التعليق على شرح قصيدة عنوان الحكم للشيخ عبد الرزاق العباد 3

الدرس في التعليق على شرح قصيدة عنوان الحكم للشيخ عبد الرزاق العباد 3، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

تحذير الناظم من حرص الإنسان على المال

يتناول هذا الفصل تحذير الناظم من خطورة حرص الإنسان على جمع المال وتأثيراته السلبية على دينه، ويشرح كيف يؤدي هذا الحرص إلى تضييع الواجبات وارتكاب المحرمات. يستشهد بحديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي يضرب فيه مثلاً لحرص المرء على المال والشرف لدينه.

خطورة التعلق بالدنيا

ينبه الناظم رحمه الله إلى خطورة التعلق بالدنيا وجمع المال على حساب الدين، ويحذر من أن يكون الحرص على الدنيا هو مبلغ علم الإنسان وغاية مقصوده. يشير إلى أن الدنيا متاع زائل ولا ينبغي أن تكون في القلب.

أهمية العمل الحلال لسد الحاجة

يشرح هذا الفصل أهمية العمل لكسب الرزق الحلال لسد حاجة النفس والأهل، ويعتبره عملا صالحا ومحمودا. بينما يذم انكباب المرء على الدنيا وجعلها أكبر همه، ويشير إلى أهمية ترك الورثة أغنياء وتجنب إهمال من يعولهم الإنسان.

الدعاء للنبي صلى الله عليه وسلم

يتضمن هذا الفصل الدعاء للنبي محمد صلى الله عليه وسلم بالصلاة والسلام عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، ويعتبر هذا الدعاء من السنن المستحبة في الإسلام.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الناظم أبو الفتح البستي رحمه الله في منظومته «عنوان الحكم»: ويا حريصا على الأموال تجمعها أنسيت أن سرور المال أحزان. قال الشارح -وفقه الله-: «ويا حريصا على الأموال تجمعها» أي كانت يشغلك الشاغل واهتمامك البالغ، «أنسيت أن سرور المال أحزان» يعني هل انكبابك على جمع المال وانصرافك بكليتك إليه -والمراد بذلك من شغله جمع المال عن طاعة الله والعمل للآخرة- قال: هل أنت بكليتك إليه؟ هل أنسيت أن سرور المال أحزان؟ يعني اللذة التي يحصلها المرء في تحصيله للأموال والملذات التي أيضا تكتنف ذلك، أنسيت أنها أحزان؟ أي فيما تأول إليه وتفضي بصاحبها إليه، فإذا كان طريق جمع هذا المال بتضييع الواجبات أو بارتكاب المحرمات فإنه بهذا سيعاقب وسيحاسب، وربما يكون من عقابه دخول النار، عياذا بالله، فماذا استفاد من جمع هذه الأموال إلا الحزن والألم. قال: وهو ينبه هنا -رحمه الله- على الحال التي يؤول إليها من كان بهذه الصفة، حريص على المال والمال هو أكبر همه، ولو كان على حساب دينه لا يبالي، وهذا هو المذموم، أن يكون الحرص على المال وجمع المال على حساب الدين. أما إذا لم يكن في ذلك شيء مما ينقص دينه أو يعارض دينه فلا حرج أن الإنسان يعمل ويكتسب ويتاجر وتكثر أمواله، فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «نعمة المال الصالح للرجل الصالح»، ويقول عليه الصلاة والسلام: «خير كسب الرجل ما عمل يده»، وفي حديث آخر: «خير ما أكل أو ما كسب الرجل كسب يد عامل إذا نصح»، نعم، فهذه الأحاديث تدل على أنه لا بأس للإنسان أن يعمل ويكتسب ويتحصل على المال، لكن لا يكون هذا على حساب دينه، المذموم أن يكون هذا على حساب الدين. قال: والنبي صلى الله عليه وسلم ضرب لنا في هذا الباب مثلا عجيبا، رواه الإمام أحمد في المسند وغيره، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما أجد جائعان أرسل في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه»، قال: كيف يكون الأمر لو جئ بذئبين جائعين ووضعا في زريبة غنم، كيف ستكون ويصير حال تلك الغنم في تلك الزريبة مع وجود هذين الذئبين الجائعين؟ ومعلوم أن الذئب إذا هجم على الأغنام لا يكتفي بأخذ واحدة منها يأكلها ويمضي، بل معروف بالإفساد، يأكل ويفسد، يعني يقتل هذه وينهش هذه ويعض هذه، فما يبقي منها واحدة، فكيف إذا كان هو في غاية من الجوع؟ بل زد على ذلك أن معه ذئب آخر مثله، قال: «يقتل هذه ويجرح هذه ويصيب تلك»، فلو وضع ذئبان جائعان في زريبة غنم ستكون الغنم جميعها ما بين قتيل وجريح، وفي الغالب لن يسلم منها واحدة، فهذا مثل ضربه النبي عليه الصلاة والسلام للشخص الذي انصب حرصه على المال والشرف، وصار هذا اهتمامه ومطلبه في هذه الدنيا، المال أو الشرف، رئاسة أو زعامة، إلى غير ذلك، يعني من المناصب والمسؤوليات، فحرصه على المال وحرصه على الشرف، رئاسة وزعامة وغير ذلك، لا يبالي معها بما خرب من دينه وضاع من تقربه لربه، والمعنى أنه بهذا يفسد دينه إفسادا عظيما كإفساد هذين الذئبين لهذه الأغنام، فلا يبقي من دينه شيئا بسبب حرصه على المال والشرف. قال: فكما أن الذئبين الجائعين يفسدان في الغنم أعظم إفساد إذا جعل معها في زريبة، فمثل هذا عندما يكون قلب الإنسان مصبا في اهتمامه على جمع المال وتحصيل الشرف، فهذا يترتب عليه من الآثار الكثيرة في ضياع دينه وفساد إيمانه، وهذا شيء مشاهد، قد ترى بعض من تعلق قلبه بالدنيا وحرص على هذه الحياة الفانية، كيف أنه لا يبالي بما فعل من أجل الحصول على المال، فهو مستعد أن يترك الطاعات والفرائض والواجبات، ومستعد أن يرتكب المحرمات، مستعد أن يغش، أن يخادع، أن يزور، أن يسرق، أن يغصب، كذلك أن يقتل من أجل أن يحصل على المال، انظروا كيف أفسده حرصه على المال إفسادا عظيما. قال الناظم رحمه الله: زع الفؤاد عن الدنيا وزينتها فصفها كدر والوصل هجران. قال: ثم يقول رحمه الله ناصحا: «زع الفؤاد عن الدنيا»، ومعنى زع، أي كف، «زع الفؤاد عن الدنيا» أي كفه عن الدنيا، الفؤاد عن القلب، قال: كف قلبك عن الانصراف إلى الدنيا والانكباب عليها، يمنعه من ذلك، أي لا تجعل القلب متعلقا بالدنيا حريصا عليها، وليس معنى هذا أن الإنسان لا يكون عنده شيء يكتسب به ويسد به حاجته، ليس هذا المقصود، المقصود هو الحرص والاعتناء بجمع المال ولو كان على حساب الدين، أما إذا كانت الدنيا في يدي الإنسان لا في قلبه فهذا لا حرج عليه، كما كان الصحابة رضوان الله عليهم، كانت الدنيا في أيديهم ولم تكن في قلوبهم، وما ضرهم هذا شيئا، إنما الضرر عندما تكون الدنيا في القلب، تكون الدنيا في القلب وربما يتحصل على شيئا منها في يديه، وقد لا يتحصل على شيئا منها وربما يكون فقيرا، لكن قلبه معلق بحب الدنيا، فتجده في غاية من الهموم والغموم، وكذلك إفساد لقلبه وفؤاده بسبب ذلك، مع أنه لم يتحصل على الدنيا من شيء. قال: «زع الفؤاد عن الدنيا وزينتها فصفها كدر والوصل هجران»، قال: صفه الدنيا كدر، لأن كل ما يحصله الإنسان من أمور الدنيا كدر في تحصيله، وأيضا كدر في الخوف من فقده، صفه الدنيا يعني ما يصف له منها ويتحصل عليه من مال أو جاه أو سلطان أو غير ذلك من أمور الدنيا ومتاعها، فهو كدر، فهو كدر، يعني أنه مما يتكدر عليه، فلا يحصل له فيه الراحة وطمانينة، وهو معرض للزوال ومعرض للتلف ومعرض للفقدان، فلهذا هو في خوف عظيم على فقد هذا المال، قال: «فصفها كدر والوصل هجران»، والوصل أي القرب من كل شيء منها هو في الحقيقة هجران، والهجران هو البعد، فكأنه يقول: أنك ما حصلت ووصلت شيئا من الدنيا إلا في الحقيقة أنك ستهجره وتبتعد عنه. قال: بهذا البيت والأبيات التي قبلها يحذر من الانكباب على الدنيا والانشغال بها، وأن تكون الدنيا هي مبلغ علم الإنسان وغاية مقصوده، ولا يعني ذلك تعطيل الانتفاع بالمباح منها أو تعطيل كسب الرزق، كما ذكرنا، ليس معنى ذلك أن يعطل الإنسان الانتفاع بما أباح الله، فالله عز وجل يقول: ﴿فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله﴾، وقال: ﴿فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور﴾، الله عز وجل أباح للإنسان أن يسعى في هذه الأرض لطلب المكاسب والمعاش بالطرق المباحة، فهذا أمر لا غبار عليه، وإنما المذموم كما سمعتم التعلق بهذه الدنيا والحرص عليها على حساب الدين. قال: وفي الدعاء قال عليه الصلاة والسلام: «اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا»، أي لا تجعل الدنيا أكبر هم نهتم به ونحرص عليه، ولا أيضا مبلغ علمنا ما يبلغ إليه علمنا ومعرفتنا، قال: فهذا الذي يذم أن تكون الدنيا أكبر هم الإنسان ومبلغ علمه، أما كون الإنسان يأخذ نصيبا من الدنيا لا يشغله عن الآخرة ولا يصرف عن الاهتمام بما خلق له، بل يجعله عونا له على ما خلق لأجله وأوجد لتحقيقه، فهذا يحمد ويؤجر عليه، ولهذا كان السلف يمدحون من يكتسب ويعمل ليسد حاجته ويكف نفسه عما في أيدي الناس، كان كثير من السلف يعملون، تجدون في تراجم الحفاظ من أهل الحديث: فلان الزيات، فلان البزاز، فلان الحناط، فلان الحذاء، كلها نسب يعني حرف متسبون إليها، كانوا يعملون ويحترفون حتى يسدوا حاجتهم بذلك، وكان سفيان الثوري رحمه الله يقول: «لو لهذه الدراهم لتمندل بنا الناس»، يعني لأذلونا، لو لهذه الدراهم لتمندل بنا الناس، فكون الإنسان يعمل ويكتسب ويسد حاجته بطلب الرزق الحلال هذا أمر حسن، وليس يعتبر من انكباب على الدنيا والإعراض عن الآخرة، بل هذا مفهوم منكوس معكوس. قال: ويدخل في عمل العبد الصالح إذا احتسب في كسب الرزق وتحصيل المال أن يكف نفسه عن الحاجة إلى الناس، وأن يتحقق بذلك غنى أهله وأولاده، يعني يعتبر هذا من العمل الصالح، كون الإنسان يسعى إلى سد حاجة أهله هذا يعتبر عمل صالح يؤجر عليه، وقد جاء في حديث في صحيح الشيخ الألباني رحمه الله أن الصحابة رأوا رجلا نشيطا في العمل والتكسب، فقالوا للنبي عليه الصلاة والسلام: «لو كان هذا في سبيل الله لو كان هذا نشاطه في سبيل الله لكان أفضل»، فقال النبي عليه الصلاة والسلام مبينا لهم: «أن تكسب الإنسان لسد حاجة من أهل أو ولد أو والدين أن هذا في سبيل الله»، فأخبرهم أنه إذا خرج يسد حاجة أولاده أو حاجة والديه أو حاجة زوجته فهو في سبيل الله، أخبرهم عليه الصلاة والسلام أنه في سبيل الله، إذا كون الإنسان يعمل ويكتسب ويسد حاجة أولاده هو مأجور على ذلك ويعتبر في عمل صالح. قالوا: وعدم احتياجهم يعني إلى غيره، «إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير لك من أن تذرهم عالة يتكففون الناس»، نعم، قال هذا النبي صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه لما مرض وأراد أن يتصدق بماله كله، أرشده النبي صلى الله عليه وسلم أن يترك شيئا من ماله للورثة، وأنه كون يتركهم أغنياء خير من أن يتركهم عالة فقراء يتكففون الناس ويسألون الناس، فدل هذا على أن إغناء الإنسان لمن تحت يده هذا مما يؤجر عليه، ولهذا إذا قصر في ذلك كان آثما، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كفى بالمرء إثما أن يضيع من يعول»، كفى بالمرء إثما أن يضيع من يعول، وجاء بلفظ: «كفى بالمرء إثما أن يحبس عمن يملك قوته»، كفى إثما أن هذا يعتبر إثم عظيم أن يحبس ما يجب الإنفاق عليه من من تحت يده من يملك قوته والإنفاق عليه فلا يفعل ذلك. قال: فهذا كله لا يذم، لكن الذي يذم هو انكباب المرء على الدنيا وجعلها أكبر همه ومبلغ علمه. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.