شرح كتاب التوحيد 55

شرح كتاب التوحيد 55

الدرس في شرح كتاب التوحيد 55، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في التبرك بالأشجار والأحجار

المؤلف يشرح باب التبرك بشجرة أو حجر ونحوهما، ويبين احتمالين لصنيعه في سكوت عن جواب الشرط. التبرك قد يوقع في الشرك أو يكون مشروعًا أو ممنوعًا.

تعريف التبرك وأحكامه

التبرك هو طلب البركة من الله، والبركة هي ثبوت الخير الإلهي في الشيء. طلب البركة يكون بالقول أو الفعل أو الاعتقاد، ولا يجوز الاعتقاد أن أحدًا من المخلوقات يوهب البركة.

البركة بيد الله وحده وطلبها بالدعاء

البركة بيد الله وحده، ويجب طلبها من الله مباشرة أو عبر الدعاء من شخص صالح. يُحذر من الاعتقاد أن أحدًا من المخلوقات يوهب البركة أو يتبارك بذاته.

ختام بالدعاء والصلاة على النبي

المقطع ينتهي بدعاء بأن ينفع الله تعالى بما قيل، ويُتبع بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، ويُظهر الرغبة في نيل رضا الله والتوفيق.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب من تبرك بشجرة أو حجر ونحوهما. عقد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الباب، وهو من أهم الأبواب من كتاب التوحيد، لما فيه من التفريع والتأصيل. فقال رحمه الله تعالى: باب من تبرك بشجرة أو حجر ونحوهما. من المسائل المتعلقة بهذا التأصيل، إخواني في الله، أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الباب بعدما تحدث رحمه الله عن باب ما جاء في الرقى والتمائم. فياترى هل هناك تناسب بين الأبواب؟ الجواب: نعم، فمن أوجه التناسب بين هذا الباب وبين الذي قبله أن ما مضى ذكره، باب ما جاء في الرقى والتمائم، كان فيه التعلق بالحلق والخيوط والتمائم، ثم أورد هذا الباب، وهو أيضًا فيه نوع من أنواع التعلق، إذ أن التبرك فيه التعلق بالأماكن والذوات والأزمان والأشخاص، فذاك فيه تعلق، وهذا كذلك فيه نوع تعلق، فناسب أن يذكر هذا الباب ويردفه بباب ما جاء في الرقى والتمائم. قال رحمه الله تعالى: باب من تبرك بشجرة أو حجر ونحوهما. سكت المؤلف رحمه الله تعالى، لم يأتِ بالإجابة المنتظرة منه. ما فيه الجواب؟ باب من تبرك بشجرة، هذه أسلوب شرط، فعل الشرط: من تبرك، ما هو جوابه؟ ما هو جزاؤه؟ لم يذكر لنا المؤلف رحمه الله تعالى شيئًا. فعلى ماذا يحمل؟ لماذا سكت المؤلف رحمه الله تعالى ولم يذكر لنا جواب الشرط؟ حمل العلماء هذا الصنيع من المؤلف رحمه الله تعالى على أمرين اثنين. الأمر الأول: يحمل أنه أراد رحمه الله تعالى بقوله: باب من تبرك بشجرة أو حجر ونحوهما، فقد أشرك، فقد أشرك، أي وقع في الشرك، لكن قد يقع في الشرك الأكبر، وقد يقع في الشرك الأصغر. فلما كانت الأمور محتملة بين هذا وذاك، أطلق العبارة فسكت. وهذا حمله جماعة من العلماء، وكما فعل ذلك الإمام السعدي رحمه الله تعالى، قال: أي فإن ذلك من الشرك، هذا التقدير: أي فإن ذلك من الشرك. والاحتمال الثاني المتوقع من صنيع المؤلف رحمه الله تعالى أنه قال: باب من تبرك بشجرة أو حجر ونحوهما، سكت؛ لأن من التبرك ما يكون تبركًا مشروعًا، ومن التبرك ما يكون تبركًا ممنوعًا. هناك تبرك مشروع، وتبرك ممنوع، كما سيأتي معنا. فلما كانت مجالات التبرك على طرفين، قيض سكت المؤلف رحمه الله تعالى وأطلق العبارة. قال: باب من تبرك بشجرة أو حجر ونحوهما، فسكت. إلا أن هذا القول، وإن قال به جماعة من أهل العلم، ضعف؛ لماذا ضعف؟ ضعف بهذه القراءة المذكورة: باب من تبرك بشجرة أو حجر. هل توقع أن يكون من التبرك المشروع ما يكون التبرك بالأشجار والتبرك بالأحجار؟ الجواب: لا، بل قد قام الإجماع على حرمة التبرك بالأشجار والأحجار. ولهذا قول من قال: إن باب من تبرك بشجرة أو حجر ونحوهما، وأن المؤلف سكت؛ لأن من التبرك ما يكون مشروعًا أو ما يكون ممنوعًا، ما يتصور في هذا المقام؛ لأن المؤلف أشار إلى هذه النماذج على أن هذه الأنواع شرك. ولهذا القول الصحيح ما ذهب إليه أصحاب القول الأول: باب من تبرك بشجرة أو حجر ونحوهما، فقد أشرك، ولكن شركه إما أكبر وإما أصغر، كما سيأتي تفصيله. هذا، إخواني في الله، ما يتعلق بتبويب المؤلف. ثم قال: ونحوهما، إشارة إلى كل ما يتبرك به في عالم الناس، كالذي يتبرك بمشهد أو يتبرك بقبر أو يتبرك ببقعة، كل هؤلاء يدخلون في هذا الحكم. قبل أن ندخل مع المؤلف رحمه الله تعالى في أدلته، نتنبه إلى بعض المسائل المهمة. أولًا، قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب من تبرك. التبرك مأخوذ من البركة. وما معنى البركة؟ يقول العلماء: البركة تأتي في اللغة بمعنى النماء، بمعنى الزيادة، بمعنى الكثرة، بمعنى الوفرة، معاني متقاربة. وذهب جماعة من أهل العلم إلى أن كلمة بركة مأخوذة من البركة، أو مأخوذة من البروك. وكل له معنى. فالبركة قيل: إنها مأخوذة من البركة، والبركة هي حوض الماء. ولا يكون الماء يقال عنه بركة إلا إذا بكثرة الماء المتجمع فيه. إذن، فالبركة تدل على الكثرة. قالوا: هكذا البركة فيها كثرة خير. وعلى قول من ذهب إلى أن البركة مأخوذة من البروك، والبروك هو بروك البعير إذا جثا البعير بقوامه جثا على الأرض، يقال: برك البعير. والبروك فيه معنى الثبوت؛ لأن البعير إذا برك في مكان ثبت واستقر وما تحرك. إذن، قالوا: فالبركة فيها معنى الثبوت واللزوم والاستقرار. فإذا جمعنا بينهما، كان معنى البركة كما قال الإمام الراغب رحمه الله تعالى: هو ثبوت الخير الإلهي في الشيء. هذه هي البركة: ثبوت الخير الإلهي في الشيء. فإذا رأيت أن خيرًا ما، خير رباني من عند الله، ثبت واستقر في أمر من الأمور، اعلم أن البركة قد حلته وقد سقطت عليه. فالتبرك هو طلب البركة. التبرك إذن هو طلب البركة، طلب هذا الثبوت، طلب الخير الإلهي الكامل في هذه الأشياء. طلبها يكون بالقول، يكون بالفعل، يكون بالاعتقاد. هذا هو معنى التبرك. باب من تبرك، أي من طلب البركة، من طلب الخير الإلهي الثابت، طلبك قولًا أو فعلًا أو اعتقادًا. والفائدة الثانية أنبه عليها في هذا المقام: أن البركة من الله، هذه قاعدة. ما أحد ينبغي أن يتردد فيها. كما أن الرزق من عند الله، والعافية من عند الله، والنعم والأرزاق من عند الله، فالبركة من عند الله جل في علاه. ولهذا صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما جاء في البخاري عن ابن مسعود قال: والبركة من الله. والبركة من الله. فالله جل في علاه هو الذي بيده البركة، فيجعلها لمن شاء من خلقه. ومن مخلوقاته، ولهذا جاءت النصوص الكثيرة من الكتاب والسنة ما تدل على ذلك، كقوله سبحانه وتعالى: ﴿تبارك الذي بيده الملك﴾، وقال سبحانه: ﴿وباركنا عليه وعلى إسحاق﴾، وقال سبحانه: ﴿وجعلني مباركًا﴾، وقال سبحانه: ﴿كتاب أنزلناه إليك مبارك﴾. ومن هنا، إخواني في الله، تأتي أحكام ثلاثة. إذا علمنا أن البركة بيد الله، وأن الله يعطيها لمن شاء، تأتي لنا المسائل الثلاثة: الأولى: لا يجوز بحال أن تظن أن أحدًا يوهب البركة. لا يجوز أن تعتقد أن ذاتًا إنسانًا هو الذي يوهب البركة. ما أحد يملك البركة. فالبركة من أين؟ من الله. الله عز وجل هو الذي بيده البركة. كحال مثلا ما نرى عند القسيسين عند البابوات في النصارى، يذهب الرجل إلى يوحنا فلان وفلان، فيطلب منه البركة، فيعطيه البركة، يقسم البركة. هذا عند النصارى يعتقدون أن هذا البابا أو يوحنا أو بولس الخامس والسابع والعاشر يقسم البركة لشعبه. هذه عقيدة الكفار. ومثله ما نجده عند بعض الناس، كما سيأتي في الأمثلة، من يظن أن الشيء الفلاني فيه البركة وأنه يعطي البركة لغيره. هذا لا يجوز. وإنما أنت يا عبد الله، إن كان من أمر تطلب البركة لك، أن تذهب إلى رجل صالح، تقول: يا فلان، ادع الله لي، ادع الله لي بالبركة، ادع الله لي بالخير، ادع الله لي بالتوفيق. فيقوم هذا يقول: اللهم بارك لفلان، اللهم ارزق فلان، يا رب. يدعو لك. لك أن تطلب منه الدعاء، لكن ليس من تطلب منه الدعاء أن يطلب من الله لك هذا الأمر. إخواني في الله، يكون على هذا الأساس يفهم كذلك. علينا أن نعلم، إخواني في الله، في هذا الباب: أنه لا أحد ولا شيء يتبارك بذاته إلا الله سبحانه. لا أحد يتبارك كما قلنا، لا أحد يوهب البركة. الثاني: لا أحد يتبارك، أي ذات تتبارك بنفسها لا أحد إلا الله عز وجل. ﴿تبارك الذي بيده الملك﴾، هو الله فقط. فمن ظن في نفسه أن البركة تنمو فيه وتتكاثر فيه، أو ما نرى من عبارات الناس: تبارك فلان، لا. ما في تبارك فلان. تبارك فلان، هذه تبارك لله سبحانه وتعالى. هذه من خصائص الرب، هو الذي يتنامى، هو الذي يكثر خيره جل في علاه. وأنت يا عبد الله، إنما تسقط عليك البركة، لا أنت المو فيه. ثالثًا: إذا علمنا أن لا أحد يوهب البركة إلا الله، إذا لا يجوز يا عبد الله أن تطلب البركة من غير الله. أطلبها من الله. وكما سيأتي معنا بإذن الله في ذكر الأماكن والمحلات والأشياء التي جعلها الله عز وجل مباركة. وأن سننظر كذلك كيفية اقتباس البركة. فالشاهد، إخواني في الله، أن ما أشار إليه المؤلف رحمه الله تعالى بقوله: باب من تبرك بشجرة أو حجر ونحوهما، فهي من المسائل العظيمة المتعلقة بتفاصيل كتاب التوحيد. أسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.