الدرس في التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 53، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
شرح معنى الجاهلية ومدلولها اللغوي والشرعي، وتناول أنواع الجاهلية وتقسيمها إلى جهل بسيط وجهل مركب. وتوضيح أن الجاهلية تعني عدم العلم أو اتباع ما يخالف الحق.
تحذير النبي صلى الله عليه وسلم من اتباع سنة الجاهلية والعادات السيئة التي كانت تمارس في الجاهلية، وتحريم الصلاة في المقابر والمذبح، وعدم الانتفاع بآثار المعذبين.
تطبيق مفهوم الجاهلية في ديار الإسلام، وبيان أن الجاهلية المطلقة لا توجد في ديار الإسلام، بينما الجاهلية المقيدة قد تقوم في بعض ديار المسلمين أو في بعض الأشخاص.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد، فذكر الشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله حديث ابن عباس الذي أخرجه البخاري «أبغض الناس»، قال النبي صلى الله عليه وسلم «أبغض الناس إلى الله ثلاثة: ملحد في الحرم، ومبتغ في الإسلام سنة الجاهلية، ومطلب دم امرئ بغير حق ليريق دمه». ثم ذكر هؤلاء الثلاث، ثم قال: والسنة الجاهلية كل عادة كانوا عليها، فإن السنة هي العادة، وهي الطريقة التي تتكرر لنوع من الناس مما يعدونه عبادة أو لا يعدونه عبادة. يريد أن يثبت الآن الشيخ أن المراد بسنة الجاهلية ما اعتادوه من أعمالهم، سواء كانت عبادة أو غير عبادة، لكن اعتادوا مثل هذه الأشياء المنكرة، هذا يسمى جاهلية. والمراد هنا «ومبتغ في الإسلام سنة الجاهلية» أي طريقة أهل الجاهلية من المآثم والصياح عند الموت وكذا النياحة والفخر بالأحساب والطعن في الأنساب وغيرها من هذه الأمور، واحتقار الناس. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم «إنك امرؤ فيك جاهلية». قال: ولا يعدونه عبادة. قال الله تعالى ﴿قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض﴾، وقال النبي عليه الصلاة والسلام «لتتبعن سنن من كان قبلكم». والاتباع هو الاقتفاء والاستنان، فمن عمل بشيء من سننهم فقد اتبع سنة جاهلية، وهذا نص عام يوجب تحريم متابعة كل شيء من سنن الجاهلية. ولهذا لما نزل قول الله جل وعلا ﴿والذين هم عن اللغو معرضون﴾، جاء مجاهد أنهم كانوا يتركون عياد الكفار من المهرجان والنيروز، هذه كانت عيادا للمجوس ولغيرهم يفعلها أهل الجاهلية. فكان بعض الناس من العرب إذا جاء وقتها عيدا فرح بهذه الأعياد، فقال الله عز وجل ﴿والذين هم عن اللغو معرضون﴾، وقال مجاهد: اللغو هو أعياد الجاهلية. قال: ولفظ الجاهلية قد يكون اسما للحال، وهو الغالب في الكتاب والسنة، وقد يكون اسما لذي الحال. قد يكون اسما للحال، حال السنة التي كانت في الجاهلية، وقد يكون اسما لذي الحال، أي الذي يفعل ذلك الفعل، وهم أهل الجاهلية. قال: فمن الأول قول النبي عليه الصلاة والسلام لأبي ذر «إنك امرؤ فيك جاهلية»، وقول عمر «إنا كنا نعتكف ليلة هذا في الجاهلية»، هذا وصف للحال نفسه، حال الجاهلية. وقول عائشة «كان النكاح في الجاهلية على أربعة أنحاء»، وهذا حديث أخرجه البخاري في ذكر عائشة رضي الله عنها النكاح الذي كان عليه الجاهلية. قالوا أيضا قولهم «يا رسول الله، كنا في جاهلية وشر»، وهذا قول ضمرة بن جندب كما في الصحيحين، لما سأل النبي عليه الصلاة والسلام، أي في حال جاهلية أو طريقة جاهلية أو عادة جاهلية ونحو ذلك، فإن الجاهلية وإن كانت في الأصل صفة، لكنه غلب عليه الاستعمال حتى صار إسما لتلك الفترة الزمنية التي هي قبل الإسلام، ومعناه قريب من معنى المصدر. وأما الثاني، فتقول «طائفة جاهلية»، و«شاعر جاهلية»، وذلك نسبة إلى الجهل الذي هو عدم العلم، وهذا وصف لذي الحال أو عدم اتباع العلم. فإن من لم يعلم الحق فهو جاهل جهلا بسيطا، فإن اعتقد خلافه فهو جاهل جهلا مركبا. الجهل البسيط هو الذي لا يعلم، يقول «لا أعلم» عندما يقال له مثلا «سنة كم غزوة أحد؟» يقول «لا أعلم»، هذا جاهل بسيط يعلم أنه جاهل. لكن الذي يقال له «سنة كم غزوة أحد؟» فيقول «سنة خمسة»، هذا يسمى جهلا مركبا. وكذلك من عمل بخلاف الحق فهو جاهل، وكما جاء في حديث القضاة الثلاثة، ومنها أنه علم الحق وقضى بخلافه فهو جاهل وهو في النار. وأيضا هنا قال: وكذلك من عمل بخلاف الحق وهو يعلمه فهو جاهل، وإن علم أنه مخالف للحق. قال جل وعلا ﴿إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة﴾، قال أصحاب محمد كل من عمل سوءا فهو جاهل، فإن تاب ورجع فهذا لعلمه، وإن استمر على معصيته وعلى سوءه فهو جاهل فيستمر على الجهل. قالوا: سبب ذلك أن العلم الحقيقي الراسخ في القلب يمتنع أن يصدر معه ما يخالفه من قول أو فعل، فمتى صدر خلافه فلابد من غفلة القلب عنه أو ضعفه في القلب بمقاومة ما يعارضه، وتلك أحوال تناقض حقيقة العلم، فيصير جهلا بهذا الاعتبار. قالوا: من هنا تعرف دخول الأعمال في مستحق الإيمان حقيقة لا مجازا، وإن لم يكن كل من ترك شيئا من الأعمال كافرا ولا خارجا عن أصل مسمى الإيمان. وكذلك اسم العقل ونحو ذلك من الأسماء، ولهذا يسمي الله تعالى أصحاب هذه الأحوال موتى وعميا وصم وبكما وضالين وجاهلين، ويصفهم بأنهم لا يعقلون ولا يسمعون. فإذا تبين ذلك، فالناس قبل مبعث الرسول صلى الله عليه وسلم كانوا في حال جاهلية منسوبة إلى الجهل، فإنما كانوا عليهم الأقوال والأعمال إنما أحدثها لهم جاهل وإنما يفعلها جاهل عن هذه العادات السيئة التي كانت عندهم. قالوا: وكذلك كل ما يخالف ما جاءت به المرسلون من يهودية ونصرانية فهي جاهلية، ولهذا قال الله عز وجل ﴿أفحكم الجاهلية يبغون﴾، فسمى كل حكم ليس بحكم لله فهو حكم جاهلية. قالوا: تلك كانت الجاهلية العامة، فأما بعد مبعث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قد تكون في مصر دون مصر كما هي في دار الكفار. ولهذا كما ذكرنا قبل أن العلماء قالوا: من وصف دارا بالجاهلية المطلقة فهو تكفير، فهو يعتبر تكفير. وإنما يصفهم بالجاهلية التي فيها معناه، يقول مثلا «فيهم جاهلية»، يقول «فيهم جاهلية»، أما يقول «هذه جاهلية» أو «هذا الزمان جاهلي»، مثل ما سمى محمد قطب كتابه «جاهلية القرن العشرين»، فهذا خطأ. قال رحمه الله: كما هي في دار الكفار، وقد تكون في شخص دون شخص، كالرجل قبل أن يسلم فإنه في جاهلية وإن كان في دار إسلام. قال: فأما في زمان مطلق فلا جاهلية بعد مبعث محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فإنه لا تزال طائفة من الأمة ظاهرين على الحق إلى قيام الساعة. وهذا بيان من الشيخ يبين أن بعد مبعث النبي صلى الله عليه وسلم ليس هناك جاهلية مطلقة، وإنما الجاهلية المطلقة قد تكون في ديار الكفر، ممكن تكون، لكن في ديار الإسلام لا تكون أبدا. قال: والجاهلية المقيدة قد تقوم في بعض ديار المسلمين وفي كثير من الأشخاص المسلمين، كما قال صلى الله عليه وسلم «أربع في أمتي من أمر الجاهلية»، وقال لأبي ذر «إنك امرؤ فيك جاهلية»، وهذا الحديث قد تقدمت، وهي صحيحة في مسلم. فقوله في الحديث «ومبتغ في الإسلام سنة جاهلية» يندرج فيه كل جاهلية مطلقة أو مقيدة، يهودية أو نصرانية أو مجوسية، هذه من الجاهليات المطلقة، أو صابئة أو وثنية أو مركبا من ذلك أو بعضه أو منتزع من بعض هذه الملل الجاهلية، فإنها جميعها مبتدعها أو منسوخة صارت جاهلية بمبعث محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وإن كان لفظ الجاهلية لا يقال غالبا إلا على حال العرب التي كانوا عليها. فإن المعنى واحد، فكل من كان على دين غير دين النبي عليه الصلاة والسلام بعدما بعثه فهو جاهلية. قالوا: في الصحيحين عن نافع عن ابن عمر أن الناس نزلوا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على الحجر أرض ثمود، فاستقوا من آبارها وعجنوا به العجين، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يهريقوا ما استقوا ويعلفوا الإبل العجين، وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت تردها الناقة. وهذا في الصحيحين كما ذكر الشيخ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهاهم أن يشربوا من الآبار التي لثمود. قال: ورواه البخاري من حديث عبد الله بن دينار عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما نزل الحجر في غزوة تبوك أمرهم أن لا يشربوا من بآرها ولا يستقوا منها، فقالوا: قد عجننا منها واستقينا، فأمرهم النبي عليه الصلاة والسلام أن يطرحوا ذلك العجين ويهريقوا ذلك الماء، والعجين جعله للنواضح، أي الإبل. قالوا: وفي حديث جابر عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «لما مر بالحجر لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم، أن يصيبكم ما أصابهم». قال: فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الدخول إلى أماكن المعذبين إلا مع البكاء خشية أن يصيب الداخل ما أصابهم. قال: ونهى عن الانتفاع بمياههم، حتى أمرهم مع حاجتهم في تلك الغزوة، وهي أشد غزوة كانت على المسلمين ناحية الماء، وأيضا الأرض التي بين الشام والمدينة أرض سبخة، أرض صحراء، فلهذا كانوا يمشون في صحراء، فهم أحوج إلى الماء، لكن منعهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يشربوا من آبار ثمود. قال: وهي أشد غزوة كانت على المسلمين أن يعرفوا النواضح بعجين مائهم. وكذلك أيضا الرؤية عنه صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الصلاة في أماكن العذاب، رواه أبو داود عن سليمان بن داود. هذا نتركه في الدرس اللاحق.