الدرس في شرح العقيدة الواسطية 35، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يناقش تعريف القرآن لغة وشرعًا وعلاقته بكلام الله، ويوضح أن القرآن كلام الله غير مخلوق. يُبين أن إضافة القرآن إلى الله هي إضافة صفة إلى موصوفها.
يشرح الفرق بين كلام الله وأفعال العباد في القرآن، ويبين أن القرآن كلام الله بينما التلاوة والقراءة أفعال للعباد. يُنتقد آراء المبتدعة حول القرآن ويؤكد أنه كلام الله بالحروف والمعاني.
يذكر قاعدة أهل الرسوخ في العلم في التعامل مع التناقض الظاهري، ويعملون باب التناقض في هذا السياق. يُنهي الكلام بالتأكيد على أن الله تعالى أعلم ويصلي على النبي محمد.
بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن ولاه، أما بعد. قال مؤلفنا -رحمه الله تعالى-: «وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله». وقال تعالى: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾، وقوله: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُوا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ﴾، وقوله تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾، وقوله: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾، وقوله: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾، وقوله: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾، وقوله: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾، وقوله: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾، وقوله: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾. هذا الفصل، إخواني في الله، بما سرده المؤلف -رحمه الله تعالى- من هذه الآيات، كلها تصب في هذا الأمر، وهو أن القرآن هو كلام الله. وهذا المبحث، إخواني في الله، من باب التمهيد، سنذكر أهم المسائل التي ينبغي أن تكون على علم ودراية بها، يا عبد الله، وأنت تتأمل في هذه المسألة، وهي -طبعًا- من المسائل العويصة التي وقع فيها الاضطراب والاختلاف بين أهل القبلة. من أوائل هذه المسائل، إخواني في الله، علاقة هذا الفصل بالذي مضى. ما الذي مضى؟ كان الكلام حول صفة كلام الله، وأن الله -جل وعلا- يتكلم، وذكرنا الأدلة الدالة على ذلك. فهل هذه المسألة، وهي القرآن كلام الله، لها علاقة؟ الجواب: نعم، إذ أن هذه المسألة تتفرع من تلك المسألة، تتفرع من تلك المسألة، إذ أن من كلام الله القرآن. والقاعدة في هذا الباب: كل القرآن كلام الله، وليس كل كلام الله قرآن. واضح ذلك؟ القرآن كله كلام الله، كله، لكن هل كل كلام الله قرآن؟ لا، ليس كل كلام الله قرآن. قد مر معنا أن كلام الله منه كلام كوني، وكلامه شرعي. من كلام الله الكلام الكوني الذي أوجد به السماوات والأرض، ومن كلام الله شرعي ما كان من كلامه مع أنبيائه ورسله ووحيه. التوراة من كلام الله، الإنجيل من كلام الله، الصحف -صحف إبراهيم- من كلام الله، الزبور من كلام الله، القرآن من كلام الله. فالقرآن جزء من كلام الله. فالقرآن كله كلام الله، وليس كل كلام الله قرآن. وأهل السنة والجماعة، إخواني في الله، ما كانوا يخصون مسألة القرآن ببحث، وإنما حسبهم أنهم يشيرون إلى مسألة كلام الله -جل وعلا-، حتى حصلت الفتنة بين أهل السنة وبين المعتزلة في مسألة القرآن: هل هو مخلوق أم غير مخلوق؟ هنا، عند وجود هذه الفتنة، وجد أهل السنة أنفسهم بضرورة فصل القرآن ببحث خاص. بفصل القرآن بماذا؟ ببحث خاص. ولهذا تجد أن من ذكر مسألة الكلام يعرج بعد ذلك إلى مسألة القرآن. المسألة الثانية في مسألة القرآن كلام الله: أن نعلم أن هذه المسألة مما دل عليها الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة. هذه المسألة مما وقع عليها أدلة الكتاب، والمؤلف قد سرد لنا الآيات، وستأتي معنا -إن شاء الله- أدلة السنة على أن القرآن هو كلام الله. كما كان نبيه يناديه في العشائر والقبائل: «يا أيها الناس، من يأويني لكي أبلغ كلام الله؟ من يأويني لأبلغ كلام الله؟» فالسنة دلت، وهكذا الإجماع، إجماع الصحابة ومن بعدهم من التابعين وأتباعهم، الكل متفق على أن القرآن هو كلام الله، لا يعلم عنهم مخالف. المسألة الثالثة من مباحث القرآن: ما هو القرآن؟ القرآن لغةً: مصدر «قرأ»، مصدر «قرأ». «قرأ» قرآنا. وما معنى «قرأ» في اللغة؟ تأتي على معنى «تلا». «قرأ» بمعنى «تلا». وهنا المراد بـ«تلا» اسم مفعول، بمعنى أن القرآن متلو، المراد من معنى «تلا» المفعولية. نقول: «قرئ قرآنا»، فـ«تلا» «تلاوة»، فكيف يكون القرآن «تلا»؟ يقال: المراد هنا ماذا؟ «قرآن» بمعنى «متلو»، أي أن القرآن متلو، اسم مفعول مأخوذ من «قرأ» بمعنى «تلا»، اسم مفعول، فهو متلو. والمعنى الثاني لكلمة «قرأ»: «جمع». كقولهم: «قرأت الماء في الحوض»، «قرأت الماء في الحوض»، «قرأت» بمعنى «جمعت»، جمعت الماء. «قرأ» في اللغة تأتي بمعنى «جمع». وهنا المراد به: كلمة «قرآن» جمع، اسم فاعل. «قرأ» قرآنا، فالمراد هنا ماذا؟ اسم الفاعل، بأن القرآن جامع. «قرأ» قرآنا بمعنى «جمع»، فالقرآن -على هذا الوزن- يدل على اسم الفاعل، أي أنه جامع. لماذا؟ القرآن قيل: جامع لأخبار الأمم، قيل: جامع لأحكام الشريعة، قيل: أنه جامع لخلاص، فهو جامع. فالقرآن جامع. فالقرآن مصدر «قرأ» بمعنى «تلا»، فهو «متلو». أو أن «قرآن» مصدر «قرأ» بمعنى «جامع»، أي أنه جامع. فهذه معاني القرآن لغةً: إما أن يأتي بمعنى «الجمع»، وإما أن يأتي بمعنى «التلاوة». وطبعًا، هذه الأقوال، إخواني في الله، وهذه التخريجات على قولنا بأن القرآن مهموز. وما معنى «مهموز»؟ في «همز قرآن». وهناك تخريج آخر، لكن ما سأذكره: أنه إذا كان القرآن غير مهموز، وأن نطقه: «قرآن»، «قرآن». وهذا مذهب الشافعي -رحمه الله تعالى-، يرى أن القرآن غير مهموز. والشافعي يرى أن القرآن غير مهموز، وأنه «قرآن». على هذا القول: من أين؟ على أي معنى يحمل هذا؟ هذا مبحث آخر، كذلك في باب القرآن. عليك أن تعلم معنى القرآن لغةً، أنك تنظر أولًا إلى لفظه: هل هو «قرآن» مهموز أو «قرآن» غير مهموز؟ فإن كان «قرآن» مهموزًا، فهو مأخوذ من معنيين: إما من معنى «تلا»، فهو «متلو». أو بمعنى «جامع»، فهو جامع. وإن كان القرآن غير مهموز، فهو «قرآن». هذا قال طائفة من الفقهاء. فلو كذلك: معنى آخر وتخريج آخر. ولو أطلنا في هذا المبحث، كذلك مسألة: الثالثة، وهي الأهم: ما هو تعريف القرآن في اصطلاح الشرع؟ القرآن شرعًا: هو كلام الله المنزل على رسوله، غير مخلوق، منه بدى وإليه يعود. قولنا بأن القرآن: «عربنا» ما هو القرآن في اللغة؟ اصطلاحًا: هو كلام الله. ومر معنا -إخواني في الله- مسألة الإضافة: أن الأشياء التي تضاف إلى الله هي على أمرين اثنين: إما أعيان، وإما معان. فإذا وجدنا أن المضاف إلى الله أعيان، فتكون من إضافة ماذا؟ المخلوق إلى خالقه، ويراد من ذلك ماذا؟ التشريف والتعظيم. كـ«بيت الله»، و«ناقة الله»، و«عبد الله». والصورة الثانية من الصورة الإضافة: إذا كان المضاف من المعاني -لا الأعيان-، إنما معان، فإن إضافتها إلى الله من إضافة الصفة إلى موصوفها، من إضافة الصفة إلى موصوفها. وإذا نظرنا -إخواني- إلى مسألة كلام الله، تجد أن الكلام من المعاني، ليست من الأعيان، فليست عينًا تقوم بذاتها، بل هي معنى من المعاني. إذا كلام الله هو من إضافة الصفة إلى موصوفها. فكلام الله صفة، صفة من صفاته. ولهذا تعلم الغلط والخبط الذي عليه المعتزلة، عندما قالوا: أن القرآن كلام الله، أنه من إضافة الخلق إلى مخلوق، إلى خالقه. هكذا تزعم المعتزلة، يقيسون على ذلك: «بيت الله»، و«عبد الله»، و«ناقة الله». وأن تعلم الخطأ في هذا الباب، فكون على دراية بهذا التقسيم، فإنه مفيد. «القرآن هو كلام الله منزل». ستأتي معنا مسألة الإنزال والتنزيل، وما يتعلق بأمر النزول. قال: «على رسوله -صلى الله عليه وسلم-». هذا القيد أخرج سائر الأنبياء والرسل، فالقرآن هو كتاب خاص أنزله الله على محمد. وخرج بذلك التوراة؛ لأنه كتاب خاص أنزله الله على موسى. خرج بذلك الإنجيل؛ لأنه كتاب خاص أنزله الله على عيسى. «غير مخلوق». هذه العبارة، كذلك، ما كان العلماء يذكرونها في حد وتفسير القرآن، حتى حصلت الفتنة، عندما تبنى الجهمية ومعهم المعتزلة قضية أن القرآن مخلوق، بأن القرآن مخلوق. وهذا إنما تفرع على المسألة السالفة، وهو أن كلام الله مخلوق، إذن فالقرآن مخلوق، هو خلق من خلق الله. القرآن إنما هو خلق من خلق الله، لم يتكلم به الرب حقيقة. ولهذا اشترط العلماء في حد القرآن: لا تكتفي أن تقول: «القرآن هو كلام الله منزل»، لا، «غير مخلوق»، حتى تضحد مذهب الجهمية والمعتزلة. وما الدليل على أن القرآن ليس بمخلوق؟ قال العلماء: ما جاء في قوله تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾، هذه الآية فيها إثبات أن الخلق، وأن الأمر إلى الله. وهذه الآية جاءت على أسلوب الحصر؛ لأن فيها تقديم وتأخير. «ألا له الخلق والأمر»، فتقدير الآية: «ألا الخلق له»، «ألا الأمر له»، «ألا الخلق له والأمر له»، لكن لما قدمت وأخرت دل على أن المراد الحصر، على أن الله -جل وعلا- اختص بذلك. فالخلق خلقه، والأمر أمره. بعد هذا سنتجه إلى مسألة: وهي أن الله -عز وجل- اختص بأمرين اثنين: هل الخلق والأمر؟ هل كلاهما واحد؟ الجواب: لا. لماذا؟ لأن الواو تقتضي المغايرة. «دخل محمد وزيد»، «محمد» كائن، و«زيد» كائن آخر، «محمد» كائن، و«زيد» كائن آخر. فالواو تقتضي المغايرة بين المعطوفين. فلما قال -سبحانه-: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾، فالله له الخلق، وله الأمر. «الخلق» بمعنى «المخلوقات»، فهذه المخلوقات هي لله، هي لله. وكذلك ربنا -سبحانه وتعالى- له الأمر، «الأوامر» هي لله، فالله هو الذي يأمر، وهو الذي ينهى، وهو الذي يحكم، وهذا وحيه، وهذا هو وحيه. فالمخلوقات لله، وأمره ووحيه لله -سبحانه وتعالى-. نأتي الآن لو جعلنا سؤالًا: ما هو؟ وهو القرآن: هل هو خلق من خلق الله أم أنه أمر من أمر الله؟ فعلى الجواب ستعرف -يا عبد الله- العقيدة الصحيحة التي ينبغي أن تعتقد في القرآن. فمن أثبت أن القرآن هو خلق من خلق الله، انتهى. ومن أثبت أن القرآن أمر من أمر الله، انتهى. إذ أن القرآن من وحي الله، ووحي الله كلامه وصفته -جل في علاه-. والأدلة قد دلت على أن القرآن أمره ووحيه، وليس خلقًا من خلقه، كما قال -سبحانه وتعالى-: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾، والروح هنا هو القرآن، هو أرواح، وروح القلوب والأبدان. فحكم ربنا -جل وعلا- على أن القرآن هو من أمره، على أن القرآن هو من أمره، واضح الدلالة. افهم هذه، هذه من أعظم الأدلة التي يستدل بها أهل السنة على أن القرآن غير مخلوق: أن الله -سبحانه وتعالى- اختص بأمرين: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾، فالخلق خلقه، والأمر أمره. فالخلق: إيجاد وحدوث. وأما الأمر: فهو صفته ووحيه. فنظروا إلى القرآن إلى من يذهب؟ دلت الأدلة على أن القرآن هو من أمر الله، لا من خلق الله. ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾، لا «من خلقنا». فدل على أن القرآن كلام الله غير مخلوق. ولهذا جعل من صميم تفسير معنى القرآن هذه العبارة: «منه بدى وإليه يعود». «منه بدى وإليه يعود»، هذه العبارة: اللفظة الأولى عندي أهم من الثانية. ولهذا لابد أن تذكر، لابد أن تذكر: «منه بدى». «منه بدى»: ما معنى قول العلماء في تعريف القرآن: أنه «منه بدى»؟ قال: بمعنى أن الله هو الذي بدأ به -سبحانه وتعالى-، أي أن الله هو الذي تكلم به، بدأ القرآن من عند الله، بدأ القرآن «منه بدى»، «منه بدى» أي: بدأ من الله -سبحانه وتعالى-، فيضاف إلى الله وينسب إلى الله. «وإليه يعود»: يفسر على تفسيرين اثنين: إما «وإليه يعود» بمعنى أنه هو، هو «منه بدى»، يعني يكون من باب التوكيد. «منه بدى وإليه يعود» بمعنى واحد، كما يقول بعض الناس: «أنا منذ الصباح أنا أبدي وأعيد في هذا الموضوع»، «أبدي وأعيد» في هذا الموضوع، ما الذي أراد؟ «أبدي وأعيد» أني أبدأ وأكرر هذا الكلام، بمعنى واحد، بمعنى واحد. فأحيانًا «وإليه يعود» بمعنى نفس معنى «منه بدى»، أي: ويعود إلى الله، أي: يضاف إلى الله وينسب إلى الله؛ لأن الله الذي تكلم به. وقيل: «وإليه يعود» بمعنى ما جاءت به بعض الآثار والأحاديث والأخبار: بأن القرآن يرفع من الأرض، بأن القرآن يرفع من الأرض، فلا تجد قرآنا لا في الصحف ولا في الصدور، لا تجد قرآنا لا في الصحف ولا في الصدور. يصبح الناس، فيفتحون المصحف، فيجدونه أوراقًا بيضاء. ويأتي أحد أن يسمع المحفوظ، يجد صدره خاويًا. جاء هذا من حديث حذيفة -رضي الله تعالى عنه- عند الحاكم وغيره، ويحسنه شيخ الألباني -رحمه الله-. فمن قائل: «وإليه يعود» هذا المعنى. هذا المعنى من مباحث القرآن، كذلك -يا عبد الله-. من مباحث القرآن -يا عبد الله-: قول أهل السنة: «القرآن كلام الباري، والصوت صوت القاري». وهذه من العبارات المهمة عند سلفنا لمعرفة ما هو الذي يضاف إلى الله، وما الذي يضاف إلى خلق الله في مسألة القرآن. فالقرآن هناك أشياء في القرآن تضاف إلى الله، وهناك في القرآن أشياء تضاف إلى خلق الله. وهذه العبارة إشارة إلى هذه المسألة: «القرآن كلام الباري، والصوت صوت القاري». «والصوت صوت القاري»، أي: المخلوق، وهو الإنسان. «القرآن» والذي أعنيه به: المتلو، والمسموع، والمقروء، والمحفوظ. انتبه للعبارات هذه: «القرآن» وهو المتلو والمسموع والمحفوظ والمقروء، هذا هو كله كلام الله، كله كلام الله. الذي نتلوه كلام الله، الذي نسمعه كلام الله، الذي نقرأه كلام الله، الذي نحفظه كلام الله، مهما حاملناه بهذه الصور، هو كله كلام الله. وكلام الله صفة من صفاته -سبحانه وتعالى-. فهذا المقصود: «القرآن كلام الباري». لكن التلاوة والقراءة والسماع والحفظ، هذه من أفعال العبد، هذه من أفعال العبد. التلاوة عندما أنت تتلو، القراءة عندما أنت تقرأ، السماع عندما تسمع، الحفظ عندما تحفظ، هذه ما هي؟ هذه أفعال العبد. وأفعال العبد ما بها؟ مخلوقة. أفعال العبد مخلوقة. وهذا الذي أشار: «وقراءة وقراءة»، «وقراءة» «صوت الإنسان»، «صوته»، «صوته». «تلاوتك» من فعلك، «قراءتك» من فعلك. ففرق -يا عبد الله- بين الأمرين، فرق بين الأمرين: بين المتلو والتلاوة، المتلو قرآن، كلام الله، والتلاوة فعلك. فرق -يا عبد الله- بين المسموع والسماع، المسموع هو كلام الله، والسماع هو فعلك. فرق -يا عبد الله- بين المحفوظ الذي يحفظ وبين حفظك، المحفوظ هو كلام الله، وحفظك فعلك. ففرق بين التلاوة والمتلو، والقراءة والمقروء، والسماع والمسموع، والمحفوظ والحفظ. «الصوت أو القرآن كلام الباري، والصوت صوت القاري». حاول -يا عبد الله- أن تفرق بين هذه الأمور، فهذه من المسائل المهمة في مبحث القرآن. وستأتي معنا -إن شاء الله- النقول حول مسألة أهل البدع، كذلك، من مسائل مباحث القرآن. المعرف أن القرآن الذي هو كلام الله هو الحروف والمعاني. هذا من المباحث المهمة: أن القرآن الذي هو كلام الله: الحروف والمعاني، حروفه ومعانيه كلها من الله، كلها من الله. فليس القرآن الحروف من غير معاني، أو المعاني من غير حروف، هذا ليس القرآن، هذا ليس القرآن. القرآن هو اللفظ والمعنى، اللفظ والمعنى. اللفظ والمعنى. فسأت معنى أن القرآن، أن الكلام بشكل عام يقوم على هذين الأمرين: لفظ ومعنى، لفظ ومعنى. لفظ من غير معنى ما يعد كلامًا، ومعنى من غير لفظ لا يعد كلامًا، لا يعد كلامًا. وإنما أردت بهذه المسألة -إخواني في الله- التنبيه على أن القرآن الذي يضاف إلى الله: وهو اللفظ والمعنى، أو الحروف والمعنى. ما جاءت من بعض الأقوال الغريبة من فعل المبتدع، وكما قلنا: والأقوال في هذا الباب كثيرة، من تصورات المبتدعة لمعنى القرآن. فمن مما ذهب إليه جماعة من المبتدع، مبتدع: أنهم فرقوا بين الحروف وبين المعاني، فرقوا بين الحروف وبين الألفاظ، أو يقول: بين المعاني والألفاظ. الألفاظ والحروف بمعنى، والمعاني بمعنى. فوجد طائفة من المبتدع يقولون: أن المعنى -معنى القرآن- نعم هو كلام الله، المعنى القرآن هو كلام الله، وكلام الله قائم في نفسه، قائم في نفسه. معنى «قائم بنفسه»: أنه لا يسمع، أنه لا يسمع، ليس له صوت. فهم يثبتون كلام الله، لكنه كلام قائم في النفس، قائم في النفس. فالمعنى قائم في ذات الله. قالوا: أما الحروف، وهي الألفاظ، قالوا: بأنها مخلوقة. أما الألفاظ -ألفاظ القرآن-، حروف القرآن، فهي مخلوقة. فعندهم أن الذي تكلم بالقرآن هو جبريل -عليه السلام-. فزعموا على هذا أن القرآن على قسمين: قسم معنى، وقسم لفظ. فالمعنى هذا قائم في ذات الله، والألفاظ هذا قائم في خلق من خلق الله. فالقرآن عندهم: معنى ولفظ، إلا أن المعاني لله، والتلفظ لغير الله -سبحانه وتعالى-. وهذا من أشنع الأقوال، ومن أبطلها. وهؤلاء اتخذوا قولًا وسطًا؛ لأنه مع أهل السنة، فأثبتوا المعنى واللفظ لله، قال: هو كلام الله. ولهم ذهبوا مع الجهمية ممن قالوا: أن اللفظ والمعنى مخلوق، وإنما هذا جلس هنا أعطوا أهل السنة وجهًا، قالوا: «يا أهل السنة، نحن معكم: القرآن كلام الله». وإذا جاء عند الجهمية والمعتزلة، قالوا: «معكم: القرآن مخلوق». فيأتي واحد يقول: «يا أخي، أنت حدد موقفك، أنت مع من؟» هذا يقولون: «كلام الله صفة من صفاته». وهؤلاء يقولون: «القرآن هو كلام الله، أنه خلق من خلقه». وتكيف مع هذا بوجه، أنت منافق. يقول: «أنا منافق، لكن أنا عقيدتي أخذت من هؤلاء: على أن القرآن هو كلام الله، لكنه قائم بالنفس، المعنى قائم بالنفس». وأخذت من هؤلاء: بأن القرآن هو مخلوق من حيث اللفظ. فجمعت بين الأمرين؛ فإن القرآن معنى ولفظ، فالمعنى صفة، واللفظ خلق. وهذا قول الأشاعرة. وهذا قول الأشاعرة. وبهذا نعلم بطلان هذا الأمر. لهذا يصرح أهل السنة والجماعة: أن المقصود بالقرآن هو كلام الله: الحروف والمعاني، معناه ولفظه، معناه وحروفه هي كلها من عند الله، كلها من عند الله -سبحانه وتعالى-. كذلك من مسائل متعلقة بهذا الباب، من مسائل مباحث القرآن: أن الله -جل وعلا- هو الذي تكلم بالقرآن. انتهينا من هذا. هذا قول أهل السنة. المبتدع خالفوا على أشكالهم، على ألوانهم، يرون أن الذي تكلم بالقرآن: جبريل. على أن الذي تكلم بالقرآن: جبريل. قد يبقى السؤال البدهي والبديهي: يقال لكم -يا أشاعرة-، يا من تريدون، يا كلابية، يا جهمية، يا معتزلة: منذ الصباح، وأنتم تدندنون على أن القرآن هو كلام جبريل، هو كلام جبريل. تقول: «الله» نقول: «نحن نتق الله». «نحن ما أتينا بهذا من عند أنفسنا، وإنما هذا هو من كلام الله -جل وعلا-، أن الله أخبرنا بأن القرآن هو كلام جبريل». سبحان الله! أين هذا؟ قال في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾، طبعًا المقصود به: جبريل -عليه السلام-. الآية: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾، والخطاب حق جبريل -عليه السلام-. فالله -عز وجل- أخبر أن جبريل هو الذي تكلم بالقرآن، على أن جبريل هو الذي تكلم بالقرآن. ولهذا تجد الجهمية والمعتزلة والأشاعرة والكلابية: كلهم على هذه الآية، خذوها وجعلوها أصلًا. فمنهم من يرى أن جبريل بأن كلام الله -جل وعلا- خلق في جبريل، وجبريل أخذ، فقالوا: «القرآن مخلوق». ومنهم الأشاعرة يقول: «لا، بأنه كلام معنى قائم في الله، فأوحى الله إلى جبريل بهذا الكلام، فتكلم به جبريل». هم متفقون على أن الله ما تكلم، ثم اختلفوا مسألة الخلق، ومسألة ماذا؟ التعبير. مسألة الخلق، أو مسألة التعبير: أن جبريل يعبر عن ما في نفس الله. وكل استدلالاتهم على هذه الآية: ﴿وَإِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾، فأخبر ربنا أن جبريل هو الذي يتكلم بالقرآن. كيف الرد على هؤلاء؟ -إخواني في الله- من عدة أوجه. وهذه من المسائل المهمة التي تفيدنا، وها نحن نسير في فهم مسألة القرآن كلام الله. أولًا: أن الأدلة الكثيرة المتكاثرة تدل على أن الله هو الذي تكلم بالقرآن. وما عندنا من الأدلة هي المحكم، وما عندنا من الأدلة هو المحكم. وأن هذه الآية: فهي من المتشابه من المتشابه من القرآن. والقاعدة: أن ما تشابه من القرآن يعاد إلى المحكم، حتى يصير الكل محكم. هذه القاعدة التي يسير عليها أهل الرسوخ في العلم؛ لأننا نعمل باب التناقض في هذا الأمر. والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.