآية الأخيرة: في قوله تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾. هذه الآية، إخواني في الله، وقع فيها الخلاف بين المفسرين: هل هذه الآية خرجت مخرج التهديد، أم خرجت مخرج الإخبار، يعني كالتأييد، وكالإحاطة؟ أم أن الله أخرجها مخرج التهديد؟ على قولين اثنين. فتجد أن من المفسرين من يخرج هذه الآية على مخرج التهديد، وجه ذلك: على أن المخاطب في هذه الآية هم أهل النفاق، على أن المخاطب في هذه الآية أهل النفاق. ففي قوله تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا﴾، الضمير يا أهل النفاق. وقل اعملوا، فسيرى الله عملكم، ورسوله، والمؤمنون، فسيرى الله، هذه الرؤية، رأي التهديد، أي أن ما تفعلوه من عمل، وهو المكر، والنفاق، والرياء، والمكر، والكيد، والخديعة، والخبيئة للإسلام والمسلمين، وما يكون خلف الكواليس، وخلف الدهاليس، وما يكون من سركم في تآمركم. اعملوا، اعملوا ما شئتم، فسيرى الله عملكم، ورسوله، والمؤمنون. قال العلماء: وهذه الرؤية يوم القيامة، أي أن الرسول، وأهل الإيمان، ماذا؟ سيرون الفضيحة، هذا يوم القيامة. ومنهم قال: لا، قد تكون في الدنيا، أن الله يفضحهم. وهذا حق، وهذا حق، فقد جاءت آثار: أن ما من رجل يتستر بأمر إلا وقد فضحه الله، إلا وقد فضحه الله على رؤوس الأشهاد. إذن، هذه الآية على ماذا؟ خرجت مخرج التهديد. وهذا ذهب إليه جماعة من أهل العلم. وأذكر باب الفائدة، والشيء بشيء يذكر: أن من العلماء من ينتقد، ومن الأخطاء الذي عليه الناس: أنهم في اجتماعاتهم، وفي المؤتمرات، يعلقون هذه الآية: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾. فبعض العلماء قال: هذا غلط، هذا خطأ يقال: لماذا يا شيخ؟ قال: هذه الآية تتكلم عن حال النفاق، وأنتم في مشروع خيري. قل اعملوا، والآية تتحدث عن المنافقين، هذا ما يجوز. نعم، هذا على التفسير هذا، لكن هل هذا التفسير الأوحد؟ لا، هناك تفسير آخر. وكذلك قال جماعة من المفسرين: على أن هذه الآية لا تتحدث عن النفاق، لا، بل تتحدث عن أهل الإيمان، تتحدث عن أهل الإيمان. وأنك يا عبد الله اعمل صالحا، وقل اعملوا، اعمل، اعمل فيما بينك وبين الله، اعمل فيما بينك وبين الله، من صلاة، من ذكر، من صدقة، من نفقة، من خشوع، من إخبات. فسيرى الله عملكم، ما سيغيب عن الله شيء، ومن يعمل مثقال ذرة خيرا يرى. ما سيغيب شيء، لا تستحقر من المعروف شيء، ولو أنك تتصدق بشق تمرة، ما ستفعله يراه الله عز وجل، لا تخاف، إن الله لا يضيع عمل المحسنين. فسيرى الله عملكم، ورسوله، والمؤمنون. وهذا كذلك يوم القيامة، عندما تأخذ كتابك بيمينك، ها، أم قرأت كتابي؟ إني ظننت أني ملاق حسابي. فيرى الناس عملك، وصحيفة أعمالك التي منجت بالأعمال الصالحة. إذن، هذا التفسير الثاني ماذا؟ خرج مخرج الإخبار. ولهذا، أو نبع على هذه المسألة: أن هذه الآية، إخواني في الله، من الآيات التي تحتمل كذا، وتحتمل كذا. والأمر يرد إلى العلماء. فأهل التفسير على قولين اثنين. فمنهم من حمل على محمل التوبيخ والتهديد، لأن المخاطب هم أهل النفاق. ومنهم من ذهب إلى أن هذه الآية خرجت مخرج الإخبار، إما بمعنى الإحاطة، أو بمعنى التأييد. وهذا في خطاب الله لعباده المؤمنين. فهذا، إخواني في الله، خلاصة هذه الآيات التي ذكرها ربنا، الذي ذكرها المؤلف رحمه الله تعالى في إثبات صفتي السمع والبصر، في صفتي السمع والبصر. والمؤلف رحمه الله تعالى جمع هاتين الصفتين معنى، لو تلاحظون: كل صفة لحدها. لكن في هذه الصفات جمع بينهما صفتين: السمع والبصر، لماذا؟ لأنها أكثر ما تأتي مجموعة. إن الله كان سميعا بصيرا، وهو السميع البصير، أسمعوا وأرى. فتجد كثيرا ما يكون الجمع بين هاتين الصفتين. حتى قال جماعة من أهل العلم من باب الفائدة: أن المخلوقات غالب المخلوقات التي حياتها بالروح، غالب المخلوقات التي حياتها بالروح تتمتع بصفتي السمع والبصر. غالب الكائنات والخلائق التي حياتها بالروح، بهذا القيد، تتمتع بصفتي السمع والبصر. وهذا كذلك يعينك في ماذا؟ عبد الله، في الرد على المعطلة، ممن يعطل صفتي السمع والبصر، بحجة ماذا؟ أن هذا فيه تشبيه لخلق الله. وأنك شبهت الله بخلقه. قل: كذبت يا عبد الله، أنا معك على أن غالب المخلوقات فيها السمع وبصر. يقول: ها، أما ترى أنت معي، وأنه أنا معك، لكن مشي تعال، هذه النملة فيها السمع وبصر. يقولك: نعم، مثل سمعك وبصرك أنت. مثل سمعك وبصرك أنت، لا. تعال، الذبابة هذه تسمع وتبصر، فيها سمع وبصر مثلك أنت. الطيور تسمع وتبصر مثلك أنت. لا، الكائنات الحية، الحيوانات، والبهائم، والحشرات، والهوام، تسمع وتبصر مثلك أنت. الجواب: لا. فإذا تباينت الأسماع والأبصار بين المخلوقات، أنا مخلوق، وهذا مخلوق، وتبايننا. فما ظنك بين الخالق والمخلوق؟ هل هناك وجه شبه؟ لا. ولهذا قال ربنا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. نفى ربنا التشبيه والتمثيل عن نفسه، وأثبت لنفسه ماذا؟ السمع والبصر. هذا، إخواني في الله، خلاصة ما يذكر في هاتين الصفتين. أسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.