الدرس في التعليق على متممة الآجرومية في علم العربية 61، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستعرض المقطع معنى حرف العطف "أم" عند ورودها على مستويين في الحكم لطلب التعيين بين أمرين مجهولين للمتكلم مع التمثيل الإعرابي. ثم يفصل في دلالات "أو" مميزاً بين استخدامها للتخيير عند امتناع الجمع بين المعطوفين، واستخدامها للإباحة عند جواز الجمع بينهما.
يبين المقطع دلالات حرف العطف "أو" وما يماثلها كـ "إما"، موضحاً ورودها بعد الطلب للدلالة على التخيير، وورودها في الخبر للدلالة على الشك أو الإبهام أو التفصيل. يستشهد المحاضر بآيات قرآنية وأمثلة نحوية لتوضيح الفروق الدقيقة بين هذه الدلالات.
يشرح المقطع وظيفة "إما" بأنها لا تعطف بنفسها بل تحتاج لواو العطف، ثم يوضح معاني "بل" في الإضراب عن الأول أو الانتقال للأهم. كما يفصل في "لكن" كأداة استدراك لرفع توهم ثبوت أو نفي صفة، ويختتم بتوضيح "لا" لنفي الحكم عما بعدها مع إعراب مثال "جاء زيد لا عمرو".
يعلن المحاضر انتهاء الجلسة العلمية لهذا اليوم مختتماً بالبسملة والدعاء بالخير للحضور. تشكل هذه الفقرة نهاية رسمية للدرس وتلخيصاً لروح الجلسة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. وبعد، قال: "أم لطلب التعيين". إن كانت بعد همزة داخلة على أحد المستويين، ومعنى "لطلب التعيين": أي أن المخاطب يريدك أن تعين أحد شيئين، يعني تقول: "هذا أو هذا"، وهذا يكون بتقدم همزة داخلة على أحد المستويين، يعني الذي طلب بينهما التعيين. ومعنى "المستويين": أي في الحكم في ظني المتكلم. فإذا قلت مثلًا: "أزيد عندك أم عمرو؟" فأنت الآن تطلب التعيين من المخاطب، يعين لك أحد الشخصين: الذي قبل "أم" أو الذي بعده. ومعنى المستويين كما قلنا: أي في الحكم، فهو لا يعلم أيهما عندك، هو يعلم أن أحدهما عندك لكن يجهل منه: أهو زيد أم عمرو؟ فهما مستويان، فهما مستويان بالنسبة لمن؟ للمتكلم. الآن أنا مثلًا سمعت صوتًا في غرفتك، فأقول لك: "يا فلان، أزيد عندك أم عمرو؟" أنا عارف أن أحدهما عندك لكن ما أدري أيهما، ما أدري، فأطلب منك ماذا؟ التعيين، تعين لي أحدهما. والله، هذا الآن فتقول في الإعراب: "أزيد عندك أم عمرو"؛ الهمزة للاستفهام، وزيد مبتدأ، وعندك خبر، و"أم" حرف عطف، وعمرو معطوف على زيد. ومثله مثلًا تقول على سبيل المثال: "أضربت زيدًا أم عمرًا؟" أنا أعرف أنك ضربت أحدهما بس ما أدري من هو. "أضربت زيدًا أم عمرًا"؛ سأقول: زيدًا مفعول به، و"أم" حرف عطف، وعمرًا معطوف على زيد، فهو منصوب مثله. فهمتم هذا؟ الآن قال: "أو للتخيير أو الإباحة بعد الطلب". يعني "أو" حرف عطف قد يفيد التخيير، وقد يفيد الطلب، وقد يفيد الشك أو الإبهام أو التفصيل. هذا كله من معاني "أو". أولًا: كيف تفرق بين التخيير والإباحة؟ التخيير: إذا امتنع الجمع بين المعطوف والمعطوف عليه، يعني تعذر الجمع بينهما، هنا يقال: التخيير، تختار واحد. مثل ما أقول لك: "تزوج هندًا أو أختها". هل يجوز لك أن تجمع بينهما؟ لا يجوز، ما يجوز أن يتزوج الرجل على أخت زوجته، فهنا "أو" للتخيير، ليست للإباحة. أما الإباحة: فهي جواز الجمع بين المعطوف والمعطوف عليه، يعني لا يوجد مانع من أن تجمع بينهما. من أن تجمع بينهما، فأجبت لك مثلًا: قهوة وعصير، تمام. فقلت لك: "اشرب القهوة أو العصير". "أو" تفيد ماذا؟ تفيد الإباحة. هل هناك مانع أنك تشرب أولًا العصير ثم تشرب القهوة؟ ما في مانع. أو تشرب القهوة ثم تشرب العصير؟ هل يمتنع الجمع بينهما؟ ما يجتمع. فهمتم هذا؟ "أدرس النحو أو الفقه". هل يتعذر الجمع بين دراسة النحو والفقه؟ ها، لا يتعذر، تستطيع أن تجمع بينهما. والشيء الذي لا تستطيع أن تجمع بينهما فيسمى التخيير. وقوله: "بعد الطلب" يعني الإباحة لا بد أن يسبقها أمر: "تزوج"، "ادرس"، "اشرب". هذا كله ماذا؟ أمر، وهو المراد به الطلب. لا تكون الإباحة بعد الطلب، وكذلك التخيير بعد الطلب، كلاهما يأتي بعد الطلب. فمثل هنا بالتخيير: "تزوج هندًا أو أختها". "تزوج" فعل أمر، والفاعل مستتر، وهندًا مفعول به، و"أو" حرف عطف، وأخت معطوف على هند. "جالس العلماء أو الزهاد". فيجوز الجمع بين مجالسة العلماء والزهاد، أو هنا للإباحة، أو هنا للإباحة. قال: "والشك أو الإبهام". الشك أو الإبهام يعني على السامع مع علم المتكلم بالحال. المتكلم يعرف، ما عنده شك وما عنده إبهام، لكن الشك أو الإبهام بالنسبة لمن؟ بالنسبة للسامع. مثاله: مثلا أقول لك كما في الآية: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾. فالنبي صلى الله عليه وسلم مستيقن أنه على هدى، لكن هذا الشك بالنسبة للمخاطبين السامعين، بالنسبة للسامعين، فهذا من باب الحجة والمحاجة. نعم، ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ﴾ هذا لي الشك ﴿لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ هذا للإبهام، للإبهام. نريد مثالًا آخر: تقول مثلًا لإنسان، مثلًا صوفي، إنسان صوفي، تقول له مثلًا: "القبور، القبور". من باب يعني مجادلته، من باب مجادلته: "القبور، القبور، أهلها يسمعون أو ينفعون". تجادله أنت وأنت تعرف أنهم يسمعون ولكن لو سمعوا ما نفعوا، واضح. فأنت تشككه في هذا، تشككه في هذا، من باب المجادلة والمحاجة. قال: "أو التفصيل بعد الخبر". نحو: ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾. نعم، فهذا "لبثنا يومًا أو بعض يوم" هذا للشك، ما هم عارفين: لبثنا يومًا أو بعض يوم، نحن شاكون في ذلك. الآن هنا مثل على الثلاث: يعني "أو" تأتي للشك أو الإبهام أو التفصيل. الشك أو الإبهام أو التفصيل. فهذا مثال الشك: "لبثنا يومًا أو بعض يوم"، الشك في هذا. وللإبهام: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾، هذا للشك. و﴿كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ هذا للتفصيل. "كونوا هودًا أو نصارى"، التفصيل بمعنى ذكر، يعني ما فيه تفصيل، فاليهود غير النصارى. وهنا ما قال: "كونوا كفارًا"، لا، قال: "كونوا هودًا أو نصارى"، فيه شيء من التفصيل، فيه شيء من ماذا؟ من التفصيل. قال: "وإما بكسر الهمزة مثل أو بعد الطلب والخبر". "تزوج إما هندًا وإما أختها". فهي مثل "أو"، قد تكون للتخيير، وقد تكون كذلك للطلب، وقد تكون للشك أو الإبهام أو التفصيل. نعم، وقيل: إن العطف إنما هو بالواو، وإن "إما" حرف تفصيل كالأولى، فإنها حرف تفصيل. وهذا الحمد لله أديكم بات، وهذا هو الصحيح. يعني ما تجد "إما" تعطف بنفسها، لا بد أن يأتي بعدها ماذا؟ الواو حرف العطف، أو أن يأتي قبلها الواو حرف العطف. ففي الحقيقة إن العطف ليس بها وإنما بالواو. العطف ليس بـ "إما" وإنما هو بالواو. "تزوج إما هندًا وإما أختها". نقول: أختها معطوف على هند، وحرف العطف هو الواو، ليس "إما". عرف العطف هو ماذا؟ الواو، وليس "إما". قال: "وبل للإضراب غالبًا". نحو: "قام زيد بل عمرو". والإضراب هو الإعراب عما قبلها، تعرض عن الشيء الذي قبلها، وهذا معنى الإعراب. هذا في الغالب. وقد تجيء لترك الشيء للأهم، يعني أنت ما عرضت عن الأول وإنما أردت ما هو أهم من الأول، ما هو أهم من الأول. مثل ما تقول: "وجهك النجم بل البدر بل الشمس". يعني بالغت في التشبيه: أولًا شبهته بالنجم، بل بعدين أردت أن تزيد في المدح والثناء والتشبيه، فقلت: "بل البدر"، فأردت أن تزيد في المدح والتشبيه، قلت: "بل الشمس". هذا ما أضربت عن الأول، أردت الأول وزيادة، أردت الأول وزيادة. لكن قد تجيء للإضراب فقط، مثل ما مثل هنا: "قام زيد بل عمرو". هنا ما قام زيد، قام عمرو، فأضربت عن الأول، يعني أعرضت عنه ولم تقصده أصلا. واضح هذا الآن؟ قال: "ولكن للاستدراك". نحو: "ما مررت برجل صالح لكن طالح". والاستدراك ومعناه هو رفع توهم، رفع توهم شيء. الاستدراك هو رفع توهم شيء يراد ثبوته أو يراد نفيه، يراد ثبوته أو يراد نفيه. مثاله في هذا المثال: "ما مررت برجل صالح لكن طالح". يعني قد يقول: "ما مررت برجل صالح"، قد يقول قائل: إذن مر برجل عادي، رجل عام وكذا. لكن لما قال: "لكن طالح"، رفع هذا التوهم، رفع هذا التوهم. ومثل ما تقول: "زيد بخيل". قد يتوهم أنه ماذا؟ أنه رجل بخيل، ورجل كذلك فاسد، صح؟ لأنه بخيل، إنسان فاسد. لكن قد يكون البخيل إنسان مثلًا عالم، لكن من يعمل بعلمه، تقول: "لكنه عالم". هنا استدركت شيء يتوهم ماذا؟ يتوهم ثبوته، فأنت نفيته. والعكس: تقول: "زيد صالح لكنه بخيل". هنا ماذا فعلت؟ أثبت ما يتوهم ماذا؟ ما يتوهم ثبوته، خليص كذلك وهو عدم البخل، فأثبت له البخل. فهذا يسمى استدراك. قال: "ولا لنفي الحكم عما بعدها". نحو: "جاء زيد لا عمرو". فالآن أثبت المجيء لزيد ونفيته عما بعدها وهو من عمرو، نفيته عن عمرو. فهذا يسمى نفي الحكم عما بعدها. والإعراب واضح: "جاء" في علماء، "زيد" فعل، "لا" حرف عطف، "عمرو" معطوف على زيد. طيب، نكتفي اليوم بهذا، وإلى هنا والله تعالى.