شرح كتاب التوحيد للإمام محمد بن عبدالوهاب 26

الدرس في شرح كتاب التوحيد للإمام محمد بن عبدالوهاب 26، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

الغلو في الصالحين وبداية الشرك

الغلو في الصالحين هو أحد الأسباب الرئيسية للشرك في الأمم السابقة والحالية، حيث غلا اليهود والنصارى في الصالحين حتى عبدوهم مع الله. هذا التحذير الإلهي يشير إلى خطورة الغلو في الدين.

تحذير النبي من الغلو

النبي حذر من الغلو لأنه يؤدي إلى الشرك، مستشهداً بتحذيره من الإطراء كما فعل النصارى مع ابن مريم. يُذكر أن أسماء رجال صالحين من قوم نوح أصبحت آلهة تُعبد بعد أن نُسي العلم.

أسباب الشرك وعبادة غير الله

الغلو في الصالحين يؤدي إلى الشرك، كما هو موضح في قصص الأمم السابقة مثل قوم نوح والصابئة ومشركي قريش. تعظيم الصالحين والقبور والأصنام أدى إلى عبادتها من دون الله، ودور عمرو بن لحي كان كبيراً في نشر عبادة الأصنام.

احترام حامل القرآن وتجنب الغلو

يجب إكرام حامل القرآن مع تجنب الغلو أو الجفاء في التعامل معه. الغلو في عبادة حامل القرآن أو في القرآن نفسه يخرج عن الطريق الصحيح، فيجب احترام من يحمل القرآن ويحسن التعامل معه.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله صلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب رحمه الله تعالى: باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين. وقول الله عز وجل: ﴿يا أهل الكتاب لا تغلو في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق﴾. هذا الباب من الأبواب العظيمة التي فيها البراهين القوية على أن هذا الشرك الذي يحصل في هذه الأمة مثل ما حصل في الأمم التي سبقت، وكان سببه الغلو في الصالحين. فذكر المؤلف الأدلة في ذلك حتى يبين أن هذا الغلو هو سبب من الأسباب الرئيسية التي حصل بها الشرك في الأمم السابقة، وهذا السبب موجود كذلك في هذه الأمة، وحصل بها الغلو في الصالحين حتى صارت أصناما وقبورا تعبد من دون الله جل وعلا. قال: ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين، وقول الله عز وجل: ﴿يا أهل الكتاب لا تغلو في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق﴾. فأهل الكتاب، سواء كان اليهود أو النصارى، كان سبب كفرهم وشركهم هو الغلو في الصالحين حتى صيروهم آلهة، بل حتى صيروهم أبناء الله. وهذا كله بسبب الغلو. فاليهود قالت: «عزير ابن الله»، وعزير رجل صالح، وقيل إنه نبي كان في بني إسرائيل، وكان يعبد الله عز وجل، فعظمه اليهود. مع أن اليهود يقتلون الأنبياء، لكن سبحان الله عظموا هذا الرجل الصالح ورفعوا مرتبته حتى قالوا: هو ابن الله. وهكذا فعلت النصارى لما رأوا المعجزات العظيمة من عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام، فإنهم غلوا فيه حتى قالوا: إنه ابن الله. قال الله عز وجل: ﴿قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد﴾. وقال في الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما في قول الله تعالى: ﴿وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا﴾، قال: «هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابا وسموها بأسمائهم، ففعلوا ولم تعبد حتى إذا هلك أولئك ونسي العلم عبدت». ذكر هذه القصة الإمام البخاري في صحيحه من طريق ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس، وذكرها عبد الرزاق في مصنفه. فقال عن عطاء بن مسلم الخرساني عن ابن عباس. فاختلف العلماء في هذا الحديث، وكأن الإمام البخاري أخرجه على أنه عطاء بن أبي رباح؛ لأن غالبا إذا قال ابن جريج عن عطاء فهو عطاء بن أبي رباح. المهم أن معنى ذلك أنه لما نسي العلم وجاء أجيال وجدوا أنهم يعظمون هؤلاء، فما وجدوا شيئا يعظمون به هؤلاء إلا العبادة، أنهم يعبدونهم. وهذا تجد حتى في الأمور العادية، ليس في غلو الأصنام بل حتى في مسألة العشق، عشق الرجل المرأة، تجد يتطور هذا المحبة، يغلو الرجل في محبة المرأة حتى يصيرها كالإله، معنى يكون عبدا لها. فالأمور التي يكون فيها تأله تكون أعظم. فلهذا من لم يزن أعماله بميزان الشرع لا شك أنه سيزل في أي شيء كان، في المحبة في البغض، حتى في البغض في المعاملة. إذا غلا الإنسان أو جفى لابد أنه سيضل. والغلو أعظم من الجفاء. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله». أخرجاه، وظهر أنه في البخاري فقط. وقال صلى الله عليه وسلم: «إياكم والغلو؛ فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو». أخرجه أحمد والنسائي وغيرهم. فالنبي صلى الله عليه وسلم قال مثل هذا، ونهى عن الغلو. ولا شك أن هذا الغلو هو أهلك جميع الأمم، فأرداهم إلى الشرك. من نظر إلى الأمم التي عبدت غير الله عز وجل، ما أرداهم إلى شرك إلا الغلو في الصالحين. فلهذا قوم نوح أولهم، ثم بعد ذلك الصابئة الذين عبدوا الكواكب، عظموا الكواكب. قالوا: هذا النجم يهدينا إلى الطريق، يهدينا للبر، يهدينا كذا. فكانوا يعظمون هذه الكواكب والنجوم، فجاء من بعدهم وعظمهم أكثر حتى عبدت من دون الله. فالصابئة هم الذين عبدوا الكواكب، الذين كانوا في زمن إبراهيم نبي الله إبراهيم عليه الصلاة والسلام، التي ذكر قصتهم الله عز وجل أو قصة إبراهيم معهم في سورة الأنعام. فهؤلاء غلوا في هذه الكواكب حتى عبدوها من دون الله. كذلك أيضا ما جاء في الأمم من عبادة الأصنام، حتى اليهود والنصارى غلوا في الصالحين. كذلك مشركي قريش، من أين جاء لهم عبادة الأصنام وهم كانوا على دين إبراهيم؟ هذا من تعظيم الصالحين. فرأوا أن هناك أناس صالحون لهم تذكار، لهم قبور أو يتذكرونهم مثل اللات، هذا الذي كان يلت السويق للحاج، والعزى اختلف ما المراد بالعزى، منهم من قال: إنها جنية كانت يعظمونها فصاروا لها صنما. والمهم ومناة أيضا كذلك. فجاء عمرو بن لحي الخزاعي وجاء بأصنام من الشام، حتى يقال إنه جاء بهذه الأصنام كما ذكر ابن عباس، نفس الأصنام التي كانت تعبد عند قوم نوح، كانت عند رجل في الشام، فجاء بها عمرو بن لحي الخزاعي ووضعها في أرض العرب حتى عبدت من دون الله مرة أخرى. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هلك المتنطعون». قالها ثلاثا. المتنطعون هم المتشددون في الأمور، تنطع أي تشدد وتعمق في الأمر حتى خرج عن العدل. فشرع الله عز وجل مبني على العلم والعدل، لا بد من العدل في كل شيء. فالعدل هو وضع الشيء في موضعه، لا جفاء ولا غلو. ولهذا من احترام أو من إجلال الله عز وجل كما جاء في حديث أبي موسى: «إكرام حافظ القرآن»، الذي قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي موسى، قال: «إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم، والسطان المقسط، وحامل القرآن غير الجافي عنه والغالي فيه، لا جفاء عنده ولا غلو». هذا الذي يحترم. وأما الغالي والجافي فهؤلاء قد خرجوا عن الطريق الصحيح. فهلك المتنطعون، أي الذين يتنطعون في عباداتهم في أفعالهم، لا يسلكون سبيل العلم والعدل.