الحشر في الدنيا

الخطبة بعنوان الحشر في الدنيا، والتي كانت بمسجد السنة بدار الحديث بمنطقة طيبة بتاريخ 27 صفر 1444هـ الموافق 23 سبتمبر 2022م ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

وصف يوم القيامة وأهواله

يوم القيامة يوم عظيم ومرعب، وصفه الله بأنه يوم عبوس قمطرير وتذهل فيه كل مرضعة عما أرضعت. الناس يصعقون عند النفخة الأولى ثم ينبتون من عجب الذنب عند النفخة الثانية.

الحشر وأرض المحشر

الحشر يكون في الدنيا قبل الساعة وفي الآخرة، وأرض المحشر هي أرض الشام كما ورد في الأحاديث النبوية. الناس يحشرون إلى الشام إما بجيوش أو بالنار التي تخرج من قعر عدن.

تفاصيل حشر الناس إلى الشام والاستعداد ليوم الحشر

الناس يحشرون إلى الشام بطرق مختلفة، إما برغبتهم أو نتيجة لآفة أو بقوة النار. ينبغي للمؤمن الاستعداد ليوم الحشر بالأعمال الصالحة ليكون من الراغبين في الخير والراهبين من عذاب الله.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾، ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا﴾، ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقواه وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما﴾. أما بعد، فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، إن المؤمن يخاف يوما كان شره مستطيرا، يوما عبوسا قمطريرا، ذلك اليوم العظيم الذي ذكرنا الله عز وجل به، وأخبرنا سبحانه وتعالى نبأه، ووصفه ربنا جل وعلا أعظم وصف. ذلك اليوم الذي بيّنه ربنا سبحانه وتعالى حتى إنا نراه كرأي العين، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام فيما أخرجه الإمام أحمد والترمذي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه: «من سره أن ينظر إلى يوم القيامة رأي عين فليقرأ: إذا الشمس كورت، وإذا السماء انفطرت، وإذا السماء انشقت». فهذه السور العظيمة وصف ربنا جل وعلا ذلك اليوم العظيم، يذكرنا ربنا سبحانه وتعالى حتى نعلم، وحتى نستعد، ونعد العدة لذلك اليوم، ونحسب لها الحساب، ونتذكر أننا راجعون إليه سبحانه وتعالى. فإن الله عز وجل بيّن لنا، وكذلك وصف لنا ذلك اليوم العظيم، يوم نحشر إليه سبحانه وتعالى، ويوم يرجع الناس إلى ربهم سبحانه وتعالى، ويجازيهم، فمن كان محسنا فبإحسانه، ومن كان مسيئا فهو تحت مشيئة الله جل وعلا، إن كان من أهل التوحيد. فلهذا عباد الله، فإن ذلك اليوم وصفه ربنا جل وعلا بوصف عظيم، وكذلك وصف يبين عظمة ذلك اليوم، وبيّن أنه مالكه سبحانه وتعالى، وأبر الناس إليه جل وعلا. وبيّن ربنا جل وعلا ونبيه صلى الله عليه وعلا أنه جل وعلا يأمر الملك أنه ينفخ في الصور، كما قال جل وعلا: ﴿ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون﴾. فهذه النفخة عباد الله، أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن الناس يمكثون بين النفختين أربعون، قالوا: يا أبا هريرة أربعون سنة؟ قال: أبيت، قالوا: أربعون شهرا؟ قال: أبيت، قالوا: أربعون يوما؟ قال: أبيت. أي أنني لا أخبركم بذلك؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام لم يخبر بذلك، وإنما قال: «بين النفختين أربعون» أي بين النفختين أربعون، ولم يذكر نبي الله صلى الله عليه وعلا هل هي سنة أو شهر أو يوما؛ لتعظيم ذلك الأمر، فيمكث الناس بين هاتين النفختين أربعون. فإذا نفخ في الصور صعق من في السماوات والأرض، فكل شيء يبلى من الإنسان ويذهب ويموت إلا عجب الذنب، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام، وعجب الذنب هو العظم آخر الظهر، يسمى عجب الذنب، فهذا الذي يبقى. فيرسل الله عز وجل ماء من السماء فيسقى، فينبت كما ينبت البقل، أو قال النبي عليه الصلاة والسلام: كما تنبت الحبة في حميل السيل. فهذا عباد الله يكون في ذلك اليوم الشديد الذي وصفه الله عز وجل بالذهول، ووصفه الله عز وجل أيضا كذلك أن الناس يستغربون في ذلك الوقت، فقال جل وعلا: ﴿إن زلزلة الساعة شيء عظيم يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد﴾. ويقول ربنا جل وعلا: ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا إن وعد الله حق﴾. فربنا جل وعلا ذكرنا بذلك اليوم، وأيضا كذلك عباد الله، فإن الله عز وجل يحشرنا قبل هذه النفخة، يحشر الناس في ذلك اليوم العظيم. والحشر عباد الله جاء على نوعين: حشر في الدنيا، وحشر في الآخرة، أما الحشر في الدنيا فهو يكون قبل الساعة، الحشر في الدنيا عباد الله يكون قبل الساعة كما جاء في صحيح مسلم في حديث أبي سريحة حذيفة بن أسيد رضي الله عنه قال: «تذاكرنا الساعة فأشرف علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما تذاكرون؟ قلنا: نتذاكر الساعة يا رسول الله، قال: إنها لا تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات، ثم ذكر هذه العشر آيات، ثم قال: وآخر ذلك نار تخرج من قعر عدن تحشر الناس، تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا». فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «نار تخرج من قعر عدن»، وفي حديث أبي هريرة قال: «تخرج نار من حضرموت تسوق الناس إلى محشرهم» تسوق الناس إلى محشرهم. فبيّن النبي عليه الصلاة والسلام أن الناس يحشرون بهذه النار، وأرض المحشر عباد الله بيّنها النبي عليه الصلاة والسلام في حديث كثيرة أنها أرض الشام، أي يحشر الناس في تلك الأرض أرض الشام. صح من حديث ميمونة وأبي ذر في الشواهد أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «أرض الشام أرض المحشر والمنشر»، وصح أيضا عن النبي عليه الصلاة والسلام في حديث كثيرة سنذكر بعضها أن أرض المحشر قبل القيامة هي أرض الشام. عباد الله، وقد جاء أيضا كذلك عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه أومى إلى أرض الشام وقال: «هذه أرض المحشر» كما صح ذلك عند الترمذي عن عبد الله بن عمر. فلهذا علمنا يقينا أن الأرض التي يحشر الناس إليها يوم القيامة هي أرض المحشر. وأخرج أحمد وأبو داود عن عبد الله بن حوالة رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «تجيش جيوش: جيش بالشام، وجيش باليمن، وجيش بالعراق»، فقال عبد الله بن حوالة: «خر لي يا رسول الله -أي اختر- أي الجيوش أذهب؟ فقال: عليك بالشام؛ فإنها خيرة أرض الله في ذلك الزمان»، قال: «فإن أبيتم فعليكم بيمانكم؛ فإن أبيتم فعليكم بيمانكم». فهذه أرض المحشر كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام، فنسأل الله جل وعلا بمنه وكرمه أن يغفر لنا وأن يرحمنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من عباده الصالحين، والحمد لله رب العالمين. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فعلمنا عباد الله أن هناك حشر قبل حشر يوم القيامة، حشر يكون في الدنيا، يحشر الله عز وجل الناس في تلك الأرض، وهي أرض الشام أرض المحشر والمنشر، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام. فيجمع الله عز وجل فيها الناس على طرق كما جاء في الأحاديث الصحيحة، أخرج الإمام البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «يحشر الناس على ثلاث طرائق: يحشر الناس يوم القيامة على ثلاث طرائق: راغبين راهبين، واثنان على بعير، وثلاثة على بعير، وأربعة على بعير، وعشرة على بعير، وبقية الناس تحشرهم النار، تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا، وتُصبح معهم حيث أصبحوا، وتمسي معهم حيث أمسوا». وجاء في حديث أبي ذر أنه «من تبقى تأكله النار» أي من بقي ولم يذهب تأكله النار، وجاء أيضا كذلك في حديث ابن عمر أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إن تجركم الملائكة تجركم الملائكة نحو المحشر»، قالوا: إلى أين يا رسول الله؟ وجاء في لفظ: وأين أرض المحشر يا رسول الله؟ فأشار إلى الشام. فأشار إلى الشام عليه الصلاة والسلام، فبين في هذا الحديث أن الناس يحشرون إلى تلك الأرض، وجاء في حديث أبي ذر عند أحمد والترمذي بإسناد صحيح أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «يحشر الناس ثلاثة أفواج: يحشر الناس ثلاثة أفواج: فوج راكبين طاعمين كاسين، ومنهم من يمشي، ومنهم من يُحمل على بعير، ثم يجعل الله عز وجل آفة فلا يجد أحد بعيرا أو راحلة يركب عليها، فيمشون ويسعون، وإن الرجل ليبيع حديقته بناقة؛ من قلة الرواحل». وهذا الحديث يبين فيه النبي عليه الصلاة والسلام أن الناس يذهبون إلى أرض الشام على ثلاثة طرق: الطريق الأول من يذهب راغبا وراهبا، والمراد راغب وراهب أي راغب في تلك الأرض التي فيها خيرة الناس، وعند أهل الصلاة، فيذهب من أرضه إلى تلك الأرض، وراهب أي راهب أنه يقع في الفتن، ويقع كذلك فيما يغضب الله، فيذهب إلى تلك البلاد التي أشار إليها نبي الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهؤلاء يذهبون قبل أن تقع يوم القيامة، وقبل أيضا أن تحشر الناس النار، يذهبون برغباتهم، ويذهبون خوفا من ما يقع من الفتن في البلاد، فيذهبون إلى تلك الأرض، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «راغبين راهبين». وفي حديث أبي ذر: «يلبسون ويطعمون» أي يأكلون ويلبسون ويركبون، وكأنهم ليس هناك ما يفزعهم، وهذا كما قال العلماء يدل على أنهم يذهبون رغبة في الشام، فيذهبون في مركوباتهم، يأكلون في الطريق، ويلبسون، أي أنهم على أمان. وأما الآخرون فإذا وقع ما وقع فيجدهم يعجلون برواحلهم وبمركوباتهم فيذهبون، فالرجل يذهب مع الرجل، وثلاثة على البعير، والأربعة على البعير، وليس المراد أنهم أربعة يركبون، وإنما يتعاقبون عليه، وكذلك العشرة على البعير؛ لقلة الظهر، أي لقلة ما يركبونه؛ لأن الله عز وجل قرب يوم القيامة يلقي آفة على الحيوانات فتموت كل الحيوانات والسباع إلا قليلا. فلهذا يكون الظهر، الرجل يعطي الحديقة بكاملها -أي المزرعة بكاملها- لأجل ظهر واحد، أي لأجل ناقة واحدة، ولأجل أن يتحصل على هذه الناقة فيخرجوا من هذه الأرض إلى أرض الشام. ثم ما بقي أو من بقي من الناس فإنهم تحشرهم النار، أي يخرجون بالقوة، أولئك الأولون يخرجون برغباتهم، أما الآخرون فتخرجهم النار كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: «تخرج من قعر عدن، ثم تأتي من جهة حضرموت فتحشرهم إلى الشام»، الظاهر أنها تخرج من قعر عدن هذه النار العظيمة، ثم تأتي إلى حضرموت، ثم تمشي إلى الشام، فتجتاز الجزيرة كلها، فتجتاز جزيرة العرب كلها حتى تصل إلى الشام كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام. فلهذا فمن لم يذهب برغبته يذهب بقوة، حتى كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن الملائكة تتجره أن الملائكة تتجرهم إلى أرض المحشر، قالوا: أين أرض المحشر يا رسول الله؟ قال: فأومأ بيده إلى الشام. فلهذا عباد الله، في هذا الحديث يبين الله عز وجل، يبين النبي عليه الصلاة والسلام أن الناس يحشرون إلى تلك الأرض أرض بيضاء يبدلها الله عز وجل، فلا يجعل لأحد فيها فلا يجعل لأحد فيها شيء من بناء ولا غيره، وإنما تكون أرض بيضاء ملحة، أي فيها شيء من الغبار، ولكنها ليست لأحد فيها شيء. وليس للمؤمن أو ليس للإنسان إلا موضع قدمه، كما أخرج ذلك البزار والطبراني بإسناد صحيح، وصححه الشيخ الألباني، أي ليس للإنسان في تلك الأرض إلا موضع قدمه فقط، موضع قدميه فقط، هذا الذي يملكه من تلك الأرض. فيحشر الناس في تلك الأرض، ثم ينفخ الله عز وجل أو يأمر الله عز وجل الملك فينفخ في الصور، فيصعق من في ذلك المكان إلا من شاء الله عز وجل، ثم ينفخ فيه نفخة أخرى فيقومون بعد أربعين كما أخبر ربنا جل وعلا. فهذا الحشر هو حشر قبل يوم القيامة، وبإذن الله جل وعلا في جمعة أخرى نذكر الحشر الذي يكون يوم القيامة، وهو على نوعين: حشر إلى أرض الحساب، وحشر إلى جنة أو إلى نار والعياذ بالله. فالعياذ عباد الله، فهذا اليوم الذي يحشر الناس فيه هو يوم عظيم ينبغي للمؤمن أن يستعد لذلك اليوم، ويحسب له الحساب، ويستعد بأعماله الصالحة حتى يكون من الراغبين الراهبين الذين يذهبون بطوعهم، والذين يذهبون رغبة في الخير ورغبة في دين الله جل وعلا. فنسأل الله عز وجل التوفيق والسداد والعون، والحمد لله رب العالمين.